إن كتابة رواية التاريخ لا تعني الوهم في تخليق حكاية خرافية تقوم على التعبير عما هو فائق أو عجائبي أو ما فوق واقعي كحكايات الجنيات مثلا؛ وإنما تعني الاعتياش على التاريخ المدوّن بوقائعه المؤرشفة ومروياته المدونة لصنع واقع افتراضي متخيل، ولكنه محتمل الوقوع بمقتضيات التكثيف للحادثة أو الواقعة من زوايا إنسانية لم يقف التاريخ عندها أو بالانطلاق من زاوية كون الواقعة ليست رهنا بفعل وقع ومضى وإنما هو فعل قابل للتجدد على وفق فن التواقت بحيث تتداخل الأزمنة كطبيعة محتملة تمكن المخيلة من أن تحلّق لتعطي للفعل التاريخي حيوية وديمومة، فتبدو محتملة الوقوع والتجسد الآني عبر أساليب فنية وجمالية مختلفة منها المونولوجات والتداعيات والمونتاجات الزمانية والمكانية والمفارقة والفنتزة والتغريب والحلم وغيرها وهنا لن تمثل الروح الإنسانية فردا بنفسه وإنما هي تعبر عن المجموع.
وهذا المنحى في التعاطي مع التاريخ له غايات ثقافية وأخلاقية وميتافيزيقية تقنع بعقلانية الوهم وإمكانياته في تخليق تكاثف سردي يمنح كاتب الرواية التاريخية التجدد والنماء مبتعدا عن أداء دور المؤرخ مقتربا من وظائفية الفعل السردي ما بعد الحداثي.
وإذا كان التاريخ الرسمي مركزيا كونه يحمل وجهة نظر السلطة الأبوية البطريرياكية التي تجعل كاتب الرواية التاريخية يتفيأ تحت ظلالها؛ فإن كاتب رواية التاريخ لا يتقيد بذلك الظل بل يعمل على اختلاق صيغ جديدة في التعامل بناء على وجهة نظر مضادة ليس مقصدها الفكري مركزية التاريخ بل هدفها الظفر بهوامش هذا التاريخ وما فيها من طبقات مقموعة أو أحداث وقضايا مسكوت عنها، لم يؤرخ لها ذلك التاريخ وأغفل ذكرها فلم يكترث لشأنها سياسيا واجتماعيا وفكريا.
وهنا يحاول كاتب رواية التاريخ إعطاء تلك الطبقات حضورا ضمن مساحة سردية للكشف عن أدوارها في المجتمع وحقيقة تأثيرها في حركته كي نفهم ثقافيا ايماءةً واشارة لماذا أغفل التاريخ الرسمي وجودها فلم يدوّن مراراتها وربما انجازاتها.
ولا يعني هذا إننا نطالب كاتب رواية التاريخ أن يحلّق في الخيال ويدير ظهره للوقائع التاريخية ليصنع رواية وهمية لكن المقصود أن يكون التاريخ بالنسبة إليه مجرد وسيلة مساعدة وليس غاية قصوى مبتغاة.
وبهذا يعطي الكاتب لنفسه طواعية التعامل مع أحداث التاريخ الرسمي وشخصياته من خلال إعادة تصنيع الواقعة أو الحدث التاريخي على وفق عدة كثافات سردية، عبر مشاعية المخيلة في التقاط ما هو كلي من دون العناية بالتفصيلي وبذا يغادر الكاتب وظيفة الأرخنة وينحاز للسردنة جامعا العنصر التاريخي بالعنصر الخيالي منتجا سردا يوصف بأنه سرد تاريخي وبشكل يمكن الماضي ان يمتد إلى الزمن الحاضر مع إمكانية ديمومته إلى الزمن القادم في سيرورة لا نهاية لها.
وبذا تسرد الواقعة التاريخية من دون أن تفرض على الروائي إحالات أو حواش فيشتغل في حدود المتخيل التاريخي أو محكي التاريخ معتنيا بالعموميات متذرعا بالمخيال السردي، حيث يأخذ التكثيف السردي مساحته فتتحرر بذلك الرواية من الوقوع في رتابة الطرح الإخباري للتاريخ متجهة صوب كتابة تاريخية جديدة هي بمثابة إعادة إنتاج للتاريخ المدون والبغية التذوق الجمالي والحفر الثقافي المعرفي لا الرصد الإخباري.
وبهذا التوالد لا يتاح للماضي الغابر أن يكون معاصرا فحسب بل سيغدو بالإمكان جعل المعاصر غائرا في الماضي أيضا كي ينكشف المخبوء والسري عبر المواضعة المتخيلة سرديا للواقعة المسجلة تاريخيا.
وهذا الذي تقدم إنما سقناه لكي ندلل على الكيفيات التي يمكن أن يتعامل بها الكاتب الروائي مع التاريخ، ونموذجنا الأستاذ أمين معلوف وهو المعروف بانهمامه بالتاريخ واشتغاله عليه في أغلب رواياته ومنها روايته سمرقند التي ستكون هي العينة الممثل بها هنا.
وتتناول هذه الرواية سيرة حياة الشاعر الفارسي النيسابوري عمر الخيام والمراحل الحياتية التي مرَّ بها بدءا من طفولته في نيسابور وشبابه في سمرقند ثم ذيوع صيته في أصفهان ولقاءاته مع أبي طاهر وتعرفه على جيهان وعلاقاته بحسن الصبّاح ونظام الملك وغيرهم ثم مسيرة مخطوط رباعياته بعد وفاته على مدى يقارب ألف عام.
وقد بنيت الرواية على أربعة فصول سميت كتبا، جاء الكتابان الأول وعنوانه (شعراء عشاق) والثاني وعنوانه (فردوس الحشاشين) في إطار رواية السيرة بينما اتخذ الكتابان الثالث وعنوانه (نهاية الأعوام الألف) والرابع وعنوانه (الشاعر التائه) شكل الرواية الواقعية لتغدو الرواية عبارة عن جزأين أو قصتين أدمجتا ببعض، الأولى إطارية والثانية مضمنة وكل قصة لها أحداثها وشخصياتها المختلفة وبناها الزمكانية الخاصة، فلا يعود ثمة خيط رابط يجمع بينهما سوى المخطوط (مخطوط سمرقند) الذي يسرد في النصف الأول من الرواية سيرة عمر الخيام وكيفية تنظيم رباعياته الشعرية التي كان يحوطها بالسرية إلى أن سُرق منه في غفلة ليودع في قلعة حسن الصبّاح، ومن ثم الطريقة التي اختفى بها المخطوط مع مجيء الغزو المغولي.
وهنا ينتهي النصف الأول من الرواية ليبدأ النصف الثاني بقصة موضوعها المخطوط الذي امتد به الزمن إلى القرن العشرين ليقوم البطل بنيامين لوساج بالبحث عنه والاهتداء إليه عبر خيوط سردية تبلغه مطلبه.
ولكي تغطي الرواية هذا الامتداد الزمني الطويل من القرن الحادي عشر حتى القرن العشرين الميلاديين، عمد كاتبها أمين معلوف إلى توظيف البناء السردي الدائري فبدأت الرواية من حيث انتهت بوقوع المخطوط بيد الباحث الأمريكي لوساج وهو على متن سفينة تيتانك لتغرق هذه السفينة في المحيط عام1912 «لقد ضاع في أعماق المحيط الأطلسي كتاب وقصته هي التي سأرويها» ص9، وستكون هذه هي نفسها الخاتمة التي ستنتهي إليها الرواية.
وقد اتخذ الكاتب من السرد السيري بنية إطارية لسرد واقعي ضمني عن قصة لوساج وشيرين كقصة مختلقة مكانها يدور بين أمريكا وأوروبا وآسيا وزمانها متخيل يرجع إلى مطلع القرن العشرين الذي حفل بتبدلات سياسية ومجتمعية مهمة.
وقد انشغل الكاتب في القصة الإطارية بسيرة الخيام والعصر الذي عاش فيه وما كان يكتنف الواقع السياسي آنذاك من نزاعات ومعارك وما كان للخيام من مواقف رسمية مع القضاة والحكام والساسة وعلية القوم وهي عموما مواقف تكشف عن وجه الخيام الإنساني غير المتملق للسلطات ولا المطمئن لها ولذلك كثيرا ما كانت تنتابه مشاعر الارتباك والرغبة في الهروب والتواري أما متحيرا أو مترددا أو غير مبال.
ولقد مر الكاتب مرورا عابرا في شكل سرد إخباري تاريخي على قضايا نبوغ الخيام العلمية في الفلك والرياضيات وتميزه الأدبي الذي شغل به الناس في زمانه فلم يطلعنا على المسكوت عنه في سيرة الخيام الإنسان من ناحية مواقفه الشخصية وطبيعة مشاهداته للعصر وما فيه من ظلم واستبداد وفئات مقهورة ومضطهدة واخبار عن الناس المقموعين والمعارضين للسلطة وطبيعة حياة المعدمين والدور الذي قام به الخيام في مؤازرة البائسين والاهتمام بشؤونهم والكيفية التي وظف فيها معارفه وعلومه وآدابه في خدمتهم، وهل كان لحكمته أثر في تغيير المجتمع والارتقاء به؟
إن انكباب الكاتب على الصراع السياسي ابان تلك المرحلة التاريخية بوتيرة السرد الاسترجاعي التتابعي لم يمنعه من ملامسة الاحتدامات النفسية الشعورية واللاشعورية التي انتابت الخيام وكانت سببا في مغامراته وانتقالاته والتي جعلت حياته مليئة بالمغامرات الدرامية.
وقد استعان الكاتب بمخياله حافرا في ما وراء التاريخ المدون عن الخيام متوصلا إلى كتابة محكي التاريخ، راصدا ظواهر اجتماعية ونفسية ظلت غامضة وخفية عن حياة هذا الشاعر ولا سيما دوره في تصوير مآسي المعدومين وآلام المحرومين والمهمشين.
ناقدة واكاديمية
د. نادية هناوي