السباحة مع الألغام في رواية «موعد في القدس» للجزائري صلاح شكيرو

«أما أنا الفلسطيني الأصل فلم أكن أريد سوى تجريم قوى الشر والصهيونية الغاصبة والتنديد بتغاضي العالم عن جرائمها».
تأخذك رواية الجزائري صلاح شكيرو «موعد في القدس» في اتجاه التفكير بأن لا متعة لدى الإسرائيلي تضاهي تلك التي يحس بها وهو يمارس عملية إذلال الفلسطيني بكل الوسائل الممكنة، كما حين ينجح في ترحيله عن أرضه، أو في تنفيذ قرار هدم بيته بحجة عدم امتلاكه تصريح البناء، أو من خلال سحب الهوية، وهو ما يحصل على نحو ممنهج في القدس، خاصة بحجة عدم الإقامة في المدينة. ولا يفوت الرواية أن تنقل لنا بكثير من الدقة ما يحدث على نحو خاص في المعابر الداخلية التي يدير حركتها الإسرائيليون، والتي تحولت إلى بؤر تحقير للإنسان الفلسطيني، وهو ما يتعاظم على نحو مفزع عند معبر رفح الذي تحول إلى بقعة من جهنم تحترق فيها كل آثار الإنسانية على يد جنود هم أقرب إلى الوحوش منهم إلى البشر، يدمرون الأنفاق التي تمرر مواد التموين الغذائي والأدوية من مصر بحجة أنها تشكل قناة لتمرير أسلحة حماس وذخيرتها.
بطل الرواية الرئيسي مخرج إيطالي من أصول فلسطينية (غسان/ جوليانو) من قرية سعسع القريبة من حيفا. كان في طفولته قد شهد مأساة التشريد والطفولة المعذبة، كما غيره من الفلسطينيين. تشاء الأقدار والظروف الصعبة أن تدفع به للعيش في إيطاليا، حيث تتبناه إحدى العائلات الإيطالية، التي يرتبط بابنتها ويتزوجها. ما يهمنا هنا أن جوليانو يذهب إلى فلسطين لتصوير فيلم حول الصراع الفلسطيني الصهيوني، تدفعه إلى هذا قناعته بأن هذا الفيلم قد يكون وسيلة نضالية يمحو من خلالها ما بذهن الغربي من أن كل عربي مسلم هو بالضرورة إرهابي. وهناك وعلى أرض فلسطين يجد جوليانو نفسه مضطرا للدخول في حالة عراكية، تتقاذفه فيها أطراف متعددة؛ كل منها يحاول أن يجذب البساط نحوه. في طبيعة الحال، إسرائيل رأت في الفيلم فرصتها كي تبيض صورة مجازرها المرتكبة ضد الفلسطينيين، وكذلك رأتها فرصة لتجريم ليس حماس وحسب، وإنما كل الفلسطينيين الذين تسعى إلى تشويههم ليكونوا كلهم موسومين بالإرهاب، وعليهم تقع مسؤولية دفن سبل السلام. وهنا يحضر السؤال ملحا حول استراتيجية شائعة تسعى للخلط بين الإرهاب وحركة المقاومة، وهو ما كان جوليانو قد عاناه في الأساس مع زوجته (جوليا) التي واظبت على تحميل الشعب الفلسطيني صفة الإرهاب، بل كانت مصرة على اتهامه بمناصرة الأصوليين في حربهم ضد إسرائيل. أما عن موقف السلطة الفلسطينية، فقد أظهرت الرواية أنها سعت بطريقة أو بأخرى إلى التنديد بعنف حماس وتطرفها. لم يكن أمام (غسان/ جوليانو) وهو يجابه هذا كله سوى أن يصرخ في داخله «أما أنا الفلسطيني الأصل فلم أكن أريد سوى تجريم قوى الشر والصهيونية الغاصبة والتنديد بتغاضي العالم عن جرائمها». وهي الحالة التي عبرت عنها أحسن تعبير إحدى شخصيات الرواية في رسالة تركتها لصديقها بعد استشهادها، وهما اللذان عاشا الجحيم بسبب الجدار العازل: «عزمي، إن هذا الجدار لا يشكل شيئا، وسيتحول إلى لا شيء لو تمكنا من التخلص من كل الجدران الموجودة في داخلنا».
نتابع في الرواية (حسن) الممثل المسرحي البارع القادم من مخيم دير البلح، وكذلك (رانية) شريكة حسن في التمثيل في الفيلم الذي يخرجه (جوليانو) حول الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ما يلفتك في هاتين الشخصيتين رؤيتان مختلفتان حول كيفية مواجهة عدو مشترك، فأمامك حسن الذي يعتقد أن حماس هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وأنها هي من سيرجع فلسطين، قبالة (رانية) التي ترى بحكم ارتباطها بدوائر الحكم في السلطة الفلسطينية، أن نضال الشعب الفلسطيني لا بد وأن يستمر تحت لواء فتح، لذلك لم تكن ترى في العمليات الانتحارية سوى ظاهرة استفزازية لا طائل منها. وهو الموقف الذي يتبناه الطبيب (عمر) ابن خالة حسن الموزع في عمله بين المستشفى الجامعي في تل أبيب، ومستشفى كمال عدوان الفلسطيني شمال غزة. تأخذنا الرواية إلى ماضي (حسن) القريب منه والبعيد، ومن ثم تسلط الضوء على حاضره، لنكتشف مع هذا كله أن أباه كان قد قتل في غارة إسرائيلية في غزة، وأمام هذا الظلم الكبير وغيره من أحداث مأساوية لم يكن أمام أخيه الصغير سوى تجنيد نفسه انتحاريا في كتائب القدس، وهو ما حاول حسن في البدايات أن يخرجه منه إشفاقا عليه وهو لم يبلغ بعد سن البلوغ. يبقى أن النزاع بين رانية وحسن لم يستمر طويلا، إذ ما إن يقع خطيبها قتيلا إثر عملية اغتيال غاشمة يقوم بها الإسرائيليون وهم يستهدفون مسؤولا فلسطينيا، حتى نجدها وقد انتقلت إلى التفكير بأن هذا العدو لا يفهم سوى لغة الرصاص.
يلفتنا في الرواية أن جملة من الضغوطات التي تقع على رأس حسن؛ (بتر ساق ابن أخته، قتل أمه في إحدى الغارات الإسرائيلية، قطع رأس ابن خالته الطبيب أمام عينيه، مقتل أخيه في عملية انتحارية، حرب الإبادة ضد المدنيين العزل). تدفعه باتجاه التحضير لعملية استشهادية يفجر فيها نفسه أمام مدرسة الحاخامات في تل أبيب، في إطار قناعة بأن هذا هو الخيار الوحيد الذي تبقى أمامه، إلا أن الرواية ما تلبث أن تدخلنا في دائرة مباغتة حين تراءى لحسن وجه أمه المتوفاة ينهاه عن قتل الأبرياء، ليبادر بعدها إلى تفجير نفسه وحسب، مؤثرا أن يكون شهيدا للسلام. من بعدها يقع (جوليانو) تحت وطأة المرض، ينقل بعدها إلى إيطاليا حيث زوجته التي لم تعد ترى الفلسطيني إرهابيا بعد ويلات حرب غزة التي تابعتها عبر الإعلام، بل نجدها بعد وفاة (جوليانو) بالاتفاق مع (رانية) تشرعان في تركيب الفيلم الذي أنجزه جوليانو، والذي يحقق نجاحا لافتا في مهرجان برلين السينمائي.
هنا، لا بد من القول إن الروائي الجزائري صلاح شكيرو قام بمهمة لا تختلف عن تلك التي حلم بها بطله (جوليانو)، فكلاهما بدا لنا الشاهد الأمين والحريص على نقل وتوثيق محاولات تدمير الشعب الفلسطيني ومحوه من الوجود من خلال تشريده وإذلاله وإعمال كل سبل القتل والبطش فيه. لكن ما استوقفني حقا في الرواية أنها تحارب التباسا شائعا بين معاني التحرر والشهادة والاستشهاد، ومعاني الإرهاب والتطرف، ليعود بطلها في النهاية ويقع في المأزق ذاته أو الالتباس ذاته الذي حاربته الرواية ابتداء، وكأن النهاية التي اختارها (حسن) تسحب من الضحية حقها في الانتقام من جلادها، أو كأنه رأى لزاما على هذه الضحية أن تموت بصمت لبناء عالم أجمل بتأثير من ثقافة ظاهرها جميل، ولكنها بالضرورة تحمل تغييبا لقيمة الرد العنيف على الظلم والتعسف، فمن ذا الذي يجيز التفكير بأن هؤلاء الحاخامات الذين يسكنون في أرض فلسطينية محتلة هم أبرياء؟ لأخلص من هذا أن البنى السردية للنص تبنت موقفا عادته وانتقدته لتعود من خلال حسن لتنتجه من جديد. قناعتي هنا، التي لا أظنها تختلف عن قناعة الروائي أن الأهوال التي ارتكبت بحق الفلسطيني تجعل انتظار الرحمة منه أمرا شبه مستحيل، فالقسوة كما يقول فرانز فانون تولد المزيد من القسوة في دورة أزلية تفرض قوتين متعارضتين، لقاؤهما الأول اقترن بالعنف، ووجودهما معا ظل مقترنا بالعنف على الدوام.
يبقى أن رواية « موعد في القدس» تدخل في إطار ما أصبح شائعا من وجهة أدبية أعادت تأسيس علاقة حقيقية بين مفهوم النص الروائي والتجربة الواقعية التي تعبر عن فترة تاريخية مؤلمة، وهي وجهة تحيل بالضرورة إلى ظروف المجتمع الفلسطيني الذي لم يعرف الهدوء قط، ولعل ما تتضمنه رواية الأديب الجزائري صلاح شكيرو من تفاصيل دقيقة وشجاعة في الشأن الفلسطيني، يدفعنا للقول إن المواجهة مع المشروع الصهيوني لم تكن مواجهة فلسطينية إسرائيلية وحسب، ما يؤكد التصاقا أمينا وحميما يحمل قدرا كبيرا من التعاطف والمشاركة، ويجسد شكلا من أشكال النضال الذي يعبر عن نفسه من خلال الالتحام مع ممارسات يومية تفضح المشروع الصهيوني بوصفه أداة قمع ونهب متواصل للأرض وما وجد عليها.

٭ كاتبة وأكاديمية أردنية

السباحة مع الألغام في رواية «موعد في القدس» للجزائري صلاح شكيرو

رزان إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية