المونديال الآن

حجم الخط
0

المونديال الآن

عناية جابر المونديال الآنلتكن لعبة كرة القدم، الدين الجديد للبشرية علي ما يقولون، وليكن المونديال قداسا احتفاليا مهيبا! لتكن اياما متوهجة حتي الغليان، لنكن احياء علي نحو وحشي، بسبب من الطابع الايهامي لانتصارات كروية، نفتقد مثيلات لها سياسية في حياتنا. حروب من دون خسائر بشرية، من دون قتلي، دم واشلاء. حروب بدأت في العصر الحديث مع ياشين وبيليه وتوستا وريفيلينو وكاكا وبوبورسكي وكانتونا والطوبيللي وبرغوم وديدييه ولوران وايمانويل، وصاحب الثلاثية الخرافية جف هيرست.حين وقعت الحرب بين انكلترا والارجنتين في نزاعهما علي جزر المالاوين في القرن الماضي، خاض هؤلاء مباراتهم في الملعب كما لو في ساحة وغي. رد الفريق الارجنتيني علي هزيمة بلاده في الجزر. جاء هدف يد الله من مارادونا ساحر الارجنتين في قلب المرمي الانكليزي مؤكدا في صحة العبارة وفي المعتقد الديني كأحد أوجه هذه اللعبة. في الماضي، كان الفريق الخصم للفريق البرازيلي يصطف خلف حارس مرماه، لكي يري ويعاين المهارة العجائبية، التي يسدد بها بيليه الكرة، علي طريقة الـ دوبل كيك مطيحا بكل السدود الدفاعية. بيليه نفسه الجوهرة السوداء مفتتحا المونديال للـ2006 علي ملعب اليانزا ايرينا في ميونيخ، يدا بيد مع الجوهرة الشقراء كلوديا شيفر، لشهر من العرق والدموع والنشوة.التماس الخفيف اليوم للاجساد الفتية مع الارض. لعبة غزل فاتنة، بين الاقدام والكرة، عيون محدقة، جامدة لملايين المغرومين، ويلقون بمرسي احتياجهم في الجزيرة الوحيدة للشهوة. مهووسون وقتلة واقدار وآلهة، يجوبون الهواء في تفحص الكرة، دورانها، علوها وانخفاضها في روح المغامرة الاقصي. الكرة وتسطيع اليوم ان تتحدث الي كل منا بلغته الخاصة، بكلمة اخري، ما نشكله جميعا كأفراد متفرقين يجتمع كله في لعبة كرة القدم، وهو امر مثير للدهشة فعلا، ففي مثل هذه الايام المونديالية الموت نفسه، لا يجرؤ علي الاقتراب من العالم من دون فلسفة طارئة جدا.الآن الحياة الطيبة حيال الشاشة المراوغة. لا تملك انت سوي الفرجة علي حظك الطيب او سوئه. النبرة المتعالية الآن، الحميمة في خلفيتها في الشوارع البيروتية ومن علي الشرفات والسطوح. الصدود والتحدي. الصراع الليلي الأنيس ولا معني له تماما، ويخوضه البيروتيون امام شاشاتهم في اخريات الليل واوله بحسب مواقيت المباريات والاستراحات القليلة، معقودة للتهليل او للسباب والمخاتلة والمحازبة. حروب من اجل قضية لا تعني حياتهم اللبنانية في شيء، غير انها تحتمل تبديدا حماسيا لخسائرهم المتكدسة.في الليل اصغي لتنفس الصدور اللاهثة، وللحركة الحرة لهياج الاجساد، مصفقة ومشجعة، ما يجعلني اعتقد انه لا يمكن للشر والخبث من استيطان مثل هذه الاجساد. في الليل الكروي لا مجال لمنادمات فردية، لا بوح ولا لواعج ولا تخاصر او اهتداء الي خلوة غرام. في الليل الكروي، غرام جماعي لمعبودة مبرومة متشاغلة كل الوقت بمعابثة الهواء والتربيت خفيفا علي الرسغ، والكاحل وبواطن الاقدام الثمينة.ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بد ولي وانتابه همود. تحول من اعصار فني الي نبض استهلاك وحشي ومضطرب. قل عدد اللاعبين العظام، ولم تعد الانتصارات منوطة بهم باستثناء البعض بالطبع، فلا شيء يمنع زيدان من البزوغ، ولا إيتو او رونالدينيو او ميسي او لارسن وسواهم، سوي ان مبالغات شركات الاعلانات والترويج اضحت ترجح صورة اللاعب علي لعبه. رونالدو منافسا لريكي مارتن، كانتونا لشاكيرا. صورة اللاعب في الاعلان تغدو بلا معادل فني لحركة رجليه ورأسه، وبلا استغراقات وجدانية في نشوء فكرة كرة القدم نفسها. لاعب كرة القدم الآن هو صورة في الترويج للكوكاكولا والبيبسي غولد والـ ك. أف. سي، ومساحيق التجميل والتنظيف والعطور والاحذية والملابس الداخلية. الفيفا او الامم المتحدة للرياضة ممثلة بشخص جوزيف بلاتر رئيسها، ترغب الي اللاعب الان كقوة مولدة للذهب، وهي ادرجت قوتها المالية في البورصات العالمية.الكرة الفاتنة اخيرا للحالمين. مساءات مثل هذه لاهبة، تشبه ورقة مقطوعة من اوراق همومنا، تفحمنا بكل الحياة والرغد، وزاخرة بطغيان كل ما يهيج الدم، كما لو ايامنا بصقت فجأة حبة منوم، كادت ان تسحبها الي قعر النوم وتطيح باشتعالها.من جهتي، انتظر ان يربح الطليان، والا مشروع حبوري علي مستوي الشهر سوف يخفق بطريقة مخزية، ليربح الطليان، لاجل رغبتي المتباهية الي سحرهم الخاص، فنون عيشهم، طريقتهم في العشق كتعويض عصري عن مشاعر عاطفية ضخمة كانت تتأجج في عصور قديمة، وليست الآن سوي نوع من الهرطقة، او نوع من الكهنوت، ليربح الطليان، يليق بأجسادهم الربح.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية