القتلة الملثمون من يوقفهم؟

يستفزني جدا هذا المشهد المتكرر على شاشات التلفاز. في المظاهرات المصرية المتواصلة ضد الانقلاب، نرى رجال الامن والشرطة والجيش يتربصون بالمتظاهرين، وفي اغلب الاحيان ينهالون عليهم ضربا ولكما ورفسا وجرا وشتما. هذا المشهد المقزز اصبح مألوفا (للأسف) قبل الربيع العربي وبعده. كأنني بكل الشعارات التي نادت بها الثورة، من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية، ذهبت أدراج الرياح. ما زال الانسان المصري مهانا من المنظومة الامنية، تمتهن كرامته وتهدر حقوقه باسم الحرب على الارهاب، في ظل نظام عسكري وأحكام طوارئ يتبارى الليبراليون الجدد بالذود عنها.
ما يستفزني اكثر هو وجود رجال ملثمين جنبا الى جنب مع رجال الشرطة، او يعتلون البنايات يحملون المسدسات والبنادق والرشاشات يصوبونها الى المتظاهرين العزل مهددين، ولا يتوانون عن اطلاق الرصاص الحي عليهم وقتلهم، وقد وثقت الصور والفديوهات الكثير من هذه الحالات. من هم هؤلاء القتلة الملثمون؟ هل هم رجال أمن بلباس مدني؟ أم هل هم بلطجية استأجرتهم قوات الشرطة (مرتزقة) للقيام بمهام محددة مقابل اجر متفق عليه؟ بعض هؤلاء ليسوا ملثمين، يجاهرون بالقتل، والشرطة تراقب، مباركة، المهمة المقدسة.
أحد المشاهد الذي لا يتقبله عاقل، رجل من المتظاهرين يتفرد به هؤلاء المرتزقة فينهالون عليه ضربا بالايدي والارجل والهراوات، ثم تأتي قوات الشرطة على عجل (الشرطة في خدمة الشعب) لتعتقل المواطن المعتدى عليه!
يخرج علينا وزير الداخلية المصرية، امام عدسات التلفاز ليقول ان الشرطة وقوات الامن لم ولن توجه سلاحها ابدا لأي مواطن مصري (والله) . لاحظوا انه لا ينفي التهم الحالية، بل ايضا التهم السابقة لرجال الامن ايام مبارك ايضا. الغريب ان الكثير من المصريين يسمونها حكومة ثورة، ويرمونك بالسنة حداد وغلاظ اذا سميتها حكومة عسكر او فلوا، انهم سرقوا الثورة من الشعب، وبالتالي فالتسمية الحقيقية لهم هي انها ليست حكومة عسكر فقط، بل عسكر وحرامية.
القضاء المصري مسيّس، وبالتالي سيصعب اثبات تورط الجيش والامن بالقتل، لان معظم القتل تم على ايدي هؤلاء المرتزقة، وستدون القضايا ضد مجهول (ملثم) ويبقى وزير الداخلية صادقا في ادعائه البراءة من دم يوسف. على انه لو كان هناك قضاء عادل في مصر الان لكان اول من يحاكم هو وزير الداخلية نفسه، اذ كيف يسمح لمدنيين، ملثمين او غير ملثمين، ان يكونوا الى جانب قوات الشرطة والامن في التصدي للمواطنين الذين يمارسون حقهم الطبيعي في التعبير عن الرأي. قوات الشرطة اجدر بها ان تعتقل هؤلاء البلطجية (المرتزقة) المارقين على القانون لا المتظاهرين السلميين.
ايام الرئيس محمد مرسي قامت الدنيا ولم تقعد عندما حاول تطهير القضاء وتغيير النائب العام، متهمـــــة اياه بالتعــــــدي على السلطة القضائية، وان فصل السلطات هو اهم ركائز الديمقراطية. تبين في ما بعد ان القضاء والامن والجيش ومعظم الاحزاب الجديدة (والقديمة) هي امتداد متجذر للدولة العميقة، دولة الفلول التي عادت بقوة.
لجنة الخمسين المنوط بها تعديل الدستور يجب ان تبحث بجدية كيف تحفظ للانسان المصري حريته وكرامته وانسانيته وتحميه من البلطجية والمرتزقة، وتحاسب رجال الامن والشرطة والجيش المتسترين عليهم، وأن تكون هناك مواد صريحة في الدستور بهذا الشأن.
الاجهزة الامنية المصرية والقضاء المصري حري بهما ان يعودا الى الف باء العدالة: ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته بدلا من الوضع الحالي من ان المتهم مدان حتى تثبت براءته. هؤلاء القتلة الملثمون وغير الملثمين لن يوقفهم الا قضاء عادل، غير مسيس، واجهزة امنية همها الاول حماية المواطن لا اهانته وقتله او التستر على من يقتله. في بلاد العالم المتحضر تستطيع مقاضاة رجل الامن اذا اساء اليك لانك تعرفه بالاسم ورقمه الوظيفي المخطوط على بدلته العسكرية بشكل واضح، اما في مصر فانك تقاضي شبحا امام قاض يصطف الى جانب رجل الامن في ادانتك، فيك الخصام وانت الخصم والحكم، وإن كان هذا الشعر الجميل كتب في الغزل وليس في السياسة.

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية