تونس ـ«القدس العربي» محمد البندوري: تعتمد التشكيلية التونسية عواطف الشنتوري مسالك فنية ناجعة لتهذيب أسلوبها الفني ، فهو أسلوب يرتبط بكل المقومات الحضارية ويجسد الموروث الثقافي والفني والجمالي باحترافية عالية، تصنع من خلاله مجموعة من العلاقات الجدلية، بمقومات الثقافة التونسية والعربية في شموليتها، وبتقنيات هائلة في مزج المجسمات بالألوان والأشكال المتنوعة، وكل المفردات التشكيلية، ووضعها بشكل ممنهج ودقيق ومنظم في الفضاء الذي تختزل فيه المساحة أحيانا، سيرا على النهج الفني المعاصر، وتدججها أحيانا أخرى عندما يتعلق الأمر بالتجريد، لتتخذ بعد ذلك من التعبير أسا جماليا، من خلال المجسمات ومختلف المنحوتات، ومن خلال علامات وأشكال في أعمالها الصباغية؛ تتبدى في مجملها حمالة لإيحاءات وإشارات رمزية، تقود إلى معان معينة، ومغاز محددة، ترتبط أساسا بسيميولوجية الفنانة عواطف وفلسفتها الخاصة في بعدها الصريح المتجانس مع مختلف مقومات التشكيل المعاصر، إنه مسلك تشكيلي خاص لصنع ابتكارات من اختياراتها الموفقة، تروم تخصصا وأسلوبا متفردا مبنيا على أسس فنية معاصرة، فتقتضي تجديد التقنيات برؤى جمالية ومعرفية قويمة.
وهي فلسفة في تصورات الشنتوري التي تتفاعل بإيجاب مع أعمالها الفنية التي تنهل من المخزون التقني الهائل لمزج الفلسفة بأشكال الأعمال وعناصرها وكل مفرداتها، انطلاقا من تشكلات المجسمات، أو من الألوان، وكيفية وضعها، وطرق تنظيمها وتوزيعها بشكل جمالي، بل توظيف القيمة اللونية وفق فهم فني وتناغمات لونية ومقامات موسيقية، بعيدا عن فوضى المرئي وتكريس القوة الفنية الجديدة التي تنضح بالجمال المركب من الأشكال والألوان وكل اشتمالات التراث الحضاري التونسي والإفريقي بشكل تكاملي، يكشف لعبة الأشكال والألوان الحضارية التونسية الإفريقية في نسيجها التشكيلي. فقد تشكل الضربات اللونية والطلاء اللوني والمنحوتات قيمة في نسج خيوط الحرية في الشكل، وفي التلوين المغاير الرائق، فيؤدي ذلك إلى اختفاء هوية اللون المفرد في التركيب اللوني في عمومه، بشكل مترادف مع الأبنية الإيقاعية والتكوينات، ما يفضي إلى صنع ملمس فني بإيقاعات حركية تغذي الأعمال الفنية في شكلها النهائي، وفق مسالك جمالية متنوعة، وأسلوب فني يتميز بمقومات وتفاعليات وجماليات لائقة، سواء على مستوى البناء الفضائي، أو على مستوى التقنيات العالية الموظفة، أو على مستوى الاستعمالات المضامينية والجهاز المفاهيمي بكل مقوماته.
إن المادة الفنية في عمقها وأبعادها الجمالية لدى الفنانة عواطف تروم إنجاز مجموعة من العلاقات التحاورية، لبسط أنواع جديدة في التعبير المغاير للمألوف، باستخدامات شكلية ولونية جديدة وباعتماد مجموعة من التقنيات والأدوات والآليات الفنية العالية الجودة.
لأن الركيزة الشكلية وما يلحق بها من مفردات فنية يتطلب مهارات وكفاءة عالية وتقنيات كبيرة، وهو ما تتوفر عليه الفنانة عواطف، فتروم التعبير وفق نسيج شكلي ولوني وعلاماتي، ووفق أشكال واقعية خاصة في مجال النحت، أما ما يخص اللوحات التشكيلية فتبسط الصيغ الجمالية بسيولة متدفقة، ما يجعل من بعض التوظيفات العلاماتية والرمزية وبعض من الطلاء اللوني تفصح جميعها عن دلالات ورؤى ومعاني جديدة، تتغيى الأبعاد الفلسفية والقيمية، التي تتفاعل مع مقومات العمل التشكيلي المعاصر، وتنسجم مع سياق المجال الذي تشتغل عليه. إنها فُسحات جمالية شاسعة، ومجال خصب يحتوي جملة من المعارف التشكيلية والمعالم الفنية والذوقية، التي تندرج ضمن نسيجها الثقافي والاجتماعي ورصيدها المعرفي والفني.
فمختلف الأشكال البديعة التي تغني أعمال الفنانة الرائقة عواطف، تحيل على نسيج إبداعي ابتكاري تتدفق فيه الألوان والأشكال بصورة غير اعتيادية، لتعيد العصر الفني الحضاري التونسي في قالب معاصر، تقييما فنيا وتقويما تشكيليا.
فالمزية في نظرية النَّظم اللوني الجديد، وفي نظرية الشكل المحكم الجديد، وفي نظرية تقدير قيمة اللون داخل سياق الصورة التشكيلية، وإدراك قيمة النغمة الفنية داخل المنجز التشكيلي وداخل السياق الإبداعي الفني المعاصر؛ يكمن في سر خصوصية التعبير الفني للفنانة عواطف الشنتوري.