القاهرة ـ «القدس العربي»: شهدت مصر خلال الأسابيع الأخيرة حراكا سياسيا محدودا للمشاركة في أهم عملية سياسية مرتقبة في البلاد، وهي الانتخابات الرئاسية المفترض بدء إجراءاتها الدستورية في 8 شباط/فبراير المقبل، لكن مع كل حراك يطفو على السطح بقيادة شخصية مرموقة أو حزب أو تكتل سياسي، تبدأ موجات «حصار» من النظام، سواء بالملاحقة الأمنية والقضائية، أو بالاغتيال المعنوي إعلاميا.
فبمجرد أن أعلن المحامي الحقوقي خالد علي، رئيس هيئة الدفاع عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، قراره رسميا خوض انتخابات الرئاسة المصرية، انهال الهجوم الإعلامي من الأبواق المعروفة بتبعيتها لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي أمثال عمرو أديب، وأحمد موسى، متهمينه بتلقي تمويلات خارجية دفاعا عن قضايا حقوق الإنسان في البلاد.
فيما تلاحقه من قبل إعلان نيته الترشح، تهمة ارتكاب فعل خادش للحياء العام بإشارة بإصبعه، وذلك حين كان يقود تظاهرة احتفالية أمام مقر مجلس الدولة عقب قرار القضاء الإداري اعتبار جزيرتي تيران وصنافير مصرية. وأيدت محكمة الاستئناف حكما صدر ضده في أيلول/سبتمبر بحبسه ثلاثة أشهر، بتهمة ارتكاب فعل فاضح خادش للحياء العام، وينفي علي هذه التهمة.
فيما كان رئيس الوزراء الأسبق، أحمد شفيق، ثاني المراهنين على انتخابات الرئاسة، وهو من الشخصيات المرموقة في البلاد، إذ كان قائدا للقوات الجوية ثم وزيرا للطيران المدني لسنوات عدة، قبل أن يستعين به الرئيس الأسبق حسني مبارك كرئيس للوزراء، إبان أحداث ثورة 25 كانون الثاني/يناير، التي أفضت إلى الإطاحة بمبارك وحكومته.
وكانت طريقة إعلان شفيق «رئيس حزب الحركة الوطنية» الممثل في البرلمان، نيته الترشح للرئاسة بمقطع فيديو بثته وكالة «رويترز» للأنباء، وبعدها فيديو آخر بثته قناة «الجزيرة» القطرية «تعتبرها السلطات المصرية معادية لها» عن منع شفيق من مغادرة الإمارات، هي الخيط الذي انطلق به «إعلاميو السيسي» هجوما على شفيق، إذ وصل هذا الهجوم لاتهامه بالخيانة والتآمر على البلاد.
ولم ينته أمر شفيق عند هذا الحد، إذ وصل مصر في وقت ساده جدل كبير حول احتجازه في أحد الفنادق الكبرى، قبل أن يظهر بعد وصوله بيومين، في مداخلة هاتفية مع أحد الإعلاميين معلنا إعادة تفكيره في أمر ترشحه، وتنصله من أي علاقة بقناة «الجزيرة» أو جماعة الإخوان المسلمين.
الحصار القانوني، استخدم بشكل أوضح وأكثر قسوة مع الضابط في الجيش المصري برتبة عقيد أحمد قنصوة، إذ خضع للتحقيق أمام النيابة العسكرية عقب بثه فيديو يعلن فيه نيته الترشح للرئاسة المصرية.
وأكد المحامي أسعد هيكل، دفاع قنصوة، أن المدعي العام العسكري أمر بحبس موكله 15 يوما بتهمة السلوك المضر بمقتضيات النظام العسكري، وظهوره على مواقع التواصل الاجتماعي وإبداء آراء سياسية مرتديا الزي العسكري منها إعلان ترشحه للرئاسة.
ما سبق دفع عددا من الأحزاب والشخصيات العامة في مصر إلى تشكيل «الحركة المدنية الديمقراطية» في مؤتمر عقد مساء الأربعاء الماضي، في القاهرة، ضم أحزاب «الإصلاح والتنمية، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والدستور، والعدل، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، وتيار الكرامة، ومصر الراية، والعيش والحرية (تحت التأسيس)».
وأعلن مؤسسو الجبهة ما أطلقوا عليه «إعلان مبادئ» جاء فيه أن «مصر تعاني حالياً من تدهور اقتصادي حاد مع غياب شبه تام للعدالة الاجتماعية وما نتج عنه من تدهور شديد في الأوضاع المعيشية لمعظم الأسر المصرية، ونهم للاستدانة يصاحبه إهدارٌ استفِزازي للموارد المحدودة بما يعرض استقلال القرار الوطني للخطر، واستمرار للإرهاب الأسود دون أن يبدو في الأفق أي حل منهجي علمي لمواجهته خارج الحلول الأمنية، وتحويل حالة الطوارئ إلى حالة دائمة تصاحبها ظواهر مفزعة كالاختفاء القسري والتعذيب، وانتهاك لحقوق الإنسان الأساسية في الصِحة والتعليم والمعاملة الكريمة وحرية التعبير، وفساد يرتع في ظل غياب تام للشفافية».
وأضاف أن «البلاد ضربت عرض الحائط مبدأ الفصل بين السلطات، وصولا إلى التفريط في الأرض والحدود البحرية المصرية والحقوق التاريخية في مياه النيل، وغير ذلك مما يضيق الوقت والمساحة بسرده، والذي ما هو إلا نتيجةٌ للحكم الفردي المطلق الذي لا يراقب ولا يحاسب ويستهين بالدستور الذي هو أساس شرعية أي حُكم».
وتابع: «لذلك فقد تلاقت إرادتنا، نحن الموقعون على هذا الإعلان من الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني والشخصيات العامة المستقلة، على دعوة الشعب إلى العمل معنا من أجل الخروج من النفق الكارثى المظلم الذي أوصلتنا إليه تلك السياسات والممارسات، مرتكزين على التمسك بمبادئ ومطالب مستمدة من الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان».
وشملت مطالب الجبهة «وضع أسس ومقومات الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وهي دولة المواطنة التي تقوم على التطبيق الصارم لمواد الدستور والقانون على الجميع بلا استثناءٍ، ولا تمييزٍ فيها على أساس الدين أو العرق أو الطبقة أو الفئة أو النوع، الشعبُ فيها هو السيد، والحاكم هو الخادم الذي يخضع للمحاسبة عَبْر برلمانٍ حقيقىٍ لا تشارك في صُنعِه أجهزة الدولة».
وشملت كذلك «صيانة حريات التفكير والتعبير والتنظيم والاحتجاج السلمي التي يكفلها الدستور وينظمها بمجرد الإخطار، وتحقيق التكافؤ التام في الفرص بين المتنافسين في كافة مجالات العمل العام سواء فيما يخص التوظيف أو الانتخابات بكافة مستوياتها، لتحظى مصر بالأكفأ والأفضل في كل مجال».
كما تضمنت مطالب ومبادئ الجبهة المشكلة حديثا «مواجهة الفساد بتفعيل مبدأ الشفافية والرقابة الديمقراطية من خلال مجالس نيابية ومحلية منتخبة بنزاهة، وإعلام حر، وأجهزة رقابية مستقلة، ومعاقبة لصوص المال العام لا رد اعتبارهم».
وأكد الإعلان على أن «جيش مصر مِلك لشعبها، لا تخلو عائلة مصرية من ضابط أو جندي من جنوده البواسل، يجب دعمه بكل ما يعينه على أداء دوره الدستوري المقدس في الذود عن أمننا القومي، وعدم إشغاله بكل ما من شأنه التأثير على هذه المُهّمة».
ودعت الجبهة كذلك لتشغيل كافة الطاقات الاقتصادية المعطلة، وتطبيق الأسلوب العلمي في تحديد أولويات استخدام الموارد، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتطبيق قواعد المنافسة التي تمنع تَغَّوُل مؤسسةٍ أو فئةٍ على غيرها، وتوفير الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن حياة كريمة تتضمن الحق في الغذاء والدواء والإيواء والكساء والتعليم والعمل والأجور والمعاشات العادلة والبيئة النظيفة.
وطالبت بالعمل على إزالة أسباب الاحتقان والتعصب وكراهية الآخر في المجتمع، والتصدي لخطاب السلطة الإعلامى الذي يشوه كل من يختلف معها، وكذلك الإفراج الفوري عن كل مسجوني الرأي والتظاهر السلمي وتعديل قوانين الحبس الاحتياطي والتظاهر، وتحقيق العدالة الناجزة، مع احترام وتطبيق النص الدستوري الخاص بالعدالة الانتقالية.
وكذلك المطالبة بالمواجهة الشاملة للإرهِاب أمنيا وفكريا، بحيث يشارك فيها الشعب عبر فتح المجال العام بما يسمح للأحزاب المدنية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أن تكون طرفا فاعلا في تلك المواجهة.
وأكدت الجبهة ضرورة العمل على استعادة كل ما تم التفريط فيه من أراض وحقوق مصرية، لا سيما ما يتعلق بمصرية تيران وصنافير والحقوق التاريخية في مياه النيل، واستعادة دور مصر في محيطها العربي والإقليمي والدولي واستقلال قرارها الوطني المتحرر من التبعية ومن قيود التطبيع.