«قلبي مع الذين لا أعرفهم، والذين سيموتون هذه الليلة»، هذا ما قالته الفنانة اللبنانية فيروز في المسرحية الغنائية «يعيش». وهذا ما أشعر به على خلفية تصريح ترامب بأن القدس هي عاصمة إسرائيل. في المسرحية الغنائية توقعت فيروز أن يكون قتلى بسبب نية مهربين السيطرة على الحكم. وفي الواقع كثيرون مثلي توقعوا بحزن، نتيجة مشابهة بسبب قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. حتى الآن الحصاد الدموي وصل إلى خمسة قتلى فلسطينيين ومئات المصابين. ولكن «الليلة في بدايتها»، كما يقولون بالإنكليزية.
قلبي ليس فقط مع الذين قتلوا وأصيبوا، والذين سيقتلون ويصابون، بل قلبي أيضا مع الذين سرعان ما تحولوا إلى هدف لتحريض وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، الرجل المحاط بعصابة لا تُخجل الأربعين حرامي الذين أحاطوا بعلي بابا. هذا الرجل يريد التخلص من عرب المثلث، هذا يعتبر تقدم. فقبل ذلك هدد بقطع رؤوس معارضيه (العرب) بالبلطة.
بين تحقيق وآخر مع نتنياهو وتورط وآخر لأعضاء حاشية ترامب في علاقة مع روسيا، يأتينا هذا التصريح. لن أكون متفاجئا إذا قامت لجنة تحقيق تم تشكيلها من أجل التحقيق في ظروف سفك الدماء، بإثبات صحة المقولة الخالدة لصموئيل جونسون: «الوطنية هي الملاذ الأخير للشر».
ما الذي ينقص سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، رون ديرمر، في الوضع الحالي للمدينة؟ فمن يقوم بزيارة إسرائيل لا يقاطع القدس، وكل من يزور الكنيست ومكتب رئيس الحكومة أو مقر الرئيس لا يقاطعها. والأكثر من ذلك أنهم جميعا يعترفون عمليًا بغرب القدس كعاصمة لإسرائيل. هم فقط يريدون شيئا صغيرا واحدا، تأجيل الاعتراف الرسمي بغرب القدس إلى حين التوصل إلى اتفاق السلام يرضي الفلسطينيين بشأن عاصمتهم التي ستكون شرق القدس.
في المقابل، العالم العربي الرسمي يعمل بشكل علني ضد الفلسطينيين. وإذا أردنا تلخيص الأمور حتى الآن يمكننا القول: مقابل الـ 130 مليار دولار التي حصل عليها ترامب من مضيفيه السعوديين في زيارته الأخيرة للسعودية، فإن العرب حصلوا على القدس كعاصمة لإسرائيل.
يمكننا تخيل مجريات الأمور عندما يصل مبلغ المشتريات الأمنية للسعودية من الولايات المتحدة إلى 400 مليار دولار. وبعد ذلك يقولون إن الدول العربية هي الدعامة للشعب الفلسطيني. ومن الأفضل القول إن زعماء الدول العربية هم أعداء الشعب الفلسطيني. هكذا كان الوضع أيضا في عام 1948، لكن في حينه كان هذا يعتبر أمرا مخجلا، والآن هذا يعتبر تقصيرا وعجزا.
ولكن هناك دور أيضا لحكماء هذا الجيل في إسرائيل في المشهد. كرد على رفض الفلسطينيين لقاء نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، قال المحلل العسكري في القناة الثانية، روني دانييل، إن «الفلسطينيين لم يفوتوا الفرصة في أية مرة لإضاعة أي شيء صحيح». حسب دانييل، حتى البصقة من فم الإسرائيليين أو أصدقائهم الأمريكيين، تعتبر فرصة يجب على الفلسطينيين استغلالها. وإذا قاموا بالتبول عليهم أيضا فإن على الفلسطينيين السرور من أمطار البركة. إن هذا الخدر الموجود لدى عدد من الشخصيات المهمة في دولة إسرائيل يثير القشعريرة.
مع ذلك، بالذات من هذا الظلام، مثلما بعد كل ظلام، سيبزغ فجر بهيج. الولايات المتحدة تحولت في نهاية الأسبوع إلى ما يشبه كوريا شمالية معزولة. جميع الأعضاء في مجلس الأمن، باستثناء أمريكا، أدانوا تصريح ترامب. نجاح دبلوماسي باهر كهذا لم يسجله الفلسطينيون منذ فترة.
الأمريكيون فقدوا ذخرا استراتيجيا. حتى اليوم لعبوا دور المحايد، برغم أن الجميع عرفوا أن الامر ليس كذلك. بعد تصريح ترامب، عرضوا حلفاءهم السعوديين والمصريين كعبيد. الفلسطينيون اكتشفوا فجأة أن العالم أكثر اشراقا من دون الأمريكيين. وفي البيت الأبيض سيدركون أن هذا القرار سيكون بكاء لأجيال.
هآرتس ـ 11/12/2017
عودة بشارات