إسطنبول ـ «القدس العربي»: كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يتبنى موقفا مبدئيا قويا تجاه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى استثمار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العديد من الأصعدة الداخلية والخارجية.
فمنذ قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل تبنى الرئيس التركي خطاباً بسقف «مرتفع جداً» في حين بقيت الخطوات والقرارات التي تم اتخاذها متواضعة وبحدود «الممكن» وسط تعقيدات محلية وإقليمية منعت الخروج بـ«الأفضل».
حيث أطلق أردوغان سلسلة طويلة من التصريحات الحادة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ووصف إسرائيل بـ«دولة احتلال إرهابية» تقوم بـ«قتل الأطفال» وقال الجمعة: «لا يمكن أن يقبل المسلمون بالضغط لجعل القدس عاصمة دولة إرهابية».
كما شن هجوماً غير مسبوق على إدارة ترامب، واعتبر في آخر تصريحاته أن «القرار الذي اتخذته أمريكا حول القدس هو قنبلة جديدة تلقى في الشرق الأوسط» وسابقاً قال إن واشنطن باتت شريكة في قتل الشعب الفلسطيني وتستهتر بالمسلمين.
وسعى للتأكيد على «البعد الإسلامي» للقرار الأمريكي، وقال: «قرار الولايات المتحدة هو نذير بمؤامرات جديدة على العالم الإسلامي، وإذا لم يبدِ المسلمون ردا مناسباً، ضمن القانون، فستتوالى عليهم المؤامرات»، مضيفا: «في حال حقق المسلمون نجاحاً في مسألة القدس، فسيكون ذلك منعطفاً لهم جميعاً».
داخلياً، استثمر أردوغان الأزمة من أجل تحويل مسار الاهتمام الداخلي، فبعد أن كان الإعلام التركي يركز بشكل غير مسبوق على الخطاب الداخلي المتعلق بالاتهامات المتبادلة بين الحكومة والمعارضة على إدارة الدولة وما قيل إنها قضايا فساد، تحول بشكل كامل وغير مسبوق للتركيز على قضية القدس واضعاً الأزمات الداخلية جانباً، كما تمكن من تحشيد الشارع التركي حول القضية التي تلقى اهتماماً واسعاً لدى الشعب الذي تحرك جماهيرياً في مظاهرات ضمت مئات الآلاف وهو ما يصب بدوره في خزينة أردوغان الانتخابية. وعلى صعيد العلاقة مع أمريكا، حاول أردوغان الضغط على إدارة ترامب بالتزامن مع تصاعد ملف محاكمة رجال أعمال أتراك بتهمة مساعدة إيران على التحايل على العقوبات الأمريكية، والتي تطورت لاحقاً إلى محاكمة للحكومة التركية بشكل غير مباشر ـ عبر هالك بنك الحكومي، وما وصفته تركيا بـ«مؤامرة أمريكية كبيرة على تركيا تستهدف إضعافها سياسياً واقتصادياً».
وعمل أردوغان على تحشيد العالمين العربي والإسلامي من خلال الدعاء إلى قمة إسلامية طارئة في إسطنبول لمنظمة التعاون الإسلامي والخروج بقرارات قال إنها «ستكون استثنائية»، توقع أنها ربما تجبر أمريكا على التراجع عن قرارها وتكسبه مكانة وشعبية أكبر في العالم الإسلامي.
أولى المصاعب التي واجهها الرئيس التركي تمثلت في حشد أكبر عدد من الزعماء في القمة التي لم يحضرها سوى 20 زعيما من 57 دولة تنضوي تحت لواء المنظمة، وتصدر الغائبون زعماء مصر والسعودية، واكتفت السعودية بإيفاد وزير الشؤون الإسلامية ومصر بإرسال وزير خارجيتها للقمة.
وعلى الرغم من نجاح أردوغان في تبديد مخاوف الأردن عبر التأكيد على احترام ودعم تركيا لـ»الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس» وحضور الملك عبد الله الثاني القمة بإسطنبول بعد أسبوع من زيارته لأنقرة، فشل في تبديد مخاوف السعودية وهو ما ظهر على شكل خلافات علنية بين الجانبين.
فالسعودية حسب مراقبين رأت في نفسها الأحق في استضافة القمة الإسلامية الطارئة على الرغم من رئاسة تركيا للدورة الحالية، وظهرت التخوفات السعودية الدائمة مما تقول إنها محاولات للرئيس التركي تزعم العالم الإسلامي وانتزاع هذه المكانة من المملكة.
وأجمع كُتاب ومحللون أتراك على أن العديد من الأطراف العربية وعلى رأسها السعودية ومصر حرصت على عدم خروج القمة بقرارات استثنائية وحصولها على زخم أكبر، وفي ظل هذا التوتر فتح الإعلام التركي النار على السعودية بعد «هدنة» لم تستمر طويلاً حرص فيها الإعلام التركي لا سيما المقرب من الحزب الحاكم على التوقف عن نشر أي أخبار قد تعتبر مسيئة للمملكة.
وعلى الرغم من أن تركيا حاولت وصف قرارات القمة بالهامة وقال آخرون إنها «إستراتيجية»، لم يتجاوز البيان الختامي حدود الإدانات والمطالبات التي لم توضع لها آليات واضحة للتنفيذ سوى مسألة الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وهو ما ترجمته تركيا بتغيير اسم عاصمة فلسطين بموقع وزارة الخارجية وحديثها عن إمكانية فتح سفارة تركية لفلسطين في القدس الشرقية.
وكان البيان الختامي أعلن الاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، داعية جميع دول العالم إلى الاعتراف بالقدس الشرقية المحتلة، عاصمة لدولة فلسطين. واعتبرت قرار ترامب الذي وصفته بـ«غير المسؤول» بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها «باطلاً» وأبدت الدول المشاركة استعدادها لطرح المسألة على الجمعية العامة للأمم المتحدة في حال عدم تحرك مجلس الأمن الدولي بخصوص القدس.
ورغم تهديد أردوغان سابقاً أن قرار ترامب قد يدفع تركيا لنسف العلاقات مع إسرائيل، لم تتخذ أنقرة هذه الخطوة بعد في ظل خشية العودة للوراء بعد أن وقعت حديثاً اتفاقية إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد سنوات من القطيعة في إطار إستراتيجية واسعة لمحاولة تقليل الأعداء وتحسين العلاقات مع دول المنطقة، ومخاوف من أثر هذه الخطوة على الاقتصاد التركي الذي بدأ مؤخراً بالتحسن بعد معاناة في السنوات الأخيرة على ضوء تحسين العلاقات مع عدد من الدول بينها إسرائيل.
إسماعيل جمال