ترسم البحوث والدراسات النقدية للكاتبة أنغيلا كارتر صورة امرأة مكافحة تدافع عن حقوق النساء في المجتمع الرأسمالي، وتتبنى الواقعية السحرية في قصصها ورواياتها. وتعتقد مارغريت درابل في مصنفها المهم عن الأدب العالمي: أن كارتر تحمل كل بصمات غارسيا ماركيز وسلمان رشدي. بمعنى من المعاني لقد ربطتها بالنظرة الاجتماعية لأدباء العالم الثالث. وإذا كان السحر في البلدان النامية هو جزء من الواقع لا أجد الشيء نفسه في كتاب أوروبا وأمريكا.
فالسحر والتنجيم لديهم يرتبطان إما بقصص المعجزات والتشويق والإثارة، أو بالروايات التي تعود أحداثها لعهود منصرمة من التاريخ، ومنها قصص الفروسية والرومانس.
مهما يكن الأمر لا أعتقد أن أنغيلا كارتر تناصر المرأة، أو حتى أقله تطالب لها بحقوقها.
ولا هي تبالغ بجزئيات من الواقع لتبدو لنا الحياة وكأنها خرافة أو سلسلة من المفاجآت الغريبة.
وإذا كنا نبحث عن استراتيجية نسوية في قراءة غرائب الواقع المذكر فهذا موجود عند سارة ووترز مثلا، وهي معروفة بالتفتيش عن الجوانب السرية من عقل المرأة ونفسيتها، وأسباب سقوط النساء، ولا سيما عند منعطف القرن السابق، حينما انتقلت الحياة وماكينة الأفكار من وجدانيات التاسع عشر إلى براغماتية القرن العشرين.
على شاكلتها تأتي هجائيات غادة السمان وليلى البعلبكي، كلتاهما تشنان هجوما لاذعا على استعمال المجتمع للأخلاق وأساليب الكتابة والكلام. أما أنغيلا كارتر فهي برأيي كاتبة تعبر عن المصاعب التي تعترض ذاتها الفنية في ظل نظام إنتاج رأسمالي. والإنتاج هنا أقصد به تكوين المعرفة وأساليب الإدراك. وفي روايتها «أمسيات في السيرك» التي تعتبر أهم أعمالها وأكثرها جرأة وانفتاحا على الذات الإنسانية تجد أكثر من دليل على مصادرها. فهي تتابع مسيرة سيرك جوال في ثلاث محطات: لندن، وسان بطرسبورغ وسيبيريا. ونجمة السيرك وهي فيفير كانت تعمل في دار للدعارة. وقد ولدت من بيضة، لذلك لها تحت ذراعيها جناحان تطويهما في ساعات العمل خلف ظهرها، وفي الليل تحت ثوب من الحرير الأزرق.
ثم في لحظة مكاشفة مع الذات تنتبه للخطأ الجسيم الذي ترتكبه، إنها امرأة ساقطة، تعيش وراء ستار من الحرام والعيب والظلمات. مع أنه بمقدورها الاستفادة من المنحة أو الهبة الإلهية التي لديها وهي الأجنحة القوية.
بهذه الأجنحة تنتقل فيفير من عالم الدعارة إلى عالم الخدمات الترفيهية. ويمكننا قراءة ذلك على أنه انعتاق بالذات من العبودية والاستغلال والدخول في مرحلة هي فوق الواقع وخلف المنطق المادي المحسوس. وخلال المخاض الذي تمر به فيفير يمكننا أن نلاحظ اهتمام أنغيلا كارتر بعناصر تجد مثلها في مسرح القسوة الذي وضع أسسه أنطونين أرتو. ولدينا قرائن لا تعد ولا تحصى.
ففي شخصية فيفير عدة ظواهر ألسنبة وصوتية، تؤكد عليها الرواية منذ السطر الأول.
ففي الافتتاحية تقدم لنا كارتر بطلة روايتها على أنها تمتلك صوتا معدنيا يشبه رنين غطاء علبة النفايات. ومثل هذا المجاز يتوازى مع لغة الحوار الذي تستعمله، فهو حوار بالعامية ويصعب ألا أربطه بعالم هوامش المجتمع، حيث تنتشر الجريمة وتسجل الانتهاكات أعلى نسبة لها في المجتمع، وحيث تكون الحياة في أدنى مستوياتها، فغرفة فيفير في أيام الدعارة، كما تصورها كارتر، عبارة عن حفرة وجودية بكل ما في الكلمة من معنى: يجللها الغبار، وتدب في الزوايا العناكب والصراصير وبعض الهوام المقززة. وهذا ليس غريبا على قصص أنغيلا كارتر لأنها تتفنن دائما بزج شخصياتها في أجواء غرائبية تدعو للإحباط، وتصلح لأن تكون حاضنة للرعب والعقد النفسية. ناهيك عن الجرائم الفظيعة، مثل تقطيع الأوصال واستئصال أعضاء حساسة كالعين أو الأذن وهلم جرا.
وترافق التمثيل بالضحية طقوس وتعازيم لا تفهمها بالمنطق، وتعكس نوعا من العبادة للشر، كأننا أمام دين جديد يقدس العنف والنوازع السادية. فأنغيلا كارتر تهتم بما بعد القتل وكأنه طور مستقل من الجريمة. وهذا لا يشبه قيامة الميت ولا نشاط الأموات بعد دفنهم، كما هو الحال في أدب الواقعية السحرية. وإنما هو أقرب لغرائب أرتو كخروج العقارب والحيوانات الضارة من فرج امرأة تموت أو من عين إنسان قتيل. إن الفظاعات والانتهاكات التي تقدم عليها شخصيات كارتر ليست وحشية بالإحالة والإشارة، ولا هي مرعبة بالمضمون والتراكيب اللغوية. وإنما يمكننا متابعتها وهي تجري أمامنا ببطء وسادية مبالغ فيهما.
ويمكن أن تفتح أي مجموعة قصص لأنغيلا كارتر وتقلب بين الصفحات، ولا شك ستصادفك جريمة مرعبة مع إمعان في تجسيم الشر وكأننا أمام شيطان سادي يستمتع بتعذيب ضحاياه.
ولا يمكن أن تنسى هنا صوت دق الطبول قرابة الخاتمة: رات، تات، تاب، ثم بيم، بام، بوم، وهكذا… أما الطبل نفسه فهو مصنوع من جلود بالية وحديد مدهون بألوان براقة وعصا من خشب أشجار لها عطر فواح. وإطار من إغطية علب النفايات.
ويطيب لي أيضا أن أتوقف عند ظاهرة الإضاءة. فبيت فيفير يسوده الظلام، وتكون الإنارة بضوء أحمر خافت، يلقي على الأجساد لونا دمويا، وهذا ينسحب أيضا على الطبيعة. فالأحداث تجري في الليل، وحفلة قرع الطبول تكون تحت قبة السماء قرب نار تلقي على وجوه الحضور لونا إبليسيا. ومع أن المساحات مفتوحة ولا متناهية فخط الأفق قرمزي وأجوف أو بالحرف الواحد (كما تقول كارتر) إنه فارغ، والشمس صفراء وذابلة.
وأعتقد أن شمس سيبيريا ولندن من أضعف الكرات الملتهبة في العالم.
ودائما يخرج من أفواه الشخصيات بالونات من الدخان الرمادي كأنها شخصيات تحترق من الداخل. أما السماء والقمر والثلج فكلها تكون بلون أزرق يدعو الإنسان للحذر والتشاؤم. كما تقول (في الفصل 6) من جولتها الأخيرة في سيبيريا.
وتتآزر مع هذه العناصر بنية الرواية التفصيلية. فهي متسلسلة ولكن على التفرع، وتتخللها الذكريات مع أحداث جانبية. ويمكن أن أضرب كمثال الحكايات التي تتفرع عن محور الرواية الأساسي في محطة السيرك الثالثة والأخيرة وهي سيبيريا، فهنا تروي كارتر مجموعة من الحوادث الغريبة عن قطعان من الضباع المفترسة التي تهاجم القوافل، وتستطيع أن تلاحظ المجاز الذي يشابه بين الضبع والبرد القارس والجليد. فالطبيعة تتحول فجاة إلى كائن أو محيط يكنّ لك البغضاء والعداوة. وهو الطقس نفسه الذي تحذرنا من الثقة به في قصتها «تذكار من اليابان» لأنه يحاصرك بتقلبه ويحوّل بيتك إلى ملجأ وليس لمكان مخصص للراحة والاستقرار، ويفاقم من إحساسك بالفشل الذي لا مندوحة عنه، كما تقول في آخر جملة في القصة، يعني في الخاتمة. بتعبير آخر إلى عدو وليس إلى صديق أو ملاذ.
مثل هذا التبشير باليأس من الخارج مع الخراب من الداخل لا يمكن أن تجد إشارة عليه إلا عند أنصار مسرح القسوة، وما نجم عنه من فلسفة عدمية تقود الإنسان فلسفيا إلى الانتحار أو الجنون.
وبموجز العبارة: لا يمكن أن ننظر لجناحين تحت ذراعي فتاة بسيطة محرومة من المنطق على أنهما أساس لتفسير سحري للواقع. وقصة ماركيز عن عجوز بجناحين كبيرين لا تفيدنا في هذا السياق. فتوظيف الصورة نفسها لا يدل على متانة الرابط. ولدينا مئات الأمثلة من الخيال الفني المعاصر، فحرب أمريكا في العراق هي غزو في الرواية العربية، لكنها حرية ودفاع عن حق الإنسان بالحياة في الرواية الأمريكية، ومهما حاولنا تفسير وجهات النظر لا يمكن المصالحة بينها إطلاقا. ناهيك عن أن كل مشاهد «أمسيات في السيرك» تدور في نصف الكرة الشمالي من العالم، تحديدا في أوروبا، ومنها أحداث أول فصل في لندن، فهذه المدينة أهم متروبول يمكن أن نفكر به.
لقد انتشرت الواقعية السحرية وازدهرت في العالم الثالث، في ظرف طغيان سياسي وتخلف وسقوط تحت معدل الوعي والحضارة. وكل من كتب بهذا الأسلوب كان يهتم بالثورات والانقلابات وما يسميه اللينينون حرق المراحل. لقد كانت أنغيلا كارتر تكتب بعقلية سيريالية وليس سحرية، وتحاول تطبيق الواقع النفسي المشوه على الواقع الصوري البارد، حتى أنها في أحد اللقاءات تؤكد أن فكرة فيفير استلهمتها من أبولينير ومن حديثه عن جولييت ساد والإنسان الذي يمتلك أجنحة ويعمل على تبديل مستقبل العالم. وأعتقد ان دمويتها كانت اجتماعية وليست سياسية، كما هو شأن أنصار الواقعية المسحورة. فهم متورطون في لعبة العسكر وكواليس السياسة وليس في تصورات ورغبات الإنسان البسيط المنفصل عن ذاته.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق