مسكين الملازم الذي تلقى الضربات المصورة من الفتاة عهد التميمي. فهو الآن في مركز خلاف يناسب كتفي فريق عسكري على الأقل. أما أنا، إذا قيل لي إني أوشك على أن أكون في مركز هذا الخلاف، لوجدتني أدخل على الفور إلى السرير ليومين وأضع على رأسي طاسة باردة. إذ ها هي كل انتصاب قامة الدولة منوطة بهذا الضابط ومحلل بالنسبة لأفعاله، وللدقة: بالنسبة لامتناعه عن الفعل. إذ أن هذا هو أساس الجدال.
هل هو ضبط النفس أم التهور. اليسار يهتف للضابط على نضجه ويشكره لأنه لم يجرنا إلى تنديد عالمي آخر من الحائط إلى الحائط. ومن اليمين، بالمقابل، يشجبون الضابط على ما يبدو في الصور كانبطاح يمس حقا في قلب فكرة الجيش الإسرائيلي، وكل أنواع الموبخين المهنيين يوصونه بتوصيات تأتي بعد الفعل: لِمَ فعل هكذا وليس خلاف ذلك، لِمَ لم يكبل ويستدعي، لم يوقف ويبعد، لم يهدئ الفتاة بابتسامة حلوة من أفضل شبابنا.
ومن هذا إلى لب الموضوع، في واقع الأمر: الفتاة. لسبب ما يبدو أن الجميع يتحدثون عن الضابط وليس عنها. وإذا بتنا نتحدث، فالخطاب هو من خلف المنشور الضيق أحادي الجانب لـ «مخلة بالنظام» واستفزازية، وكم سنة في السجن تستحق وماذا كنا سنفعل لها لو كنا محله (لكل الأبطال العظام الذين لم يكونوا في وضع كهذا في المناطق: الجواب بالنسبة لكم هو «على ما يبدو لا شيء»).
ولكن عند الحديث عن عهد التميمي، ويجري الحديث عنها في كل العالم، نفهم أنها هي وليس هو بطلة الشريط (وليس فقط الشريط). اخرجوا واحكموا: منذ سن التاسعة اصطدمت بالجندي أمام الكاميرا، قبل سنتين لعبت دور النجم في شريط جر فيه مقاتل غولاني إلى وضع يكافح فيه ضد خمس نساء كي يعتقل أخ عهد، ابن 15، مع يد مكسورة في الجبص. وها هو الجيش الإسرائيلي مرة اخرى مهزوم من حيث صورته أمام طفلة ابنة 16، تفعل أكثر بكثير مما كان معظمكم سيفعلون من أجل كفاح عادل في نظركم. وهي تفعل ذلك على نحو ممتاز.
وفي اللحظة التي ننظر فيها إلى الحدث في محاولة لنفهم كيف نجحت في أن توقعنا في هذا الفخ الذكي (الذي هو ليس فخا حقا وليس ذكيا حقا)، كثيرون في العالم ينظرون إليها بانفعال وتأثر. أنا بشكل شخصي، مقتنع بأن أحدا ما في لجنة جائزة نوبل للسلام قد حددها منذ الآن كمرشحة. فهم دوما يبحثون عن قصص لذيذة كهذه.
بالمقابل، افترض أنهم في الجيش الإسرائيلي يجلس الآن ضباط جديون جدا، ويطورون عقيدة قتالية حديثة وسرية لمثل هذه الحالات، ويؤكدون الأنظمة والأوامر، وينزلون التعليمات للقادة الكبار، ومنهم إلى الأسفل إلى الوحدات الميدانية، ويمرون مع كل جندي وجندي على سيناريوهات مشابهة، ويدرجون الدروس في خطط التدريب لكتائب الاحتياط ممن يوشكون على التوجه إلى الخدمة في المناطق. وكل هذا يساوي تقريبا شريط إعلام آخر للناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، إذ كالمعتاد نحن نبحث عن قطعة النقد من تحت الفانوس. المشكلة هي أن هذا فانوس آيفون عهد التميمي.
من المفارقة أن نتبين انه بعد كل الحجارة، السكاكين والزجاجات الحارقة، العبوات الناسفة والأنفاق والصواريخ ـ فإن السلاح الأقوى لدى الفلسطينيين هو فتاة داهية ابنة 16. على الأقل لم يسفك دم هكذا.
يديعوت 20/12/2017