تنظيم «الدولة» قد يعود إلى الصحراء ويجدد تكتيكاته القتالية

من الصعوبة بمكان الجزم بنهاية تهديدات تنظيم «الدولة» حتى بعد خسارته جميع المراكز الحضرية في العراق وسوريا بحلول منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
ولا خلاف على ان التنظيم كان الأوسع انتشارا والأكثر عدة وقوة في مواجهة من يصفهم بالأعداء؛ كما انه الأكثر تماسكا في هيكله التنظيمي وصفه الداخلي إذ قلّما شهد انشقاقات عريضة كالتي شهدتها تنظيمات «جهادية» أخرى.
ويذهب مراقبون إلى ان تنظيم «الدولة» سيظهر بنسخة جديدة، أو ان يدخل الآن في مرحلة الإعداد لظهور جديد بالنظر لتاريخه الحافل بالغياب والظهور منذ تشكيل نواته الأولى كتيبة التوحيد والجهاد في 2004 ثم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وبعدها دولة العراق الإسلامية ومن ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام وأخيرا الدولة الإسلامية.
انعكس منهج تنظيم «الدولة» منذ بداياته الأولى على أسلوبه القتالي تبعا لمراحل تطوره، ففي البيئة الصحراوية التي فُرضت عليه طيلة سبع سنوات (2006 إلى 2013) اعتمد أسلوب الهجمات المباغتة وايقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو، والسيطرة لساعات عدة على مدن صغيرة تتدنى فيها مستويات الحماية الأمنية للوصول إلى أهداف محددة مثل قيادات مجالس الصحوات والشرطة والمجالس المحلية؛ لكن التنظيم، وبعد ان استولى على أحدث الآليات المدرعة والأسلحة المتوسطة والمدفعية بعد أحداث الموصل 2014 اعتمد أساليب القتال التقليدي للجيوش النظامية.
ففي الفترة بين عامي 2006 و2013 أو ما قبل هذا العام لم يتخل عن نشاطاته القتالية، لكنه بالتأكيد تحول من تنظيم يخوض قتالا تقليديا ضد القوات الأمريكية ومجالس الصحوات العشائرية إلى تنظيم ينفذ مهام أخرى كالهجمات على تجمعات مجالس الصحوات أو مناطق تواجد فصائل المقاومة العراقية السابقة أو التعرض وقصف الدوريات والمعسكرات الأمريكية، إضافة إلى تفجير السيارات المفخخة التي غالبا ما تستهدف مراكز حكومية أو تجمعات السكان الشيعة في بغداد ومدن أخرى. وليس من المستبعد ان يعود إلى ذات التكتيكات القتالية بعد إعادة ترتيب بنيته العسكرية التي ألحقت بها المعارك التي خاضها ضررا كبيرا لكن دون ان يفككها بشكل كامل.
لا شك ان الغياب الحالي للتنظيم عن المراكز الحضرية أضاع عليه إمكانية استخدام الآليات المدرعة الثقيلة التي سيكون الاحتفاظ بها خارج المدن أمرا شبه مستحيل دون تعرضها لضربات طيران التحالف الذي يُسيّر العديد من طائرات الاستطلاع والمراقبة تغطي مساحات واسعة على مدار الساعة، وهو ما يقود إلى ترجيح احتمالات اعتماد التنظيم مستقبلا على تكتيكات مقاربة للتكتيكات التي كان يستخدمها في شن هجماته قبل 2014 مع تطور أكيد في القدرات القتالية والخبرات التي اكتسبها خلال ثلاث سنوات من تواجده في المدن الكبيرة في العراق وسوريا.
وأدرك التنظيم منذ خسارته معركة تكريت آذار/مارس 2015 ان الاحتفاظ بالمدن لم يعد الخيار الأفضل له بعد ان أثبت طيران التحالف الدولي قدراته على تدمير التحصينات الدفاعية وملاحقة مجاميعه القتالية والارتال المتحركة على الطرق الرئيسية أو الصحراوية؛ وهناك شبه اجماع ان تنظيم «الدولة» لم يخسر معركة تكريت بالمعنى العسكري للخسارة، انما اتبع سياسة سحب مقاتليه بشكل تدريجي إلى خارج المدينة للحفاظ على العامل البشري الذي له الأولوية على الأرض والمعدات عند قيادات التنظيم التي ترى ان استمرار مشروع «دولة الخلافة» لا يمكن إنفاذه إلاّ بوفرة العنصر البشري.
الادراك المبكر للتنظيم لقدرات التحالف على تقويض بناه التحتية سواء في الدفاعات والتحصينات أو مخازن وأنفاق تخزين الأسلحة وحماية المقاتلين، دفع به للتفكير الجدي باعتماد استراتيجيات تتبنى مبدأ الحفاظ أولا على العنصر البشري واعتباره الأهم دون سواه في ديمومة مشروع «دولة الخلافة» الباقية وتتمدد؛ ويدرك التنظيم ان خسارة العنصر البشري تعني نهاية مشروعه الذي لا يقوم إلاّ بهذا العنصر في حين لم تعد تعني خسارة الأرض الشيء الكثير.
ان خسارة الأرض والمدن ستوفر للتنظيم المزيد من المقاتلين الذين كانوا يؤدون واجبات خدمية وإدارية بعيدة عن الجهد القتالي وتنفيذ العمليات؛ لذلك سيعتمد مستقبلا الابتعاد عن استراتيجيات المعارك التقليدية والسيطرة على المدن كما فعل سابقا عندما غادر معسكراته الصحراوية مطلع العام 2013 حيث فرض سيطرته الكاملة على مدينة الفلوجة بعد عام واحد وأجزاء من مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، قبل ان يسيطر على الموصل بعد نصف عام.
كما ان خسارة التنظيم في المعدات والمقاتلين في معركة تقليدية يخوضها دفاعا عن مدينة خاضعة لسيطرته يمكن ان تؤدي إلى خسائر بعدة أضعاف ما يمكن ان يخسره في عمليات مباغتة أو هجمات يشنها على أهداف منتخبة في المدن انطلاقا من مراكز تواجده في الصحراء ليفرض سيطرته عليها لعدة ساعات ثم ينسحب منها، وهذه الهجمات من بين استراتيجيات التنظيم قبل عودته الأخيرة، ومن المرجح ان يعود لها إذ أثبتت قدرتها على تحقيق الأهداف دون خسائر مهمة بين صفوف مقاتليه.
وحتى مع خسارة تنظيم «الدولة» جميع المراكز الحضرية واحتفاظه بوجود متنقل في العراق وسوريا على شكل مجموعات يصعب على طيران التحالف رصدها واستهدافها، سيظل يحتفظ بحضور واضح يشكل تهديدا حقيقيا على الأمن والاستقرار في العراق وأجزاء أخرى من المنطقة العربية في سوريا واليمن وليبيا ومصر، وفي دول أخرى خارج المنطقة مثل النيجر والفلبين وباكستان وبنغلادش والهند وأفغانستان وغيره، إضافة إلى خلايا من فرد واحد أو أكثر تنفذ هجمات في دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة.
كما ان الضرر الذي لحق به في العراق وسوريا، رغم جسامته، لكن فروعه الأخرى لا تزال تحتفظ بقدراتها مع تعرضها لضربات متفرقة من قبل طيران التحالف الدولي أو الفرنسي في جمهورية مالي أو الطيران الإماراتي والمصري في ليبيا والأمريكي في اليمن وأفغانستان؛ وستظل هذه الفروع مواطن إيواء للمقاتلين الأجانب الذين يجدون ضرورة لمغادرة الأراضي العراقية والسورية.
فبعد أكثر من عام على خسارة التنظيم معقله الأهم في سيرت الليبية، أعاد مقاتلوه تنظيم أنفسهم على شكل مجموعات صغيرة العدد تنتشر في صبراتة وابن الوليد شمال ليبيا وأخرى في جنوب البلاد. وفي أفغانستان تنامت قدرات التنظيم بشكل واضح خلال هذا العام قياسا إلى العام الفائت، حيث يشن هجمات متواصلة على مراكز حركة طالبان ومواقع الحكومة الأفغانية والمساجد الشيعية في العاصمة كابول، كما هو الحال بالنسبة لفرع التنظيم في مصر المعروف باسم ولاية سيناء الذي يخوض معارك حقيقية مع الجيش المصري، ويشن هجمات بشكل متواصل ويحقق نجاحا كبيرا في عمليات نصب الكمائن لأفراد الجيش والشرطة، إضافة إلى جنوب شرق آسيا حيث سيطر فرع التنظيم في الفلبين على مقاطعة ماراوي التي خسرها منتصف أيلول/سبتمبر الماضي.
التحول المتوقع بعد خسارة التنظيم جميع المراكز الحضرية في العراق وسوريا لا يتعدى تحوله من منظمة تمتلك أراضي ومقرات قيادة وسيطرة ثابتة ويخضع لسلطاته ملايين السكان، إلى شبكة خلايا صغيرة تنتشر في العراق وسوريا على شكل مجاميع صغيرة متنقلة، أو كأفراد مندمجون في مجتمعاتهم المحلية، في ما ستكون هناك مجموعات أخرى تنتقل إلى بلدان عربية أخرى أو دول في افريقيا وآسيا الوسطى أو كأفراد من المقاتلين الأجانب يعودون إلى بلدانهم الأصلية في دول الاتحاد الأوروبي.
ومن بين أهم التكتيكات القتالية التي من المرجح ان يلجأ إليها مقاتلو التنظيم انطلاقا من أماكن تواجدهم المحتملة في شرق سوريا على الحدود مع غرب وشمال غرب العراق، العودة لزرع العبوات الناسفة وتفجيرها عن بُعد لاستهداف الأرتال العسكرية أو مواكب المسؤولين، وتنفيذ هجمات مباغتة على بعض المدن الصغيرة وأخرى بالسيارات المفخخة، والعودة إلى أسلوب نصب الكمائن على الطرق الخارجية التي تمتد لمئات الكيلومترات في جغرافية صحراوية غير مأهولة.

تنظيم «الدولة» قد يعود إلى الصحراء ويجدد تكتيكاته القتالية

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية