الصورة على حالها لم تتغير… الشّارع مليء بالحركة والحياة … يلف صياح الصبية المكان فرحا بالبرودة والندى بينما الشمس كانت تغرق وراء العمارات المتراصة وخيوط الليل المتسلل تتدافع في كل الاتجاهات تبحث عن ركن تتربص منتظرة الهجمة الكبرى للسّواد. ….كل المساحة في حركة لذيذة …. الناس يركضون على إسفلت الطريق، يسرعون بعد تعب النهار إلى البيوت لمعلقة. ظلت العمارات تبتلع سكانها كأنها لا تشبع أو عطشى لا يرويها البشر. رأيته أول مرَّة يتمشي. اتجه نحو العمارة الصفراء. مدَّ نظره إلى كل شيء. كنس الدكاكين والكراسي المبثوثة أمام المقاهي والسيَّارات والناس جميعا. مرت عيناه على شرفتي .التهمها بسرعة ثم بصق بي خارج عينيه. بدأني بالشطب وبالنفي والجزم ومرَّغني في لا مبالاة خاتلتني..ليس الأمر جنونا….لقد علَّق تواصلنا….الم يعلم أن الفضاء من أملاكي الخاصة…ليس الأمر حيرة…لكن يجب ان يعرف اني لا أحب أن يمر أحد أمام شاشة السِّنما …أريد البياض والنصاعة…. انقلبت الصورة فجأة. صار كل ما فيها ينبض بالغفلة والجمود. أصبح كل من فيها لا يلقي بالا لأحد كان وحده يتحرك دون غفلة. يكشف المكان ويرسم خطته. شعرت بالضيق فجأة .وانقلبت أنا أيضا للسؤال. لم تعد الصورة على حالها وما عدت أنا وحدي المتربص في شرفتي أراقب تغير الألوان والظلال. بدا’هندامه في ذلك الغروب عاديا لا ينبه الإحساس أو يحرك ماء الإرهاص في بئرها العميقة. كان يلْبس قميصا أبيض يكاد أن يلتصق بجذعه وبنطالا ضيقا، يفضح ساقيه الدقيقتين، وجسما لا يتوفر على شحمة الدعة والراحة. كان يحمل في يده حقيبة سوداء اللون بدا التآكل من بعيد قد كسا جوانبها. لا ادري لمادا قفزت في تلك اللحظة لوحة غسان إلى ذهني. كان ابني سليمان قد أسقطها فهشم فيها الإطار وشوه تراسل الجمال فيها .رميتها داخل الخزانة. تركتها في غطيط النومة والنسيان. فلم أزل اكره ارتداد الكمال بالنقصان والإعاقة. ظل يتهادى حتى غاب عني. انغمس في أروقة العمارة المقابلة. أخذت فنجان القهوة وتشرفت قليلا منها وقد بدأت أعضائي في الارتخاء … قلت لزينب وهي تتلهى عني بالاتكاء على الحاجز الحديدي للشرفة . (رأيت ساكنا جديدا اليوم )…(ما المهم في لأمر)…(لا ادري… لكنه استرعى انتباهي)…(ربما تعرفه..لكنك نسيت ملامحه)… (أنا قطعا لا اعرفه)…(أصبح التلصص من عاداتك السيئة) تركتني زينب إلى الهواجس. انقلبت إلى المطبخ تعد العشاء. استبدت بي صورة الرجل. حملني التلصص إلى أن اثبت النظر على مدخل العمارة، عسى أراه مرة أخرى. لم أستطع أن أهرب من سطوة ذلك الطيف الذي ظهر أمام فزاعمتي ودخل الحقل دون إذني. لم يستطع طعم القهوة ولا مرارتها المحببة ان تصرفني عنه. كانت أصابعي تتلهف النقر على فخذي وتأخذ بين الفينة والأخرى بعض خيوط قميصي ….كنت بحق انغمس في التوج…. أتراني اعرفه ! .. أتراه يشبه أحدا اعرفه !!..لماذا أتى إلى هذه التلال الإسمنتية؟..انأ اعرفه…أنا قطعا اعرفه وإلا لماذا يمسكني إليه !!!!… حاولت ان أداور الذاكرة … أن أتفرس في وجوهها الغائبة. أمعنت في الابتعاد في سنينها، لكنه كان كلما اقترب اخرج وجها آخر ثم فر إلى الغموض…قلبت الأسماء والأمكنة لكني فعلا لم أجد أثرا له ولا يدا ولاجسدا….لم يكن في مسارب الذاكرة…لعل بساطة مظهره هي التي أغرتني بمعرفته .أن تكون عاديا يعني ان تكون مثل كل الوجوه التي تتجول في سوق كبيرة وتصنع الجوع وتصنع جلبتها لكنها لا ترى…هكذا بدا الآمر تارة وهكذا لم يكن لأنه لم يقنعن ورفس في …أي لعنة أصابتني هذه العشية…. اشتد اضطرابي، حتى أني تركت الأريكة والفنجان …..خطوت في الشرفة وإنا أتمسح بذاكرتي عسى أن اظفر بسر ذلك التوجس. لكن القلق كان قد اخذ بمجامعي حتى أدخلني في فراغ التفكير. لكن شعورا غريبا انتابني فجأة ،انزاح عني الخمول الذي ينتابني عادة في مثل هذا الوقت. كان مر ما يدفعني إلى الخروج. كلمت زوجتي على عجل وأنا أصلح خطوطي أمام مرآة بيت الاستحمام. )سأعود بعد قليل …لن أطيل الغياب( يشاكسني المعنى ويداور ني الالتباس. يعاكسني اليقين، أتكون لوثة أم تكون بقايا حلم أم هزت نميمة مقيتة. ما ترى يكون القادم بلا هندام سفر؟ أغلقت الباب مسرعا. لم استطع انتظار المصعد، وقفزت درجات السلم في خفة… ثم إلى الرصيف وأنا أتوجه إلى العمارة المقابلة .كنت بحق في لباس كلباس السحر بلا إرادة .توجهت إلى الحارس وهو ينفخ نرجيلته في استمتاع .حييته وأنا انظر إليه في جدة. أهلا عم عمار …كيف حالك…دخل الآن رجل دقيق يلبس قميصا ابيض…أنت قطعا رايته.. نظر إلي في خمول ورد علي في جفاف…(انه ساكن جديد…اسمه تقريبا توفيق يسكن في الدور الخامس ..الشقة الرابعة..لا أظن انه سيبيت هنا فلم يأت بعد بالأثاث.( تركت البواب ودخلت بهو العمارة.لم أكن استطيع أن امسك نفسي عن الصعود …. الأمر عجيب؟ أنا لا أتذكر حتى هذه اللحظة إن كنت قد صعدت السلم أو ارتقيت المصعد.كل ما أتذكره أني وقفت على باب الشقة برهة طويلة.كنت أتقدم نحو الباب ثم أعود إلى الوراء.كان فعل السحر يكاد يدخلني منطقة الهذيان ….كنت أتمتم كلمات مقطعة ….. استطعت أخيرا أن أتقدم نحو الباب. طرقته طرقات خفيفة شاحبة مثل وجهي ….لم انتظر طويلا…. فتح الباب كأنه كان ينتظرني..نظر ألي ، قال مرحبا.لم استطع آن أتكلم وان أجيبه، أبلست أمامه، وأنا على حال المفاجئة..أنا لا اعرفه..ولكني اعرف ملامحه..انه يشدني، أنا اعرفه ولكني لا اعرف ملامحه. كلمني مرة أخرى. أهلا سيدي هل من خدمة. لكني واصلت وجومي …كنت أريد أن أقول، اي شيء لكني لم استطع. كان الأمر خارقا. تنقلب الصور وأصبح أنا اللوحة والدار ويمعن هو في مشاهدتي والتلصص على زوايا الإطار.أصبحت في لحظة جمادا يتأصل في ثباته وينادي الحركة فلا تجيبه. انقلبت الأدوار وغاص هو في المشاهدة….. قال مرة أخرى (فضلا سيدي كيف يمكن آن أساعدك…هل آنت بخير…… (بدأت لأول مرة منذ فتح الباب ألاحظ أن جبيني قد تصبب عرقا. أغرقت عيوني في ملوحته الحارقة لكني رأيت وجهه، ورأيت تفاصيله وكان هذا نجاتي من المفاجئة ونجاته من تهمة الضيف الثقيل….استطعت أن اخرج بعض من الكلام وأنا اعتذر..(عذرا سيدي أخطأت العنوان.!!!…) لكني لم أخطىء العنوان. تراجعت إلى السلم واختفيت عنه وهو مازال واقفا عند بابه…نزلت الدَّرجات وأنا أفكر في جرح عميق على خدِّه….كان غائرا ظاهرا يشق خده كله ويعبر قليلا إلى إذنه اليسرى ولعل ها ما يغلب على ملامحه الأولى لمن يلقاه حتى في عبور شارع…الجرح غائر …يحكي في ثباته في لغة ملتبسة…تقلَّبت على حال المفاجئة حقا، واصل عرقي التصبب وواصلت التوجس والخيفة. كنت اسأل نفسي عن هذا الخرق وهذا الجنون. أنا حقا لا اعرفه، وأؤكد أنِّي لا أعرفه، ولكن ما الذي دفعني إليه !!! .كنت أقلب دماغي عله يسعفني بالإجابة .كيف يمكن آن يحصل هذا !! .بلغت الأربعين ولا أزال في سفه الصِّغر، لا استطيع إرادتي ولا سلوكي …. هل يمكن أن تكون برامج تلفزيون الواقع التي أدمن عليها… .قد أصابتني بداء التلصص والنميمة….صحيح أني تحدثت مع زوجتي مرارا حول وجوب التخلص من هذه البرامج، لكنَّنا كنا دائما نعود إليها وقد بدأنا نغرق في خمول الحياة الزوجية وفراغ عشر سنوات من الزواج.لكن هذا الأمر لم يقنعن لا يمكن آن يكون الأمر عاديا ثمة في الأمر إرهاص وثمة سر لهذه الغواية. مازلت اقلب السؤال ومازال الجواب بعيدا. لكن ذالك الجرح استبد بي. هل كان حادثا عابرا ولماذا لم يحاول أن يمحيه عن وجهه…من تراه يكون؟…هل يمكن أن تكون الخدوش التي رايتها على محفظته قد انتقلت إلى وجهه. ثمة في الآمر سر…وثمة أمر وثمة سحر.خطوت إلى الشارع وأنا لا أكاد اسمع عم عمار. كنت أفكر في أمر واحد ….الجرح…غاصت كل ملامحه ولم يبق منها غير صورة الجرح…أنا الآن داخل الصورة التي كانت من شرفتي شمس غروب وكانت صياح صبية وجبالا صناعية. أمر فيها ويثقلني السؤال والجرح. لا بد أن السر يختبئ في هذا الجرح العميق.انه لا بد السبب الحقيقي في هذا الجنون. أنا استطيع أن أؤكد أن ذاكرتي المقعرة نسيته لكن ملامحه أكلها الجرح… ولكن أمرا ما يجري الآن ويخبئ عني شيئا لا اعلمه…تتسارع كانت دقات قلبي تتسارع وأحسست بالخوف الرهبة ….خرجت من الصورة إلى شقتي. دخلت وأنا أرى التعجب على وجه زوجتي أسرع وعيني تمارس البحث على الجدران. (زينب أين اللوحة؟) (إنها في الدولاب…لكن لماذا.. !!) لم أجبها لكن أسرعت إلى الدولاب … .بحثت عنها .نظرت إليها وقد تكسر قماشها،كانت ممزقة من الوسط بعد أن هشمها سليمان ابني .أحسست برهبة وأنا أمسكها. تداخلت الأشياء وصرت أرى العوالم في امتزاج .كان الجرح على اللوحة. وكان كمالها في نقصانها وترديها ….أحسست أنني وجدت جوابا للجنون، وجوابا للهاث وللتخاتل، واللُّبس. لكل ألوان التلصُّص والاستغراب، تمدد الجرح وتبدل مكانه وخرج من الدولاب يتجول ليحط على خد غريب،….بعيدا خلف ذاك الباب وتلك العمارة وخلف تأفف البواب وخلف عمد من الاحتمال والمرايا. أخذت اللوحة إلى مكانها القديم على الحائط دون أن أرتبها أو أصلح اعوجاجها. هي كما هي. وكما قدر لها أن تكون. ولن يستطيع احد آن يرتق ذلك الجرح الذي شقها. كانت زوجتي تنظر الي في عجب وصمت. كانت تعرفني وتعرف أطواري الغريبة. كنت حقا مع تلك اللوحة غريبا.. علَّقت اللَّوحة وأنا أريد أن أسالها هل مر حقا ذلك الرجل أمام العمارة !!!!؟