الرباط ـ «القدس العربي» من عبد اللطيف الوراري: الإيقاع ليس الوزن، إنّه أشمل من الوزن. لكن، لا يزال الالتباس بين الإيقاع والوزن حاصلا في أذهان الكثير من الدارسين إلى اليوم، إذ ما فتئوا يعتقدون بأن هذا هو ذاك بعينه، وأن معناهما واحد. فإذا كان الوزن ظاهرة صوتيّة تنشأ من تساوي أجزاء البيت الشعري وتردُّدها على مسافاتٍ أو مقادير موزونة متساوية أو متناسبة في الكمّية، فإن الإيقاع يضمُّ النسق الصوتي الذي لا يُخْتزل في الوزن وحسب، وإنّما يشمل القافية والنبر والتنغيم والتكرار وتوازي المقاطع، وسوى ذلك من الموازنات الصوتية، إلى جانب النسق الدلالي الذي يخصُّ حركة المعنى ودلاليّته، التي تُحوّل بنية القصيدة ببعديها الزماني والمكاني، ومجاليها الشفوي والمكتوب. ولهذا، فالوزن ثابتٌ قابلٌ للقياس، في ما الإيقاع مُتعدّد ولا يقبل العدّ ولا القياس. الإيقاع هو كلٌّ، لا هو خارجي أو داخلي.
من المعيار إلى الانزياح
إذ نتأمل دالّ الإيقاع وأنماطه الكمّية وقيمه الصوتية والبصرية، نجد أنّها تتردد بنسبٍ متفاوتة لدى أكثر من شاعر، ومن جيلٍ إلى آخر. فمن جهة، تحضر الأوزان الشعرية البسيطة أو الصافية أكثر من غيرها المركبة أو الممزوجة، وهي ـ بحسب الأهمية ـ بحور الكامل والمتقارب والمتدارك والرمل والرجز. وقد يبدع بعضهم في هذا البحر دون سواه، مرتفعا بقيمه الموسيقية وتردّداته النفسية إلى مقامٍ رفيع، كبحر المتقارب بالنسبة لأمينة المريني في ديوانها «المكابدات»، والخبب بالنسبة لعبدالرحمن بوعلي في ديوانه «تحوُّلات يوسف المغربي»، والكامل بالنسبة لمحمد بنيس في مجمل أعماله، ابتداء من ديوانه «ورقة الهباء»، إذ ينظر إلى الكتابة كممارسةٍ تشْكُل في علاقتها بـ(المكان) و(الجسد)، وهو ما يبلبل، من داخل اختياراته العروضية ـ الإيقاعية، حدود البيت الشعري وتناظراته، فيأخذ بحر الكامل، وغيره أيضا، أوضاعا متبدلّة منتظمة حينا، ومشظّاة حينا آخر، تمثيلا لا حصرا. كما أن عبد الكريم الطبال في ديوانه «من كتاب الرمل» يكثر النظم في الرجز مُحدثا في بنيته «نتوءات»، وليس كسورا عروضية، مثلما يحصل في نص «المدينة»:
«بسرعةٍ
أفيقُ من يقظتي
حينَ تغيبُ الرّيحُ
في بحيرةٍ
عميقةِ القرارْ
أو حين تَخْتلي الطيورُ
في أزقة الأشجارِ
وحدَها
حينئذٍ
ألفُّ في حقيبتي السرّية
قصائدي
وأستقلُّ أوّلَ قطارْ
يرحلُ بي
إلى مدينتي التي أعشقها
لأنّ فيها المرأة
التي تنامْ»
نلاحظ أن هذا النص يجري على تفعيلة الرجز الأصلية ومُتغيّراتها، سواء في الحشو (مُسْتَفْعلن، مُتَفْعلنْ، مُسْتعلن)، أو في الضرب (فَعُول، مَفْعولنْ). لكن الشاعر لا يكتفي بهذه الرخص العروضية، إذ يخرج إلى وحدات وزنية ليست من رحم التفعيلة نفسها، فنجده في السطر الثاني ينهيه بتفعيلة (فاعِلُنْ) وإذّاك يلتبس الرجز بالسريع، وفي السطر السابع يقلب بالإبدال تفعيلة (مستفعلن) فتصير (مفاعيلن)، وفي السطر الثاني يترك التفعيلة بلا ساكن (مُتَفْعِلُ). وقد يقف الشاعر على تفعيلة هي في حكم التدوير، أو يبترها إلى النصف في حشو السطر، وغير ذلك من «النتوءات» التي بدت وكأنّها تُقدّم هذا البحر الشعري بشكْلٍ أكثر سلاسة وتنويعا وقدرة على التكيُّف مع حالات الذات وعبوراتها الهامسة من تفصيلٍ طبيعيّ أو يوميّ إلى آخر.
في المقابل، لا تحضر الأوزان الشعرية المركبة أو الممزوجة إلا بصورةٍ أخفّ، ولاسيما عند من خبروا الإيقاع ومضايقه كمثل الشاعرين محمد علي الرباوي وإدريس الملياني؛ بل إنّهما يمزجان بين النمطين البسيط والمركب معا، فنجد الأوّل يمزج في نص (الفصل الثالث) من «كتاب الشدة» بين خمسة بحور شعرية هي: الخبب، المتقارب، الرمل، الرجز، البسيط. وفي نص «أناشيد من ورجلان» يمزج بين بحور الكامل والمتدارك والبسيط، وفي نص «الخيانة» بين الرمل والخبب والمتدارك والمتقارب. ويمزج إدريس الملياني في أحد نصوصه المعنون بـ«اليوم الثامن» بين بحور بسيطة (الرجز، المتقارب، الخبب) وأخرى مركبة (الخفيف، البسيط). مثلما وجدنا شاعرا موهوبا من الجيل الجديد يجاريهما في هذا الصنيع، هو مصطفى ملح الذي يمزج في نص «الرحيل» من ديوانه «دم الشاعر» بحور المحدث والمتقارب والوافر والخبب. ومثل هذا المزج البحوري بما ينطوي عليه من غِنى إيقاعيٍّ كمّي وصوتي ينعكس على بناء النصوص وطبيعة تفقيرها الجملي وزخمها الذاتي والنفسي.
وتعيد الشاعرة أمينة المريني توزيع الأبيات الشعرية، التي جاءت على نمط البيت الأصلي، ونَثْرها وفق ترتيب جديد يأخذ بالاعتبار وجها آخر لنموّ الدلالة، عموديّا وغير متوقّع، وإن كان ينتهي بحرف الرويّ نفسه، كما صنعت ذلك في قصيدتيها: «رقصة الصفصاف» و«مكاشفات». ومثل ذلك يرد عند الشاعر محمد عريج في نصّيْه «بنت الشمس» و«حالب النوق» من ديوانه المعنون بـ(كنت معي)، وعند مجايليه من الشعراء الجدد الذين نكتشف لديهم عودة نوستالجيا للشعر العمودي.
وفي سياق آخر، نجد أن ثمّة شعراء يمزجون في نصوصهم بين الوزن والنثر، مثل أحمد بلحاج آية وارهام ومحمد عرش وأمجد مجدوب رشيد. أما الشاعر محمد العربي غجو فقد جرت نصوص ديوانه «سوناتا الخريف» نظما ونثرا، مازجا في نص «شطحات على إيقاع البحر النازف» بين تفعيلتي (فعولن) و(فاعلن)، ومدمجا كلمة (Basta) في بنية النص بما يشبه لازمة، وهي لا تطّرد على قياس كمّي بعينه (فَعْلُنْ، فعولن، فاعل..)، قبل أن يختم النص بجملة نثرية دالّة. في حين يستعيض أحمد هاشم الريسوني في ديوانه «لا» عن غياب الوزن بابتداع أشكال من التوازي والتقفية والوقفة، التي توافق بنية النصوص التي أخذ برقاب معظمها أسلوب التشطير.
وفي نصوص ديوانها «سدرة الضوء»، تمنح الشاعرة صباح الدبي تقنيّة التدوير صفة الدفق الإيقاعي، إذ تصير حِيلَة لا حِلْية، بأن جعلتها تتعيّش على فائض الخطاب الصوتي من كثرة ما ورد عليه من صور التكرار والتوازي، ومن حروف المد المتوسطة والطويلة، عدا أنّها تتدخّل بشكلٍ حاسمٍ في تشكيل الصفحة الشعرية وتفضئتها بما يجعلها تُمثّل تجويفا يعمّق صدع أنا الشاعرة ـ الأنا الأغنية الشفيفة وتردّداتها النغمية والنفسية، كما في قصيدتها «اعترافٌ عند باب ابن حزم»، إلى أن تقول:
«أَلْقِ السّلامَ على الحبيبةِ
قُلْ لَها
إنّي هنا، أنسلُّ من موتي
وأخلعُ غُصّتي
وأزيحُ عن عمري تفاصيل الغياب
علِّقْ صكوكَ العِتْقِ من شرَك الخراب
ببابِها
فالصُّبْحُ موعِدُنا
سيلبسُنَا ونلبسُهُ
إذا انقشعَ الضّباب..»
وإذا كان الشعراء لا يزال يولون للقافية اهتماما، فينوّعون أنماط اشتغالها النصّي المعروفة (القافية المتوالية، المتناوبة، المتشابكة)، كما لدى محمد علي الرباوي وأحمد بلحاج آية وارهام ومزوار الإدريسي والطيب هلو، إلا أنّ هناك من عمل على استيلاد قوافٍ داخلية وزنا وقافية كما لدى إدريس الملياني، أو لدى أمينة المريني التي تُفجّر من داخل قصائدها صيغا مدهشة من التقفية والتسجيع بشكل يعكس مداها الإشراقي، أو لدى محمد أنوار محمد وجواد وحمو وميلود لقاح. لكن في الإجمال، يلاحظ أنّ هناك خفوتا لصوت القافية ترافق مع دخول النثر في بنية الشعر وتأثُّر أبنية الجمل والملفوظات وطرق تمفصلها في نسيج النص بذلك تأثُّرا واضحا. وهكذا نجد بعض الشعراء حتّى وهم يكتبون بالوزن ويُقلّبونه أنّى شاؤوا، لم تعد القافية تغريهم، إذ يشعرون بأنّها قيد أو افتعال، كما لدى مصطفى ملج ومحمد أنوار محمد وحليمة الإسماعيلي.
إيقاع النحو، نحو الإيقاع:
بخصوص قصيدة النّثر بوصفها مسعى كتابيّا، فهي تروم، إعادة بناء هذا الدالّ بالخروج على العروض، والانقطاع عن قياساته الثّابتة. وفي غياب مقوّمات الإيقاع العروضي ذات التكوين المنتظم النابع من التركيب الوزني للغة، لا مندوحة لنا من تغيير مكان القراءة. ويمكننا أنْ نستقصي إيقاع قصيدة النّثْر من مكان شعريّة الإيقاع كتصوُّر إجرائي يفترض اللسانيات والبلاغة وشعرية الخطاب في آن، لأنّ ما من كتابة فجّرت دالّ الإيقاع كهذه القصيدة.
يعتبر النحو، نحو القصيدة، جزءا تأسيسيّا منْ إيقاعها، ومن دلاليّتها. يظهر الإيقاع غير مُنْفصل الْبتّة، عن التّركيب، والمعنى، والقيمة داخل القصيدة؛ وهو يرتبط بأصغر وحدة (صامتية، مصوّتية، مقطعية، معجمية)، وبأكبر وحدة/ وحدات الخطاب المتغيّرة الّتي تتضمّن وحدة الجملة. وترجع أولويّة الإيقاع، المتجرّد من العروض، إلى الأولوية التجريبية للْخطاب على اللسان. من هنا، لن تعود الوحدة الإيقاعية في نصّ قصيدة النّثر هي التّفعيلة كما يحصل في أشكال أخرى من الشّعر العربي قديمه وحديثه، بل تصبح الوحدة هي الجملة اللّغوية بوصفها تركيبا دلاليا لا وزْنيّا، وتتوزّع القصيدة إلى «أبيات» تتحرّك وفْق «حركة المعنى» بما تُشيعه من ضروب وتلوينات بلاغية ودلالية بحسب موقعها في نسق الخِطاب، لا وفق قوانين وزنية قارّة وقبْليّة. بهذا الفهم، ينتج إيقاع قصيدة النّثْر عن دوالّ الخطاب التي تتمَوْضع في كلّ عناصر اللّغة الأيقونية، التّطريزية، المعجمية والتّركيبية؛ التي لا تغفل، في عملها داخل الخطاب، عن «توخّي معاني النّحو»: نحو الإيقاع تحديدا.
كما لا نعمى عن القراءة البصرية التي تتعدى اختزال النص في الصوت إلى إدراك «الرؤية في السمع»، بمعنى اعتماد الخطّية كعنصر لافت للتّأمل في متغيرات الدال الإيقاعي وأوضاعه في القصيدة، كما آثاره الأكيدة عل وضع «البيت الشعري» داخلها. يصير الخطّي، هنا، دالّا من دوالّ الخطاب، ويتفاعل معها لإنتاج معنى الخطاب ودلاليّته، خارج الفصل بين الشعر والنثر، بما يعيد ترتيب «أشجار البيت الرمزي»، بَلْه رجّها. فالشكل النحوي للخطاب الذي تعبره لغة القصيدة هو ما يُحدّد عمل الإيقاع باعتباره دالّا. ننتبه، هنا، إلى صيغ الشكل المتنوّعة، ونرصد درجة انتظامها وتغيُّرها ما يسمح بوصف الخصائص المائزة للمبدأ الإيقاعي على مستوى الانتظام والتناسب والتوازي، أو بخلاف ذلك.
وبالنظر إلى طبيعة الخطاب الشعري كـ»فنّ لفظي» يستلزم، قبل كل شيء، «استعمالا خاصّا للغة»، في مختبر قصيدة النثر، من المؤمّل البحث في صور التركيب الصوتي والوزني (قياسا على التّتابعات الوتد ـ سببية التي ترد في السطر الشعري الواحد) والمقطعي، وتنظيم القوافي، والتفضئة الناشئة عن لعبة السواد والبياض أو عن الحوار الخفي بين النطق والصمت، عدا البحث في أساليب الوصل والفصل، والتقديم والتأخير، والتكرار، والالتفات، والوقف، والاستئناف، والندبة والاستغاثة.. وصيغ المناجاة الداخلية وتبئير الذات، وتداخل الضمائر، وتوظيف السرد، وأسطرة المحكي الشعري، واجتراح الباروديا والسخرية، وغير ذلك مما يعود إلى تجربة القصيدة ولغتها بين المألوفية والتعقيد، والحساسية التي يكتب بها الشعراء، ودرجة تأثّرهم بجماليات اللّغة العربية، أو بصيغ التركيب الفرنسي والإسباني والإنكليزي تحديدا. إنّ للقصيدة الواحدة، بهذا الأسلوب أو ذلك، إيقاعا خاصّا بها، لا قياسا على نموذج عروضي قبلي.
أنماط بناء الإيقاع
داخل جماع هذه النماذج وغيرها مما سمحتْ به لنا فسحة القراءة، سواء من خلال قصيدة التفعيلة أو النثر، يُمْكن أنْ نقوم بتوصيف، على الأقلّ، ثلاثة أنماط كبرى مهيمنة ومتمايزة من بِناء الإيقاع، بدون أن نعني بذلك فصل بعضها عن بعض:
النمط الغنائيّ الذي يُؤلّف بين علاقاته عن طريق استخدام التكرار، واللازمة، والانهمام بالذات المُتلفظة التي تتحرّك في موشور أُسلوبي يسم النص بنفَسٍ غِنائيّ أو إشراقيّ يُذيب التمفصلات والتنويعات الأساسية في «تيار متموّج وجامع»، كما يُرجِّع أساليب الإنشاء الترنيميّة الّتي تسْتغِلُّ الطاقات الصوتية للّغة الشعرية بدرجةٍ أعلى كما عند محمد بودويك، والزبير خياط، وطه عدنان، وعلية البوزيدي الإدريسي، وأحمد الحريشي وغيرهم.
النمط السرديّ الذي ينتشر أكثر في القصائد المتوسطة ذات المقاطع أو اللوحات المرقّمة التي تنزع في أغلبها إلى السرد القريب من النثر القصصي الكثيف، وتتخفف من وجوه البلاغة المطروقة، وتعتمد اللغة البسيطة الساخرة والمفارقة في رؤيتها للأشياء والعالم، كما عند عبد السلام المساوي، ومحمود عبد الغني، ويحيى عمارة، وحسن بولهويشات ونسيمة الراوي وغيرهم.
النمط الشذريّ الذي ينزع إليه مُتخيَّل كتابة الشظايا التي تبني جماليّاتها على الانقطاع والتجاور والتشظّي، حيث الأسطر مُفكّكة ومنتشرة في فضاء الصفحة التي لا تشي إلا بتشظي الذات الكاتبة، التي تضيع في اللاوحدة واللاكُلّية، ولا ينقذ شعريّتها إلا الكثافة الدلالية وتوتُّر الإشارات الاستعارية، وإنْ كان كثيرٌ من نماذجِه يعاني ضمور الإيقاع أو إنهاكه بالأحرى. من جملة من يمثِّله سعد سرحان، وعزيز أزغاي، وأحمد لوغليمي، ولبنى المانوزي وعبد الجواد العوفير وغيرهم.
يجسد كل نمط من هذه الأنماط التي رصدنا تمثيليّتها وتتبعنا خرائطيّتها مجموع الأشكال الأكثر بروزا في مشهدنا الشعري اليوم، وهي تضعنا أمام حقيقة أساسية أن الشكل الشعري ينحو، باستمرار، إلى القصر والتكثيف، كما يُجسّد في حدّ ذاته منظورا للإيقاع وصيغة من بناء الدالّ الإيقاعي، وبالتالي فإنّها تكشف، بالترتيب، عن الإيقاعات التالية:
ـ الإيقاع الترجيعي الذي تهيمن فيه أساليب الإنشاء وصيغه الإنشادية ـ الترجيعية.
ـ الإيقاع المتصل الذي يطغى عليه النثر المُطّرد والمتعانق.
ـ الإيقاع المنفصل الذي تحكمه أشكال التقطيع والفصل من الخطاب.