تخويف السوريين من الضربة العسكرية الغربية للنظام

حجم الخط
1

بعد اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية قراراً بتوجيه ضربة عسكرية إلى قوات نظام الأسد ظهرعدد من المحللين السياسيين وراحوا يتحدثون عن مستقبل عراقي أمام السوريين بعد سقوط النظام، وأنّ عليهم الاتعاظ بما يجري حولهم في العراق وليبيا وحتى أفغانستان، حيث غرقت تلك البلدان في أتون صراعات طائفية وعرقية مريرة لمّا تنته بعد تدخل الأمريكيين عسكرياً فيها، ولكن هل يعيش الآن السوريون رغد الحياة؟ وهل تضاهي مستويات الرفاهية عندهم مستوياتها لدى شعوب إسكندنافيا؟
أكثر من مئة ألف قتيل وسبعة ملايين مهجّر داخلي ومليوني مهجّر خارجي ومجازر يومية وقصف لا ترتاح منه رؤوسهم، ما عدا مئات آلاف الجرحى والمعوقين إعاقات دائمة، وتدمير أغلب مدن وقرى سورية، ومئات آلاف المعتقلين، وليس أخيراً مجزرة الغوطة الكيماوية، التي خلّفت أكثر من ألف وخمسمئة قتيل، بينهم أربعمئة واثنان وعشرون طفلاً، يجب على أي محلل سياسي ألا يكتفي بقراءة تلك المآسي قراءة عابرة وإنّما العيش فيها والإحساس بها، وينطلق في تحليلاته وكأنّه يعيش وأهله في ريف دمشق، حيث كل ما لا تشتهيه نفسه، ولا يكتفي بالتنظير من برجه العاجي، ولكن هل ما حدث في تلك البلدان نتيجة الصراعات الطائفية فيها يرقى إلى 1′ مما يقاسيه السوريون في ظل نظام الأسد، لا شكّ أنّه لا أحد يريد أن تقصف بلاده، لكن في الحالة السورية الجميع مجبر على الاختيار بين خير الشرين. إذاً فلتُدمر الآلة العسكرية التي بنيت من قوت السوريين ولم تستبسل إلا في حماية اسرائيل وضمان أمنها، وإرساء وترسيخ دكتاتورية طائفية أسرية قمعت السوريين ونهبت اقتصادهم وأرهبتهم طيلة ثلاثة وأربعين عاماً، إلى أن أُطلق لها العنان لتدمير البلد وقتل مئات الآلاف.
هل ينبغي على السوريين أن يبقوا تحت فظائع النظام ويرفضوا التدخل العسكري الخارجي، خوفاً من دخول الطائفية من بوابة ذلك التدخل، تلك الطائفية التي كانت تُمارس بأبشع صورها في سورية ما قبل الثورة، ولكن تحت تسميات مختلفة، فقد عانى السوريون من القمع والفساد والإرهاب، وسجنا صيدنايا وتدمر وغيرهما يشهدان على عشرات آلاف المعتقلين لم يكن لمعظمهم ذنب إلا أنّه تكلم يوماً بضع كلمات تنتقد النظام، أو أنّه كان متديناً بعض الشيء، وغيرها من تهم لا يتخيّل العقل مدى تفاهتها مقابل ما تعرضوا له من جرائها. وما ممارسات النظام منذ بداية الثورة إلا خير دليل على ذلك، فمع أول مظاهرة خرجت تطالب بالحرية فقط، ومن دون أي تفسير لها ومن دون تحديد أي متطلبات واضحة، واجهها النظام بالرصاص الحي المباشر، فهذا القمع يجري على أيدي الجيش والأجهزة الأمنية اللذين هما حكر بنسبة 90’على طائفة الرئيس، فماذا يمكن أن تسمي ممارساتهم تلك؟ مزح ثقيل مثلاً، ما أقتم عدسات تلك النظارات التي يضعها أولئك المحللون على عيونهم وهم يتحدثون عن الواقع السوري، إضافة لاحتكار أغلب الوظائف في البعثات الدبلوماسية الخارجية، إلى أن وصل الأمر في السنوات العشر الأخيرة أن أصبحت حتى الوظائف الحكومية تذهب بمعظمها إلى تلك الطائفة، في ظل فساد يبدأ بالرئيس نفسه ولا ينتهي عند أصغر موظف حكومي، فسورية الأسد جنة العدل والمساواة على وجه المريخ! الجميع يتحدث عن حقوق الأقليات العرقية أو الطائفية، ولكن في سورية عليهم أن يدركوا الأكثرية قبل أن تُباد.
إنّ شبح الطائفية الذي يخوفون منه لا يمكن للسوريين الهروب منه، فحتى لو سقط النظام بعد ألف عام فإنّها ستظهر وتطفو على سطح الأحداث، يدفعها حجم الظلم والتنكيل الذي مورس بحق السوريين، ولكن يجب عدم الاكتفاء بالتخويف منها، من دون أن نعمل شيئاً، فما من داء إلا وله دواء. إنّ إعادة الحقوق لأصحابها والقصاص العادل من كل مرتكبي الجرائم في عهد الأسد الأب والابن، على حدٍ سواء، وتسييد القانون على الجميع من شأنه غسل الصدور وإزالة الأحقاد وإطفاء جذوة الطائفية وصولاً إلى اجتثاثها.
أما الإرهاب فهو بحاجة إلى بيئة تحتضنه ويعيش فيها، ومع الانتقال إلى الجمهورية الثانية في سورية، حيث ستسطع الحرية ويسود العدل وتحكم المساواة، لن تكون تلك البيئة موجودة، على عكس في ما لو بقي النظام، فكل ظروف حياة السوريين ما قبل الثورة كانت توفر مليون سبب للشباب ليتجهوا إلى التطرف والسوداوية.
إنّ المبالغة بقدرات النظام والخوف من قيامه بتوجيه ضربات انتقامية إلى دول الجوار، خاصة إسرائيل، يدل على عدم الفهم الصحيح لطبيعة النظام وما يوجد على أرض الواقع من أسلحة يمتلكها ومدى جاهزيتها. فالقول إنّ لدى النظام منظومة دفاع جوي متطورة، حتى ذهب البعض إلى القول إنّها من الأحدث والأجدر في العالم، أمر مثير للضحك فالواقع يخبرنا بأنّ الاقتصاد السوري في ظلّ النهب والفساد لا يمكن أن يسمح بامتلاك هكذا منظومة، ناهيك عن اقتناع النظام بعدم الحاجة إلى مثل تلك المنظومة، فهو لا يحتاجها للسيطرة على الشعب وقمعه، أما اسرائيل فلتأتي طائراتها وتتنزه في سماء سورية وتقصف ما تشاء متى تشاء، حتى ان تلك الطائرات حلقت فوق قصر الأسد في اللاذقية صيف عام 2006 فكانت لها دفاعات الخارجية السورية بالمرصاد، ودمرتها صواريخ الاحتفاظ بحق الرد، على كل حال هو مطمئن أنّهم لن يُؤذوا مندوبهم السامي على سورية، فأين الدفاع الجوي وأين التطور؟
يجب علينا ألا نغفل عن امتلاك النظام لصواريخ أرض- أرض التي يمكن تدميرها بأول رشقة صواريخ كروز خلال الثواني الأولى لبدء الضربة. فلتدمر تلك الصواريخ وترتاح منها رؤوس السوريين ومدنهم.
أما طائراته فأقل قدر من التشويش يمكن أن يتكفل بها، وهي كباقي أسلحته لا تصلح إلا لمواجهة الشعب السوري الأعزل.
قام النظام السوري في أيار/مايو 2011، أي بعد انطلاق الثورة السورية بحوالي الشهرين بدفع عدد من الشبان الفلسطينيين ليجتازوا الحدود السورية الإسرائيلية، حيث قتل أربعة منهم وجرح العشرات برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، فلماذا استفاق ضميره المقاوم في ذلك الوقت تحديداً ليلوح بإشعال حدوده مع اسرائيل، إنّه كان يريد أن يُذكر الغرب بأقدس مهمة موكلة إليه، اسرائيل وأمنها، وهم بدورهم ربما استوعبوا الرسالة وأطلقوا له العنان ليدمر سورية وشعبها.
تقضي خطة النظام في مواجهة الضربة العسكرية الغربية بتلقي الضربات ومحاولة الحفاظ على ما أمكن من الأرض، من خلال قصفها، فهو لا يملك إلا تلك السلطة، وسيعمل على ترسيخ وجوده من خلال الإعلام، وسيظل حتى آخر لحظة يستجدي الغرب ليبقيه محتلاً لسورية متذرعاً بأمن إسرائيل وسلامتها.
في النهاية، علينا أن نفكر بمدى ماعاناه السوريون من نظام الأسد حتى أصبحوا يستجدون القاصي والداني ليضرب ويدمر ذلك الجيش الذي بنوه على حساب لقمة أطفالهم.

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية