الولايات المتحدة تحتل مركز المنصة

حجم الخط
0

في يوم الاثنين الماضي وقع حدثان في واشنطن ونيويورك في الوقت نفسه، جسدا بصورة واضحة الفجوة الكبيرة بين الواقع الجديد الآخذ في التبلور في عهد ترامب وعالم الأوهام والجمود الفكري الذي ما زال يوجه مجلس الأمن فيما يتعلق بمكانة القدس.
في العاصمة الأمريكية عرض الرئيس الـ 45 عقيدته الأمنية الجديدة، التي يوجد في مركزها التخلي أحادي الجانب، ولو جزئيا، عن قناع من التحالفات والمواثيق والاتفاقات متعددة الأطراف، التي تتحمل الولايات المتحدة عبء ميزانياتها منذ سنوات كثيرة، والتي لا تناسب بالضرورة المصالح الوطنية الأمريكية، كما تم تحديدها في الخطاب. في الوقت نفسه، في مقر الأمم المتحدة في نيويورك فرضت الولايات المتحدة الفيتو على مشروع القرار المصري في مجلس الأمن، الذي دعا إلى إلغاء «قرار اعتراف» البيت الأبيض بالقدس عاصمة لإسرائيل. مشروع القرار المصري حظي بتأييد 14 من الأعضاء في مجلس الأمن.
في تناول الحدثين اختار مراقبون كثيرون في البلاد وفي الولايات المتحدة التركيز على التصويت في مجلس الأمن، ورأوا فيه دليلا واضحا على عزل الولايات المتحدة التي بقيت مكشوفة في برجها أمام المحيط الدُّولي. ليس هناك عدم معقولية أكثر من هذا، حيث أنه لو فحص هؤلاء المحللون الحدث المؤسسي الذي جرى في الوقت نفسه قرب البيت الأبيض لكان تبين لهم أن هذا كان أوليفر الأمريكي، هو وليس غيره، الذي سار على طريق «أمريكا أولا»، الذي يعني وضع سلم أولويات جديد للعمل في الساحة السياسية والاستراتيجية. بكلمات أخرى، نمط الحد الأدنى من العمل، الذي يشمل علامات انفصالية، تم بلورته في هذه الأيام في واشنطن وليس في نيويورك. في المقابل، كل أعضاء مجلس الأمن تقريبا ـ برغم تصويتهم ضد تصريح ترامب ـ يصرخون حقا من أجل توسيع العلاقات الأمنية والسياسية والتجارية مع الأسقف الأمريكي. هل يمكن الادعاء بجدية أن دولا مثل فرنسا وإيطاليا وكازاخستان وأوكرانيا واليابان والأورغواي ومصر، المحسوبة على المجلس، معنية بعزل الولايات المتحدة وتحديها أو إقامة كتلة حاسمة ضدها على شكل «باندونغ» (دول عدم الانحياز) سيئة الذكر من عام 1955؟.
عمليا، بعد أن شهدت على مدى ثماني سنوات العجز الكامل للدولة العظمى (أمريكا) فإن المجتمع الدُّولي (باستثناء الدول العظمى المنافسة) يأمل الظهور الجديد للعم سام في مركز المنصة الدُّولية لاعبا أساسيا، مستعدا للمساعدة بقوته وموارده من أجل رخائها وأمنها وازدهارها. صحيح أنه ليست هناك ضمانة بأن هذا الأمل سيتحقق في عهد ترامب. ومع ذلك، الرغبة في أن يتمتعوا بثمار التعاون مع الراعي الأمريكي، وليس الابتعاد والانفصال عنه، تواصل النبض في قلوب اللاعبين السياسيين.
على هذه الخلفية فإن التصويت حول موضوع القدس من قبل دول تعتمد على مائدة العم سام، والتي تحتاج إلى رضاه ودعمه، لا يشير إلى الفشل بالنسبة للولايات المتحدة أو إسرائيل. الحديث يدور عن طقس ثابت أو إعادة نغمة، كان يجب أن تختفي منذ فترة في غياهب النسيان، حيث أنه في أعقاب التنازلات الكبيرة في موضوع القدس (وليس فقط فيها) التي عرضت على السلطة الفلسطينية من قبل رئيس الحكومة اهود باراك في عام 2000، ومن قبل اهود اولمرت في عام 2008، والتي تم رفضها من قبلها تماما، تبين أخيرا أن الدهر أكل وشرب على مفهوم «فقط المفاوضات المباشرة بين الطرفين يمكن أن تسوي المكانة الدائمة للمدينة».
خلافا للسيناريوهات المخيفة المطروحة الآن، من الواضح أن المكانة الدُّولية لإسرائيل لا يتوقع أن يتم المس بها إطلاقا في أعقاب النقاش الأخير في المجلس. معظم الدول التي صوتت على إلغاء القرار ستواصل استجداء الولايات المتحدة والسعي إلى تطوير العلاقات الأمنية والاقتصادية معها. صور الدعم القوية من جانب الإدارة لشريكتها الإسرائيلية على شكل الفيتو الذي فرضته من شأنه أن يعزز لا أن يضعف مكانة إسرائيل في العالم أحادي القطب الذي نعيش فيه.

إسرائيل اليوم 21/12/2017

الولايات المتحدة تحتل مركز المنصة
التصويت لا يشير إلى عزلة واشنطن أو تضعضع مكانة إسرائيل
ابراهام بن تسفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية