خمسون سنة من العمل من أجل تحرير فلسطين وأرض العرب كلها.. والغاء الكيان المغتصب وعودة الشعب المقتلع والدي كان يري في التدخين جناية يمارسها الإنسان ضد نفسه فيؤذي صحته وصحة الآخرين ويخسر أمواله
لم يجد من يكتب عنه فكتب عن نفسه هذا ما قد يقوله بعض الساخرين وربما هم علي حق.
لماذا يكتب عن إنسان مثلي؟ لقد سُخّرت الأقلام للكتابة عن العظماء والأبطال ومحققي المعجزات ونائلي الجوائز، في السياسة والحكم والثقافة والعلم والفن والأدب والاقتصاد والرياضة والمسابقات وجمع الثروات. وأنا، بالطبع، لست واحداً من هؤلاء.
لم أقطع بحر المانش سباحة ولم أهبط علي سطح القمر ولا تسلقت قمة إفرست ولا فزت في ملاكمة أو مصارعة ولم أحصل علي أوسكار أو نوبل أو بولتزر ولا أملك ثروة تغري الملايين ولا صوتاً يطرب الملايين، ولم أسطُ علي حكم ولا مصرف.
لم أخرج في حياتي العملية التي تجاوزت الخمسين سنة عن دائرتين ضيقتين سجنت نفسي فيهما اهتماماً وتفكيراً، هواية وعملاً وبقدر ما حوّلتهما إلي صومعة لا أغادرها، لا بالجسد ولا بالروح، أصبح العالم الواسع خارجها بحراً للظلمات غريباً ومجهولاً ومرفوضاً.
عالمي الصغير الذي لم أغادره منذ أن تأهلت للحياة العملية هو عالم القلم وعالم الوطن، أي عالم الثقافة وعالم التحرير، وقد اشتبك العالمان وتوحدا وأسقطا ثنائية الوسيلة والغاية، أو الأداة والهدف فكل منهما مطلب ومسعي في الوقت نفسه، ويستحق الجهد نفسه.
خمسون سنة ومسعاي تحرير فلسطين أولاً وأرض العرب كلها ثانياً، لإلغاء الكيان المغتصب وعودة الشعب المقتلع وتحرير الإنسان والأرض معاً وفي الوقت ذاته أمارس الصنعة الثقافية لتصبح المعرفة بعد التحرير ركناً أساسياً في بنيان فلسطين الغد فالثقافة تحرّر والتحرير يثقّف وهدفهما معاً غني حضاري.
في هذا الإطار انحصرت سيرتي الفكرية ومسيرتي العملية في أداء مزدوج، بسيط ومحدد وضيق مارست فلسطينيتي (وهي فلسطينية عربية تذوب فيها القطرية) عبر القلم والبحث، بالمقالة والمجلة والكتاب والموسوعة، خارج ساحات السياسة وخنــــادق القتال، ولكن بملازمتها وموازاتها وملاصقتها ومارســــت ثقافتي التي تتجسد في الكتابات والمؤسسات علي أرض الموضوعية والتجــــرد والمنطق والصدقية، انطلاقاً من وعي الواقع المحلي والمعاش وإدراكه، أرض المجابهة مع عدو شرس اغتصب فلسطين ويخطط لاغتصاب العالم العربي سيادة وخيرات وآمالاً وطموحات ومعنويات وكانت الثقافة، بالتالي، وليدة الألم القومي وعلاجه الشافي في آن.
هكذا ألخّص حياتي سيرة ومسيرة في عالم صغير رسمت حدوده منذ أواسط القرن الماضي لم أملّ منه علي الرغم من قسوة الضربات وقوة العراقيل ووطأة محاولات الإحباط وتنسّكت فيه حتي أصبحت جزءاً منه لا أتنشق غير هوائه ولو كان راكداً ومطبقاً وأصبح العالم خارجه غريباً عني بقدر ما أنا غريب عنه وعن أهله.
لا أستغرب أن قليلين فقط يهمهم الاطلاع علي سيرةٍ هذه هي أيامها وصفاتها ومعالمها ولا بد لسيرة مثل هذه أن تتسم بالجمود والقتامة والركود في حال بعيد عن الحركة والتنوع والضوء واللون والبريق والجاذبية.
كاد الجانبان الوطني القومي والثقافي العلمي في حياتي العملية في خمسين سنة أن يصبحا في هذه الأيام من الأمور التي لا تدعو الإنسان إلي التوقف عندها والتأمل فيها. أصبح النضال رقماً مهملاً في المفاهيم السياسية المعاصرة، ننساه ونتناساه لأننا نخجل به ومنه، ونحن نقاد كالنعاج إلي حال العولمة والتنازل والصلح والاستسلام والواقعية الغبية ورأس المال المؤلّه وهو حال قزّم النضال وحرّم الجهاد وعهّر المثل والثوابت. ومن الجهة الأخري، تدني الكتاب والمجلة والموسوعة إلي أسلوب متخلّف في التعبير عن الرأي ونقل المعرفة وحل الكومبيوتر والإنترنت والقرص المدمج واللقاء المتلفز وغيرها من وسائط التواصل محل حبر المطابع ذي النكهة العطرة. وهكذا انزوي تراث المرء ورأسماله من العطاء الثقافي والنضالي وانكمشت سيرته كمثقف وطني أو كوطني مثقف ولم تعد هناك قيمة لتجربة في مجالات مثل هذه أصبحت رافداً تافهاً وإسهاماً فاشلاً وعطاء خائباً عند الكثيرين.
من هنا كان إحجامي طيلة عقد من الزمن عن تلبية نصائح واقتراحات من أصدقاء وقراء وزملاء بأن أكتب ذكرياتي ومذكراتي.
سقط هذا التمنع فجأة منذ أشهر استمعت إلي ابنة صديق، طفلة في حوالي العاشرة، تسأل والدها عمن يكون عمو أنيس وماذا عمل ويعمل وتلعثم الوالد ولم يعرف ماذا يجيب وأحال ابنته إليّ وسألت الفتاة: هل أنت دكتور؟ قلت: كلا. قالت: إذن معلم؟ هززت رأسي علامة النفي. مهندس؟ ضابط؟ تاجر؟ والتبس الأمر عليها لم تبقَ في قاموسها الناشئ مهن أخري وأخذت ألاعبها وأمازحها حتي نسيت تساؤلها وتخلت عن حشريتها لكني لم أنسَ التساؤل وأخذ الموضوع يثير حشريتي أنا.
هكذا، ببساطة وعفوية، اكتشفت أني أجهل نفسي وببساطة وعفوية قررت أن أسجل حياتي فأعرّف الناس بي لعلي أتعرّف أنا علي نفسي. لم أكن مجهولاً لدي الطفلة ووالدها فقط بل أنا مجهول أيضاً أمام نفسي وأنا بحاجة اليوم، وقد لامست الخامسة والسبعين من العمر، أن أستعرض حياتي أمام عينيّ أفكاري وأعمالي وعلاقاتي ومواقفي وصفاتي ومشاعري وأخطـــائي وتقصيراتي ونشأتي ومحيطي وأسرتي وصداقاتي وينابيع شخصيتي، حتي أتعرّف من أكون معرفة صادقة وأمينة، بلا رتوش ولا وسائل تجميل تزيل العيوب وتخفيها.
إذن فأنا أكتب لنفسي عن نفسي وقد يكذب المرء علي الآخرين لكنه لا يكذب علي نفسه وتتلازم الصراحة مع الصدق في حديث الذات فلا تشويه ولا تشويق ولا تلاعب.
في المنبتتربة خصبة تعهدها الوالدان فتعددت محاصيلها وتنوعتكانت الساعة قد تجاوزت السادسة من مساء ذلك اليوم الخريفي، الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) وبدأت حرارة الشمس تخف تدريجياً، والنسيم المنعش الذي تبعث به البحيرة إلي شواطئها يداعب ما تبقي من وريقات علي أشجار المنزل أمسك عبدالله بيد عفيفة، الحامل في شهرها التاسع، وسارا علي الطريق العريض الذي يفصل بين حديقة منزلهما وبين الشاطئ، وكانت قد صرفت النهار كله في السرير ووقفا بعد دقائق لترتاح قليلاً وليراقبا منظر الطائرة البحرية الصغيرة وهي تهبط ببطء وتشق صفحة المياه وتدفع الأمواج يميناً ويساراً وما أن هدأ المحركان حتي اقترب منها زورقان يحمل أولهما ضباط الأمن، بينما ينقل ثانيهما الركاب الذين لا يزيد عددهم علي الثمانية أو العشرة إلي الاستراحة في مبني الليدو المجاور لمنزل العائلة، يقضون فيه ساعات، ثم ينقلهم الزورق من جديد إلي الطائرة لتتابع رحلتها إلي الشرق الأقصي، مروراً ببحيرة الحبانية في العراق.
اعتاد الزوجان علي هذا المنظر مرتين في الأسبوع، في أوقات ثابتة وكان الكثيرون من أهل المدينة يخرجون إلي الشاطئ لمشاهدة الطائرة البريطانية الصغيرة في رحلاتها الروتينية بين بريطانيا وأجزاء من إمبراطوريتها الواسعة آنذاك، فتنقل البريد الجوي والركاب، ومعظمهم من موظفي الدولة المدنيين والعسكريين.
لم يطل المقام بالزوجين طويلاً طلبت عفيفة من عبدالله أن يعود بها إلي البيت أحست بالجنين يتحرك وكأنه يستأذن بالخروج إلي الحياة. وفي البيت أعدّ عبدالله حقيبة الأغراض التي ستحتاج لها زوجته في المستشفي، وأبلغ المس فورد التي كانت تقطن في الطبقة العليا من المنزل بأنه سيأخذ عفيفة إلي المستشفي القريب وحمل سائق مس فورد (مارون، اللبناني الأصل) سيدته والزوجين إلي المستشفي، إلي الشقـــة الملكية المعدة لكبار النزلاء، والتي تطل علي المــــنزل من الجهـــة الجنوبية وهرع إلي الشقة رئيس الأطباء، الدكتور هربرت طورنس، الاسكتلندي الدائم الابتسام، وزوجته مديرة المستــــشفي التي قلما كانت تبتسم وجاءت معهما الست ظريفــة رئيسة قسم التوليد.
خرجت الست ظريفة من غرفة المريضة إلي غرفة الاستقبال في الشقة لتقول للزوج المنتظر بلهفة إنه صبي يا قسيس إنه بخير فسألها و عفيفة؟ أجابت لا تخف إننا نعتني بها أصيبت بنزيف حاد لكن الله لن يتخلي عنها. وأغمض عبدالله عينيه وتمتم بصلاة قصيرة، كعادته عند سماع أخبار خطيرة، سارّة أو حزينة لا بد أنه صلّي شاكراً الله علي عطيته الجديدة وطالباً المعافاة لزوجته.
ثم دخل الدكتور طورنس وقال: طالما حذرتك يا قسيس أن حمل القسيسة هذه المرة ليس مرغوباً، وأن عملية الولادة قد لا تكون سهلة إن أم يوسف ضعيفة، وجسدها لا يتحمل كثيراً لكنكما رفضتما الإجهاض منذ أن نصحتكما بذلك بعد أن ظهرت علامات الحمل. قلتما إن ذلك مخالف للتعاليم لأنه قتل لنفس بشرية علي أي حال، نرجو أن يتم الأمر بخير. سنعتني بالقسيسة وبصلواتك وصلوات مس فورد نرجو ألا تحدث مضاعفات خطيرة لكن عليك أن تعدني أن لا أطفال بعد اليوم. وتابع ضاحكاً: الله سبحانه وتعالي اكتفي بسبعة أيام في الأسبوع فلماذا لا تكتفي أنت والقسيسة بسبعة أبناء؟ ثم تابع أو أنكما تريدان اثني عشر ابناً كالنبي يعقوب وكما رتب الله اثني عشر شهراً في السنة؟. وعلقت مس فورد: إذن سمّوا المولود الجديد بنيامين مثلما فعل يعقوب. إنه آخر العنقود أو، كما تقولون بالعربية، مسك الختام.
وهكذا حمل الطفل اسم بنيامين في أيامه الثلاثة الأولي وقبل أن يعود القسيس بزوجته إلي المنزل، وقبل أن يكتب في سجل المستشفي المعلومات الضرورية الرسمية، قالت عفيفة: إني غير مرتاحة لاسم بنيامين اليهودي. إن أسماء أبنائنا عربية كلها فلماذا نخرج اليوم علي هذه القاعدة؟ ليكن ابننا هذا أنيساً لنا في شيخوختناوهكذا سجل القسيس المعلومات التالية في استمارة المواليد في المستشفي: المولود: أنيسالوالد: عبدالله صايغالوالدة: عفيفة البترونيتاريخ الولادة: الثلاثاء 3/11/1931الأم ولدت عفيفة البتروني في قرية البصة قرب الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، إلي الشمال من عكا قاهرة نابوليون وعند أقدام تلة الناقورة التي تفصل بين جنوب لبنان وشمال فلسطين.
كان جريس البتروني تاجراً للعاديات اعتاد أن يجمع قطعاً أثرية وتماثيل وأدوات وتحفاً، حقيقية أو مزيفة، ويتنقل بين بلدته اللبنانية، البترون، ومدن يرتادها السياح والحجاج الأجانب فيبيعها لهم وكانت القدس أفضل مكان لعرض بضاعته، واعتاد أن يعرّج في الطريق علي بلدة البصة ليرتاح من تعب السفر وليملأ حقائبه بالمزيد من هذه العاديات التي توافرت في البلدة وفي البلدات المجاورة باعتبارها محطات تجارية للفينيقيين منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
كان جريس ينزل في بيت خوري البصة الكاثوليكي حنا الخوري وتوطدت الصداقة بين التاجر اللبناني والخوري الفلسطيني الذي كانت إحدي بناته، مريم، قد التحقت بدير المخلّص في جنوب لبنان للدراسة ولدخول سلك الرهبنة. والتقي جريس ومريم أثناء زياراته للبصة والعطلات الصيفية لها وتكررت اللقاءات وأغرما ببعضهما بعضاً واتفقا علي الزواج ووافق الخوري واستبدلت مريم ثوب الرهبنة الأسود بثوب العروس الأبيض وكانت عفيفة أولي ثمرات هذا الزواج. واستقر جريس في البصة واشتري أرضاً وبني بيتاً من طبقات ثلاث وكان الأكبر في البلدة الصغيرة.
تعرّف جريس البتروني بحكم عمله وتنقله واختلاطه بالأجانب إلي مرسلة أميركية حملها حماسها الديني التبشيري إلي البلاد السورية وقررت أن تكرّس حياتها لتعليم الناشئة مستفيدة من ثروة هائلة ورثتها عن والدها وحملت اسماً طويلاً ماري مكسويل تنِسي فورد، ومكسويل اسم أسرة أمها وتنسي اسم الولاية التي جاءت منها وبنت بيتاً في صفد وآخر في طبريا وأخذت تتجول في مناطق واسعة من شمال فلسطين وجنوب لبنان وحوران وأسست أكثر من ثلاثين مدرسة ومركزاً للصلاة والتبشير والعلاج الصحي.
انجذب جريس، الماروني، ومريم، الكاثوليكية، إلي المس فورد، وإلي دعوتها المسيحيين من الكاثوليك والموارنة والروم الأورثوذكس لاعتناق مذهبها الإنجيلي (المعروف عند العامة بالبروتستانتي) وكان من أولي نتائج اعتناقهما هذا المذهب التحوّل الذي يعتبره الكاثوليك والموارنة ضلالاً ويعتبره الإنجيليون اهتداء! أن أرسلا ابنتهما الكبري، عفيفة، إلي مدرسة الأميركان في صيدا وكان المرسلون الإنجيليون الأميركيون قد أسسوا في صيدا مدرستين واحدة للإناث، وأخري للذكور عرفت باسم مدرسة الفنون وكان لهما سمعة ممتازة، وأصبحتا من أفضل مدارس لبنان وسورية وشمال فلسطين في التعليم والتربية.
برزت عفيفة في المدرسة وكانت الأولي في صفها وحينما تخرجت قبيل نشوب الحرب العالمية الأولي كانت تتقن العربية والإنكليزية واللعب علي الأرغن والترنيم إلي جانب الموضوعات الأخري التي كانت المدرسة تعلمها لطالباتها مثلما تعدهنّ ليصبحن ستات بيوت كزوجات وأمهات.
وحينما مات جريس البتروني في البصة قررت أرملته أن تلتحق بالعمل التعليمي مع مس فورد في صفد وأخذت معها ابنتها عفيفة المتخرجة حديثاً لتعمل كمدرّسة في تلك المدينة الفلسطينية الشمالية لكن الحياة لم تمهلها طـــــويلاً. ماتت مريم ولمّا تبلغ الخمسين من عمرها وحزنت عفيفة كثيراً، فقد تيتمت باكراً وكانت مس فورد علي أهبة رحلة تفقدية لمدارسها ومراكزها المنتشرة في حوران وعرضت علي عفيفة أن تذهب معها لتخفف من حزنها.
جاءت الاثنتان إلي قرية خربا (بفتح الخاء والراء)، القرية المسيحية الصغيرة في حوران التي كانت مس فورد قد أسست فيها مركزاً تبشيرياً ومدرسة ونزلتا عند قسيس القرية، أنطون حموي، حيث كان يقيم أيضاً شقيق زوجته، الشاب عبدالله صايغ، المتخرج حديثاً في مدرسة صيدا والمنخرط مع القسيس في التعليم والتبشير.
الأبكان عبدالله الابن الوحيد ليوسف صايغ الابن الوحيد أيضاً لعبدالله زخور الكبّاش ومثلما كان جريس البتروني يتنقل بين البترون وفلسطين لبيع عادياته في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، حتي استقر به المقام في البصة وصاهر البلدة واعتنق المذهب الانجيلي، كذلك كان عبدالله زخور الكبّاش يتنقل بين مسقط رأسه في حمص وجبل الدروز، جبل العرب حالياً، وحوران لبيع مجوهراته واستقر في قرية خربا، حيث أنجب ابنه يوسف وأصبح يوسف هذا يعرف باسم الصايغ، نسبة إلي مهنته التي ورثها عن أبيه. واتسعت أعمال يوسف وكذلك ثروته واشتري أراضي واسعة في البلدة وخراجها واشتري قطعاناً من الأغنام وتزوج وأنجب ابناً وحيداً، عبدالله، وأربع بنات وماتت زوجته وعبدالله لم يبلغ الثامنة من العمر وأظهر الابن ميلاً شديداً للعلم وحماساً أشد للإيمان الديني، للمذهب الإنجيلي وعندما أراد زوج شقيقته الكبري، أنطون حموي، أن يبعث بابنته إلي المدرسة في صيدا لتواصل تعلمها عهد إلي عبدالله، الشاب الطريّ العود، أن يأخذها إلي المدرسة ففعل وهناك تعرّف إلي المدير الأمريكي للمدرسة، فدعاه لأن يلتحق بمدرسة الذكور ورحب عبدالله بالفكرة ورأي فيها تحقيقاً لحلم كبير، لكنه لم يكن يعرف كلمة واحدة في اللغة الإنكليزية التي كانت لغة التعليم في المدرسة فعيّن المدير له مدرّساً خاصاً ولم تنته السنة الدراسية إلاّ وكان عبدالله الأول في صفه وبقي اسمه علي لائحة الشرف في المدرسة في السنوات الأربع التي قضاها فيها وحينما تخرّج أهداه المدير ساعة جيب ذهبية نقش عليها اسم المدرسة وقد ظل يحتفظ بالساعة حتي وفاته بعد ستين سنة.
هكذا التقي عبدالله صايغ وعفيفة البتروني في قرية خربا قبل نهاية عام 1914 ولا شك في أن مس فورد عرابة اللقاء لم يفاجئها ولم يزعجها أن يطلب الشابان منها أن تبارك خطبتهما، ولا أن تبارك زواجهما الذي جري في كنيسة خربا بعد أشهر قليلة، في النصف الأول من 1915. هذه هي ظروف تكوين أسرة عبدالله صايغ، التي أثمرت ثمانية بنين (مات ثانيهم في الشهر الثامن من عمره) في السنوات الست عشرة الأولي بعد الزواج يوسف (1916) وفؤاد (مات طفلاً 1918) وفؤاد (1919) وفايز (1922) وتوفيق (1923) وماري (1927) ومنير (1929) وأخيرا أنيس (1931) وتوزعت الولادات الثماني بين البلدات الثلاث التي أقامت فيها الأسرة في تلك الفترة خربا والبصة وطبرية. صدفةإن الصدف هي التي جمعت بين الوالدين فالتقيا وتحابا وتزوجا وأنشآ أسرتهما، حسب ما رويت في الصفحات السابقة. أما الوالدان، اللذان كانا يرويان كيف التقت حفيدة ابــــن البــــترون، البصاوية، مع حفيد ابن حمص، الحوراني، في رعاية سيدة من ولاية تنسي الأميركية، في ظــــروف وأحداث غاية في الغرابة، فإنهما كانا يؤمنان بحمــــاس وصدق بأن الإرادة الإلهية هي التي أمرت بذلك وأن العناية السماوية هي التي حققت ذلك، وأنــــه لولا هذا القرار وهذا التدبير لما حصل ما حصل لما كنت الآن أسجل هذه الذكريات، بل لما كنت موجوداً علي الإطلاق!
كان الوالدان مؤمنين إلي أبعد حدود الإيمان لا أبالغ إذا قلت إن الصفة الغالبة علي حياتيهما، وإن القوة الكبري المتحكمة في أعمالهما وقراراتهما وفهمهما وردات فعلهما أمام الأحداث والظروف إنما انطلقت من الإيمان الديني، ذلك الإيمان الديني وحده، بحيث لا يكون لغيره أي أثر في اتخاذ قرار أو تداعيات حدث مهما كان القرار أو الحدث مصيرياً أو بسيطاً. وأما ما كان يمليه عليهما الوحي الذي يشعران بأن الله يردّ به علي صلواتهما فهو الجواب القاطع الذي لا مردّ له، والذي تزول أمامه أي مصلحة أو رغبة أو تصور أو اعتقاد أو اقتناع مسبق. هكذا يريد الله هو التعبير الذي كنا نسمعه منهما عشرات المرات كل يوم.
لا أذكر أن خلافاً واحداً، أو سوء تفاهم، أو نفوراً قام مرة بين الوالدين في العشرين سنة تقريباً التي كنت خلالها شاهداً علي حياتيهما المشتركة. لا أذكر دمعة واحدة نزلت مرة علي خد الوالدة غضباً من فعل أو قول للوالد بحقها ولا أذكر عبسة واحدة علي وجه الوالد كرد فعل لقول أو عمل من الوالدة، فالإيمان بالله هو الذي كان يمنع نشوب خلاف ما لأنه كان يلهمهما معاً التفاهم والقبول والصبر والاحتمال والتوافق.
عاش الوالدان سلسلة من الظروف القاسية التي تحملا آثارها السلبية برضي وحاولا حل إشكالاتها والتغلب عليها بعقل وحكمة خففا من قسوتها وأنتجا بدائل معقولة. خسر الوالد في خربا أرضه وبيته والمجوهرات التي تركها له والده وهاجرت الأسرة إلي البصة إبان الثورة السورية خالية الوفاض ونزحت الأسرة من فلسطين إلي لبنان في نيسان (أبريل) 1948 متخلية عن كل شيء، مثل ثلاثة أرباع المليون فلسطيني واضطرت الوالدة لبيع المنزل في البصة الذي خلّفه لها والدها لتسدد بثمنه أقساط ثلاثة من أبنائها في بيروت واستولت السلطات البريطانية علي أرض للوالدة وحوّلتها إلي مطار للقوات الجوية البريطانية وكان مرتّب الوالد، القسيس، زهيداً إلي حد لا يكاد يؤمّن الضروريات ومع هذا استطاع والوالدة أن يعلّما أبناءهما تعليماً ممتازاً في أفضل المعاهد والجامعات وانهارت صحة الوالدة منذ الثلاثينيات وعاشت آخر عشر سنوات طريحة الفراش. ومع هذا كله لم يفقدا أملاً ولم يتبرما بحال ولم يشكوا، بل كانا يريان في ما يحصل تجارب من الله يواجهانها بشجاعة وثبات وإيمان راسخ وفجع الوالد بوفاة الوالدة، وعاش سنواته الخمس والعشرين الأخيرة بفراغ وحزن إضافة إلي فقدان فؤاد ثم توفيق وكان أولهما في الأربعين من العمر، ولم يبلغ ثانيهما الخمسين. كان عزاؤه أنهما سبقاه لعند الله. كانت آخر كلماته لي وهو علي فراش الموت: لا تحزن عليّ يا أنيس إني ذاهب لعند عفيفة لقد اشتقت لها كثيراً.
أم قوية الشخصيةتجلّت قوة شخصية الوالدة في الثلث الأول من القرن الماضي، أي قبل أن يبدأ الوهن ثم المرض يدبّان في جسدها النحيل وهي فترة سابقة لمولدي لكني أعرف عنها الكثير مما كان الوالد والأشقاء والناس يروون من قصص عن قدرة الوالدة علي تحمل مشاق الحياة التي جابهتها الأسرة في خربا وفي البصة قبل الانتقال إلي طبريا، من حيث خسارة الوالد لممتلكاته بفعل الاضطرابات السياسية والتهجير، أو من حيث اضطراره للتنقل المستمر بين مراكز حوران ولبنان وفلسطين للتعليم والوعظ طيلة السنوات الخمس عشرة الأولي من زواجهما، براتب ضئيل ومسؤوليات كبيرة، من جهة، وبتوالي ولادة الأبناء واحداً بعد الآخر وما يستتبعه من أعباء إضافية ومسؤوليات جديدة علي الوالدة الأمر الذي أنهك قواها. وعلي الرغم من تلك المهام والظروف، كثيراً ما كانت الوالدة تضطر إلي مجابهة المشاكل والأوضاع السيئة وحدها، وحماية الأسرة والمنزل والممتلكات وصد الأطماع والاعتداءات ويروي شقيقي يوسف عشرات القصص التي كان شاهداً فيها علي قدرة الوالدة علي تحمّل المصاعب وإيجاد الحلول وتنفيذ خطط الخلاص دون مساعدة من أحد في غياب الوالد بل إن قوة الشخصية بدأت قبل ذلك، وهي بعد مراهقة حينما أصرت علي الدراسة ومتابعتها في مدرسة داخلية بعيدة عن قريتها في زمن لم تكن الفتيات يخرجن فيه من بيوتهن ولم يكن السفر بين البصة وصيدا سهلاً. لم تكن هناك طرق معبّدة. كانت الفتاة الصغيرة تركب بغلاً أو حصاناً يصعد بها إلي الجبل ولا تصل صيدا إلا بعد يوم أو يومين وتمر علي عدد من القري والبلدات وكانت قبيل الحرب العالمية الأولي تضطر إلي وضع غطاء علي شعرها عندما تخرج من المنزل إلي المدرسة في صفد حيث عينت معلمة خوفاً من سماع ملاحظة تحرجها أو تجرحها، وظلت حريصة علي وضع غطاء علي شعرها في الكنيسة حتي وفاتها. ويروي يوسف أيضاً أن الوالدة كانت تطلب من الوالد أن يتنحّي جانباً ويترك لها معالجة بعض الأمور التي يمكن أن ننعتها بالمالية لأنها تراه خجولاً أو غير مكترث بشؤون المال فهي، مثلاً، التي أخذت يوسف من البصة إلي مدرسة صيدا لتطلب من إدارة المدرسة تخفيض القسط المطلوب وهي التي كانت تتولي بيع المحاصيل الزراعية والماشية في خربا لأن الوالد كان يهبها للجيران والأقارب دون مقابل مع أنه لم يكن يتقاضي عن عمله التبشيري مرتباً كافياً. وجدير بالذكر أن الوالد بقي يعمل شبه متطوع عدة سنوات بعد تخرجه قسيساً كما أنه عمل شبه متطوع أيضاً كقسيس زائر في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حياته أي أنه قبل بتناول مرتب علي عمله الروحي مدة خمس وعشرين سنة فقط من الستين سنة التي مارس خلالها هذه المهنة الرسولية. ولعلي لا أنهي الكلام عن شخصية الوالدين إلا بعد أن أروي ظروف خطبتهما فبعد أن خطبا في خربا ذهبت هي إلي البصة لتخبر ذويها، وكان شقيقها الوحيد قد هاجر إلي الولايات المتحدة فغضب أحد أقاربها وكان زميلاً لها في المدرسة في صيدا وكان يحبها ويريد الزواج منها وكتب إلي شقيقها المهاجر يطلب منه أن يتدخل لمنع الزواج، فالعريس كما كتب رجل عجوز بعين واحدة، ضعيف البنية، عاطل عن العمل، وبروتستانتي فبعث الشقيق يسأل عن صحة ذلك وكيف تقبل هي بالزواج من رجل هذه صفاته و عيوبه، فما كان منها إلا أن اكتفت بإرسال صورة لخطيبها مع هذه العبارة هذا هو عبدالله من حيث الشكل وهو ابن صائغ ثري وهو بروتستانتي مثلي مع وضع خط تحت كلمة مثلي. وكان رد شقيقها رسالة تهنئة وتمنيات بحياة سعيدة لها وللخطيب.
الشبه بين الوالد والوالدة في القدرة علي التحمل قوي جداً لكنه امتاز عنها، بحكم كونه الرجل والزوج، بالوقوف بعناد شديد في وجه أفعال أو أقوال يرفضها، وخاصة حينما تتعلق بالشؤون الدينية والعقائد اللاهوتية ففي موازاة لطفه وحنانه ومرحه وانفتاحه علي الناس، كان عنيفاً ربما أكثر من اللازم أحياناً مع المخطئين، سواء الذين يمارسون أفعالاً يراها سيئة وكان يسميها شريرة أو يفسّرون الأناجيل تفسيرات لا يقبل بها ويعتبرها انحرافات شيطانية. لا يجوز أن أعتبر الوالد متعصباً إزاء الآخرين، سواء من غير المسيحيين أو المسيحيين من غير الإنجيليين كان يحاورهم بطول بال وأناة وهدوء ومنطق ويحتفظ بصداقتهم مهما اختلف في الرأي معهم إلا أنه لم يكن يتسامح مع الذين يدعون أنهم إنجيليون ويصلون إلي أحكام تتناقض مع قناعاته هو، وقد ظهرت هذه الصفة فيه منذ أيامه الأولي في العمل التبشيري حسب ما كانت والدتي تخبرني، أي منذ أيام زواجهما الأولي فمثلاً كان الأنسب أن يلتحق بكلية اللاهوت الموجودة في بيروت لمواصلة دروسه لأنها أقرب إلي خَرَبا والبصة وأوثق علاقة وأقل تكلفة إلا أنه اختار كلية اللاهوت في القدس، البعيدة نسبياً، لمجرد أنها عرفت أكثر من منافستها البيروتية تمسكاً بالتفاسير والقراءات والاجتهادات التقليدية وكانت تلتزم بالآراء المحافظة، في حين كانت كلية بيروت تقدمية في أحكامها وتأخذ التطورات في المفاهيم بعين الاعتبار. ومع الأيام ازداد تمسك الوالد بالرأي التقليدي حتي حينما خف قبول الناس من رجال الدين والعلمانيين بالتفسير المحافظ رفض، مثلاً، أن يجاري زملاءه القسس في لبس الياقة البيضاء حول العنق والروب الأسود أثناء خدمة العبادة احتفظ بلباسه العادي كأي رجل مدني في المجتمع وكثيراً ما ألححت عليه في الخمسينيات والستينيات حينما كان يتردد علي السجون اللبنانية لإرشاد المساجين والصلاة لهم ومعهم أن يلبس تلك الياقة علي قميص أسود حتي لا يمانع الحرس أو يتأخروا في إعطائه الإذن بالدخول كان يرفض أن يتميز عن أي إنسان آخر بالمظهر أو اللباس، وكذلك موقفه من الصليب لم يكن الصليب بالنسبة إليه أكثر من رمز لذلك لا يجوز المغالاة في تبجيله ولا التفنن في صنعه أو ترصيعه بالجواهر ولا التصنع في حمله وتكبير حجمه وكثيراً ما أثارت آراؤه هذه المشاكل مع زملائه. ففي الأربعينيات لام قسيس الناصرة الإنجليكاني لأنه في نهاية خدمة العبادة انحني أمام الصليب وفي مطلع الخمسينيات انتقد رعية الكنيسة المشيخية في بيروت لأنهم رفعوا صليباً خشبياً كبيراً فوق المنبر وكان يسخر دوماً من الكنائس الإنجليكانية أي الأسقفية في بريطانيا لأنها تستعمل لنوافذها زجاجاً ملوناً. أذكر جيداً أن كنيسته في طبريا كانت فارغة تماماً إلا من المقاعد والمنبر والأرغن وصليب واحد صغير وكانت جدرانها عارية من أي صورة أو تمثال أو أيقونة أو زينة.
وكان رأيه في العذراء مريم يتفق مع الرأي الإنجيلي المحافظ، فهي مكرمة بين نساء البشر قاطبة بحكم كونها أم يسوع وبحكم بتوليتها واختيار الله لها من بين سائر البشر لكنه يرفض معالم التقديس والشفاعة وطقوس التبجيل المبالغ بها التي تنتشر بين الطوائف المسيحية الأخري، كما أنه كان يرفض من جهة أخري اتجاه بعض المدارس الإنجيلية المعاصرة والتقدمية إلي إنكار ولادة المسيح الخارقة للطبيعة وكان يؤمن بالمعجزات المنسوبة للمسيح في العهد الجديد التي تنكرها بعض المدارس الإنجيلية المعاصرة وتفسرها تفسيراً مجازياً أما هو فكان يفسرها تفسيراً حرفياً كما وردت في الأناجيل، وكذلك نبوءات العهد القديم ومصطلحاته. أما المعجزات المعاصرة التي يقول بها مسيحيون كثيرون ويؤمنون بصحتها فهو يعارضها ويعتبرها أداة تستعملها الكنائس للسيطرة علي الرعية وللكسب. الله وحده قادر علي إجراء المعجزات عبر الإيمان والصلاة وليس من خلال وسائط بشرية أو طقوس أو أدوات أو ذخائر أو زيوت. أذكر أن فتاة من شمال فلسطين قالت إن العذراء ظهرت لها، وأخذ الناس يحجّون إلي بيتها ليتبركوا بها غير أن الوالد جاهر بموقف سلبي جعل الكثيرين يعارضون ويعترضون علي كلامه ولم يخفف من حملته أن زوج شقيقة الفتاة كان صديقاً لنا وكان في تلك السنة في الأربعينيات قد أجّرنا منزله في الناصرة لقضاء فصل الصيف لتعذر مجيئنا إلي لبنان للاصطياف.
غضب الوالد الأشد كان ضد طائفة تعتبر نفسها مسيحية وإنجيلية ولا تعتبرها الكنائس الإنجيلية كذلك. إنها طائفة شهود يهوه صرف الوالد الثلاثين سنة الأخيرة من حياته يكتب ويعظ ويجادل ويحاور ضدها ولعله أول وأكثر من حمل علي الجماعة في المشرق العربي منذ أواخر الأربعينيات وألّف أكثر من كتاب أصبح مرجعاً في الموضوع وقد بدأ حملته العنيفة هذه في قرية البصة، قبل النزوح إلي لبنان.
ولا بد لي أن أعترف هنا أن الوالد الهادئ عموماً كان حساساً جداً ويثور عند الحديث عن اضطراره لمغادرة منزله ورعيته مرتين في حياته، حوران وطبريا وبقيت مشاهد حرق كنيسته ومنزله في خَرَبا إبان أحداث ماثلة أمام عينيه دائماً ولعلنا نعذره إذا لم يستطع نسيان تلك الأحداث المؤسفة داخل المجتمع الواحد بين الطوائف المختلفة، حتي إنه ربما كان يبالغ في غضبه علي مقترفي تلك الأحداث علي الرغم من مرور عدة عقود علي حصولها أما نقمته وثورته المستمرة علي الصهيونيين فلا أظن أن أحداً يستغربها.
حرب ضد السجائروالكلام عن غضب الوالد يقودني إلي الحديث عن عادة لم يقلع عنها ويذكرها كل من عرفه، وهي تأنيبه لكل من يراه يدخن السجائر. كان يري في التدخين جنوناً وجناية يمارسها الإنسان ضد نفسه دون داع، فيؤذي صحته وصحة الآخرين ويخسر أمواله حتي إن بعض الأصدقاء كانوا يرمون السيجارة من بين أيديهم بسرعة إذا وجدوا أنفسهم أمامه حتي لا يقبض عليهم بالجرم المشهود. ولم يجرؤ أحد من أشقائي الثلاثة الذين مارسوا عادة التدخين يوسف وفؤاد وفايز أن يدخن أمامه أو حتي أن يذكر أنه يدخن وكنت أنا وزوجتي بعد أن أقمنا في بيروت في السنوات العشر الأخيرة من حياته نخفي أي علب للسجائر أو زجاجات للمشروب قبل أن يزورنا، علماً أننا لسنا من المدخنين ولا من هواة الشرب وبسبب النشأة المحافظة التي عاشها، كان الوالد يمانع في لبس النساء للمايوهات والاختلاط مع الرجال في المسابح، وكذلك يعارض الأفلام السينمائية الجريئة التي كانت إعلاناتها تظهر الممثلات في ثياب غير لائقة حسب تعبيره.
كان الوالد مثقفاً ثقافة لاهوتية وعامة واسعة، ونشر حوالي العشرة من الكتب في المواضيع الدينية وكان كثير المطالعة وبعد أن ترك في منزله في طبريا مكتبته الكبيرة جداً بدأ بتكوين مكتبة أخري في منزله في بيروت وكان له ولع باقتناء المراجع والموسوعات والقواميس، يعود إليها مرات في اليوم الــواحد وخاصة عندما يعدّ عظة يوم الأحد.
ولا بد لي أن أسجل هنا صفات أخري عرفتها في الوالد. كان رياضياً قوي البنية يهوي السباحة وركوب الخيل والمشي مسافات طويلة وركوب الدراجات وفي مدرســــة صيدا كان بطلاً في رمي الجلّة مثلما كان مجلياً دوماً في الدراسة. وكان الوالد مرحاً كانت عظـــــاته الطبرانية تحفل دوماً بالنوادر والفكاهات أما في بيروت فربما كانت آثار النكبة والنزوح والترمل قد أثّـــرت عليه فخلت عظاته من المرح السابق لكنه بقي حتي آخر لحظة في حياته سريـــع البديهة وخفيـــف الظل وحلو المعشر.
أمر آخر يفترض معارف الوالد وزواره وما أكثرهم أن أشير إليه، وهو حرصه علي صنع القهوة بنفسه وبطريقته الحورانية التي جعلت الناس يسمونها قهوة القسيس. كان يرفض أن تعدّ الوالدة أو أي شخص آخر القهوة العربية مع حب الهال. كان يصرف ساعة في الصباح الباكر في إعدادها في طبخها بطريقته التي تميز بها، وما علي الآخرين إلا تسخينها عند الحاجة في ساعات النهار والليل وتقديمها للضيوف.
ستصدر في الشهر القادم عن دار رياض الريس للكتب والنشر/ بيروت7