ثلاثة أبراج

حجم الخط
0

مؤخرا تذكرت مرتين سنة 1948. المرة الأولى عندما قرأت مقال أوري مسغاف عن «فاتحي الطريق إلى القدس» («هآرتس» 8/12) والمرة الثانية عندما اندلع من جديد النقاش حول استسلام نتسانيم. لقد كنت مشاركا في المعركتين. مسغاف يصف الاختراق من جانب القدس من قبل لواء هرئيل بقيادة اسحق رابين. ولكن هذا فقط هو نصف القصة. النصف الآخر هو اختراق الطريق من الغرب من قبل لواء جفعاتي. لقد شاركت فيها كعريف في اللواء 54.
القدس اليهودية كانت مفصولة ومجوعة. بالقرب من حدود سوريا تجمعت قافلة ضخمة تضم أكثر من مئة شاحنة محملة بالغذاء. لقد كُلفنا بإيصالها إلى القدس وليكن ما يكون.
سريتي تلقت أمرا بالتمركز في شاحنة الجبنة الصفراء. حولنا الصناديق الخشبية إلى جدران دفاعية وجلسنا بينها. اجتزنا اللطرون بسلام ودخلنا إلى المسار الضيق لباب الواد.
لم يكن ذلك هو الشارع الموجود اليوم. الشارع القديم تعرج بين حائطين منحدرين من الصخور بارتفاع عدة عشرات الامتار. لو هوجمنا من الأعلى لكان علينا الصعود في ذلك المنحدر تحت النيران من أجل إبعاد المهاجمين. خوف مريع.
القافلة الطويلة تقدمت ببطء يثير الجنون. القلب كان يدق بقوة ولكن لشديد الدهشة لم يحدث شيء.
بعد ذلك مررنا أسفل القسطل التي احتلت توا من قبل مقاتلي هرئيل. أيضا هذا حدث لحسن الحظ. القائد الاسطوري للمقاتلين العرب المقدسيين، عبدالقادر الحسيني قتل في المعركة. في القدس العربية أجريت له جنازة كبطل، والمقاتلون العرب من القسطل تركوا مواقعهم للمشاركة في الجنازة. رجال هرئيل احتلوا المكان بسهولة.
عندما وصلت قافلتنا إلى بداية القلعة القديمة، رجال البلماخ هبطوا إلينا وهم يهتفون. احتضنا بعضنا.
كان ذلك يوم السبت صباحا. عندما دخلنا إلى المدينة تدفق اليهود من الكنس وأحاطوا بنا بهتافات من الفرح ذكرتني بصورة دخول قوات ديغول إلى باريس في الحرب العالمية الثانية. المصور ديفيد روفنغر صور مصادفة شاحنتنا وهكذا خُلدت أنا الجندي الصغير.
كانت تلك هي القافلة الأخيرة التي مرت بسلام في الشارع القديم من تل أبيب إلى القدس. فورا بعد ذلك نزل «جيش الانقاذ» بقيادة القاوقجي من الشمال إلى اللطرون. لقد كنت من بين القوة التي حاولت اختراق الطريق، ولكننا فشلنا فشلا ذريعا. كان لدينا خسائر كبيرة جدا. كانت تلك هي المعركة الأولى على اللطرون، معركة نسيت تماما بسبب الكارثة التي حلت بمقاتلي المعركة الثانية والتي «إليها جيء بالجنود المجندين من الخارج مباشرة من السفن».
الشارع القديم إلى القدس أغلق لسنوات عديدة. بدلا منه شق طريق جديد سمي «طريق بورما» على اسم الطريق الذي شقه البريطانيون من بورما إلى الصين المحاصرة في الحرب العالمية.
بعد هذه المعركة تم نقل سريتي جنوبا، من أجل استقبال الجيش المصري الذي غزا البلاد فورا بعد إعلان إنشاء الدولة. لقد كان لمصر جيش نظامي، مسلح كما يجب بطائرات ومدافع، ودرب جيدا على أيدي البريطانيين. لقد استهتروا بنا، نحن الأنصار غير المنظمين، إلى درجة أنهم سمحوا لأنفسهم بتقسيم قواتهم. جزء تقدم مباشرة اتجاه تل أبيب والثاني تقدم نحو الشرق إلى الخليل من أجل احتلال المدينة قبل الجيش الأردني.
القوة المصرية كانت تفوقنا في قوتها كثيرا. لواء جفعاتي كان عليه أن يقطع التقدم نحو تل أبيب بكل ثمن. هذا الفهم، بأن علينا إنقاذ تل أبيب (بكل ثمن)، وصل إلى كل واحد من أفراد اللواء، ابتداء من قائد اللواء شمعون افيدان وحتى آخر الجنود.
اليوم من الصعب فهم روح الأمور، ولهذا يقال اليوم الكثير من الأمور التي كانت في ذلك الوقت عديمة المعنى. قوة ضخمة سارت نحو تل أبيب. قوة صغيرة جدا من جفعاتي ولواء النقب كان عليها أن توقفها. النساء والأطفال كان قد سبق إخلاؤهم شمالا. كان لدينا جميعا فهم أنه لا يوجد انسحاب وبالتأكيد عدم الاستسلام. كما في الأفلام: «حتى الرجل الأخير».
قمنا بمحاولة فاشلة لمهاجمة رأس القوة المصرية في اسدود. سريتي سارت في الليل مسافة طويلة جدا عبر الرمال اللينة من أجل الوصول إلى مؤخرة العدو. عندما وصلنا هناك وانتظرنا لأمر الهجوم قيل لنا إنه حدث خطأ ـ لقد تم التوصل إلى هدنة (نوع من وقف إطلاق النار). عدنا بما تبقى لنا من قوة ومع الفجر وصلنا إلى نقطة الانطلاق ـ عندها أخبرونا أن الخطأ نفسه كان خطأ. ليس هنالك هدنة.
في الليلة التالية ذهبنا عبر تلك الطريق إلى تلك النقطة. ولكن في الصباح رأى المصريون الآثار التي تركناها على الرمال، وفي الليلة الثانية كانو بانتظارنا. كانت معركة قاسية، قتل وجرح العديد من الأشخاص. ساعدت في حمل النقالات.
المصريون لم يتقدموا. يبدو أنهم انتظروا أوامر جديدة وفي تلك الأثناء هاجموا نتسانيم وهو كيبوتس «الشباب الصهيوني». عندما كان ميؤوس من الحالة استسلم أعضاء الكيبوتس. في نظرنا، نحن جنود جفعاتي، كان هذا شبيها بالخيانة. لقد قالوا لنا أن نقاتل حتى الرجل الأخير، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذا النقاش استمر حتى اليوم، حيث لا يوجد أحد قادر على أن يحس بالحالة كم كانت حينها.
بعد نتسانيم سقطت أيضا التلة القريبة. التلة 69. كان من السهل تشخيص تلك التلة، حيث كان موضوعا على تلك التلة خاصة بخزانات المياه. المصريون حاصروها، القائد قتل والرجال هربوا. في جبهتنا اخترق ثقب ضخم. فعليها كان بامكان المصريين المرور عبره والوصول إلى تل أبيب لو أنهم عملوا بسرعة وبمبادرة ذاتية.
سريتي نقلت من بئر توفيا إلى بيت دراس، قرية مهجورة وبها ملايين البراغيث الجائعة. لقد حفرنا بسرعة خنادق أمام تلة . بحثنا عن متطوعين ليناموا طوال اليوم في تلك الخنادق من دون أن يخرجوا رؤوسهم. تطوعت لهذه المهمة. لِمَ؟ لقد حل بي عار. قبل عدة أيام هربت من معسكرنا من أجل زيارة صديقة لي في تل أبيب. سجنوني، ولكن عندما وقعت المعارك أخرجوني. عندها أردت التكفير عن خطيئتي.
لقد استلقيت ساعات كثيرة في الخندق الضيق من دون أن أتحرك، تعلمت الكثير عن حياة الحشرات ولم يحدث شيء. في ذلك اليوم نفسه وقفنا نحن رجال السرية «ب»، كصف غير كبير، بين الجيش المصري الضخم وتل أبيب.
علينا أن نذكر في النقاش حول قضية نتسانيم أن قائد اللواء شمعون افيدان لم يكن مسخا كما يصفه من يبررون قضية نتسانيم. لقد كان واحدا من بني البشر الأكثر إنسانية الذين عرفتهم.
شمعون افيدان انقذ تل أبيب.

هآرتس 17/12/2017

ثلاثة أبراج
لقد استطاع عدد بسيط من الجنود بقيادة افيدان الوقوف في وجه الجيش المصري وإنقاذ تل أبيب
أوري أفنيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية