عُرف بجليس الشعر ومؤنس المقهى وتوأم الأرصفة البيروتية: عصام العبدالله كتب آخر سطر من حياته باللغة العامية ورحل

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» ـ من سعد الياس: طوى الشاعر عصام العبدالله صفحات سنواته الطويلة التي صرف بعضها في «الخوف والحلم والشجاعة والجبن» كما قال في إحدى مقابلاته الصحافية، حيث «مرقنا بحرب 20 سنة بلبنان، عشنا فترة يفاعة جميلة هي عز بيروت وغوايتها».
وكما كان يحب التكلم باللغة العامية هكذا كان يكتب قصائده بعد عزوفه عن كتابة الشعر بالفصحى، رغم إدراكه أنّ رواد القصائد العامية قلّة ليُقال عنه إنه «وارث» ميشال طراد، وسعيد عقل، والأخوين رحباني، وطلال حيدر.
والشاعر العبدالله الذي صرعه المرض هو ابن بلدة الخيام الجنوبية، لكنه ولد في أنطلياس وكان ينتقل في الصيف إلى بلدته، حيث تأثر بأجواء الأحزاب العلمانية والقومية، قبل أن يتفرّغ للكتابة والجلوس في المقهى. وكانت بداية كتاباته بالفصحى قبل أن يتجه إلى العامية. وديوانه الأول عام 1982 «قهوة مرّة» ليتبعه بعد 12 عاماً بـ«سطر النمل» ومن ثم «مقام الصوت» عام 2009.
وفي شرحه لخصوصية اللغة المحكية اللبنانية قال «الفصحى هي ابنة الملك، المحكية هي ابنة البواب، خصوصية المحكية هي أنها ابنة البواب وسيدة أولى في الحفل الملكي، حيث يصعب أو حتى يستحيل أن ندعو ابنة البواب إلى الحفل الملكي، فهي تدخل وهي الأحلى وهي الأجمل، لأن ابنة الملك التي هي الفصحى تكون قد دخلت مع أبيها وفي ظله، بينما الأولى تفتح أبواب الممالك».
ولم يرَ الشاعر اللبناني أن اللغة المحكية اللبنانية ستجعله غريباً عن محيطه العربي، حيث اعتبر في حديث صحافي «أن المحكية اللبنانية هي محكية الهلال الخصيب: لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، تعاملهم كلهجة «شامية» واحدة، تبقى الدول العربية الأخرى التي نام مثقفوها في فنادق بيروت، «وكرعوا» من حرياتها حتى الثمالة وتفاهموا مع الرحابنة وفيروز. ليست بيروت، كلهجة، غريبة عن العرب، لذلك يفهمونها ويحتفلون بنا عندما يسمعوننا».
وكان عصام العبدالله قد أحبّ بيروت وكتب عنها قصيدة باللغة المحكية جاء في كلماتها « نقّط قلم الله حبر..صارت السماء.. وتجمعت.. وتجمعت صارت بحر.. وصل البحر على الشط وتمشى.. ونسّم هوا رملة.. وقع الرمل بالمي صارت أرض.. طلع السمك على البر يتشمس.. كثروا بيوت الناس.. كثر الشجر.. شايف كأنها بديت الحفلة وسميتها بيروت.. طلعت من رموش الزبد كأنها كحلة.. ما في مدينة اسمها بيروت.. بيروت عنقود الضيع.. لما استوى بالصيف والسكر لمع.. طلع الصبي على الحيط بده يقطفه.. ما طال بيه يقوله نزيل.. إمه تقله هلأ بتوقع..عفريت يمكن هالصبي وما كان عم يسمع.. جاب العصاية ولوحها صابه وقعوا الضيع.. وتفرفط العنقود، حبة وراء ضيعة، وراء حبة.. وقعوا على ثيابه وتوسخوا جيابه.. وقع العنب بعدها العريشة مشبكة.. والخيط حد الخيط وبعده الصبي على الحيط».
وسيوارى الشاعر في روضة الشهيدين اليوم وتُقام ذكرى الأسبوع في بلدته الخيام.
وقد رثاه الكاتب عقل العويط بقوله «الشعر حزينٌ منذ الصباح. حزينٌ ومكسور الخاطر. أغصانه المنحنية ستنحني أكثر، لكنها ستنحني بكِبَر، وهي تأبى البكاء علناً، لكنها ستبكي بأوجاعٍ وحساسين كثيرة. لأن عصام العبدالله، بضحكته العريضة، وصوته المهيب، وقامته العالية، لن يكون حاضراً اليوم في المدينة. لا في الصباح، ولا في المساء. فهو قد آثر أن يأوي قبل الأوان، إلى ليله، بعد طول معاناة، تاركاً للظلال أن تلعب لعبتها، وأن تخاطب المدينة باللغة التي تستعيرها من خيالاتها الهاربة. لقد مات الشاعر. مات عصام العبدالله، جليس الشعر، ومؤنس القهوة والمقهى، وحليف الرفاق، وتوأم الأرصفة البيروتية الحميمة، الباسق المرتعش مع النجوم، المسهِّر أرق الليالي، والموقظ الفجر المهيب، والمرافق الغروب المتأوه، إلى مثواه».
كما نعى اتحاد الكتاب اللبنانيين الشاعر بقوله « يفقد اتحاد الكتاب اليوم ركناً أساساً من أركان جمال التعبير وبلاغة التوصيل وعمق الرؤيا وعذوبة الكلام؛ «اتحاد الكتاب اللبنانيين» فقد البهي والجميل والطيب الشاعر عصام العبد الله». وأضاف «بغيابك يا عصام، الكلمة أرملة ثكلى، ونحن أيتام نبكي جمال شعرك وروعة حضورك. رحم الله عصام العبد الله، صديقاً وفارس شعر وعنفوان وجود».

عُرف بجليس الشعر ومؤنس المقهى وتوأم الأرصفة البيروتية: عصام العبدالله كتب آخر سطر من حياته باللغة العامية ورحل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية