بينما تستمر موجة الغضب في الأراضي الفلسطينية وفي عدد من العواصم العربية والعالمية احتجاجا على قرار الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده إلى القدس، اختار بعض العرب والخليجيين تحديدًا ـ مسؤولين ومواطنين ـ التغريد خارج السرب بالاصطفاف إلى جانب الكيان الصهيوني وراعيته الولايات المتحدة الأمريكية، بل أكثر من ذلك أنهم جعلوا أنفسهم بمثابة ناطقين رسميين باسم واشنطن وتل أبيب، ومدافعين عن أطروحتهما الواهية، ضاربين عرض الحائط بمشاعر العرب والمسلمين وبنضالات الشعب الفلسطيني الذي لاقى الويلات من لدن الكيان الصهيوني منذ وعد بلفور المشؤوم.
وهكذا، لم يعد العدو الحقيقي في عُرف المغردين خارج السرب هو «إسرائيل» و»العم سام»، وإنما صار العدو هو حركة حماس وحزب الله وتركيا وإيران وقطر. وعشنا حتى سمعنا «محللا» سعوديا يدعو عبر قناة «عربي 21» إلى تفهّم «الطرف الآخر» و»معرفة متطلباته» حتى تنجح مفاوضات السلام ولا تكون عبثية. الطرف الآخر، حسبه، ليسوا الفلسطينيين ذوي الحقوق المشروعة والذين يُقتل الكثير منهم والآخرون يُسجَنون ويُعذبون أو يُنفون وتنتزع حقوقهم، بل الطرف الآخر هي إسرائيل. وصرخ المحلل السعودي من وراء الهاتف في برنامج حواري بالقناة المذكورة قائلا: «علينا أن نعترف وندرك أن القدس رمز ديني لليهود ومقدس كقداسة مكة والمدينة بالنسبة للمسلمين، وعلى العقل العربي أن يتحرر من الموروث الناصري وموروث الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي الذي غرس ـ لمصالح سياسية بحتة ـ ثقافة كراهية اليهود وإنكار حقهم التاريخي في القدس».
ولم يتمالك منشط الحوار في قناة «عربي 21» أعصابه، فواجه المتحدث السعودي بالقول: «يا رجل! أنتم الأمة تتبرأ منكم. الناس ذاهبون إلى اللحمة والوفاق ولنصرة للقدس وأنت تقول لا تذهبوا إلى إسطنبول، بربك بأي دين وأي همة ورجولة وبأي نخوة تتحدث؟ أنت تصب البنزين في المحرك الإسرائيلي، فهذا المحرك واقف الآن (خربان). ما هذه جزيرة العرب التي عرفناها وقرأنا عنها في التاريخ. أنت تقيم بجانب الحرمين وفي الأرض التي انطلقت منها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وتتفوه بهذا الكلام الفارغ».
ولعل ذلك الكلام يذكّر مشاهدي الفضائيات العربية بما قاله متحدث سعودي منذ بضعة شهور عبر قناة «الحوار»، عندما انفلت منه العقال، فجاهر بما كان مضمرا في نفسه ونفوس الكثيرين من أمثاله، حيث قال صراحة: «لن ننصر الأقصى». فردّ عليه مقدم البرنامج: «أقولها لك على الهواء: الأقصى ليس في حاجة لنصرة أمثالك. الأقصى لا يحتاج لهذا الهوان وهذا السقوط وهذا الجبن. نم يا حبيبي ارتح».
وانسجاما مع قصائد الغزل التي يوجهها بعض العرب إزاء معشوقتهم «إسرائيل»، وهي تصد بوجهها عنهم إمعانا في الإذلال، خرج شخص اسمه مجدي خليل ليتحدث عبر برنامج «مع الحدث» في قناة «العالم» باسم «منتدى الشرق الأوسط للحريات»، حيث أطلق فتواه القاطعة قائلا: «القدس الغربية عاصمة لليهود، أما القدس الشرقية، فينبغي أن تخضع للحكم الدولي»، ولم يكتف بذلك، بل أضاف إليه تصريحا خطيرا مفاده أن معظم القادة العرب «الوازنين» وافقوا على قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
لكن القدس لا تحتاج إلى كل هذه الضجة حسب البعض، فهذا خالد بن حمد آل خليفة، وزير خارجية البحرين، يغرد في «تويتر» بالقول إن «القدس قضية هامشية»، ويدعو إلى «عدم افتعال» معركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن نواجه معا خطر الجمهورية الإسلامية «الفاشية»، بتعبيره، في إشارة إلى إيران.
إعلاميون شرفاء
في الجهة المقابلة، ما زال المشهد الإعلامي العربي يعتز بأصوات مناصرة للقضايا العادلة والحقوق المشروعة، من أمثال الإعلامية الأردنية علا الفارس التي أوقفتها قناة «إم بي سي» لعدة أيام، لا لشيء سوى لكونها كتبت تغريدة تضامن مع الأقصى واحتجاج على قرار ترامب سيء الذكر. وهناك أيضا الإعلامي معتز مطر الذي استهل إحدى حلقات برنامجه الشهير في قناة «الشرق» بمقدمة تفيض حماسة وقومية وإنسانية، مما جاء فيها: «لن تضيع القدس ما دام فيها مثل عهد التميمي وعائلتها، سينصرها الله ولو بعد حين».
وفي الجبهة نفسها، نجد الإعلامي نزيه الأحدب الذي خصص إحدى حلقات برنامجه «فوق السلطة» لمستجدات الملف الفلسطيني وقضية القدس، حيث قال إن غولدا مايير تُعبث من جديد في أروقة الأمم المتحدة، من خلال السفيرة الأمريكية ، ملاحظًا وجود شبه كبير بين السيدتين. وشرح الأحدث «كيف سخرت الحرمة من الأمة»، ناقلاً قولها: عندما أدلى ترامب بتصريحه يوم الأربعاء، قال الجميع إن السماء ستُطبِق على الأرض في اليوم الموالي، ولكن ها هو الخميس والجمعة والسبت مرّ والسماء لا تزال في مكانها ولم تسقط!
كبوة فرس!
لكن ما ليس مفهوما، أنه في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، يقوم الدكتور فيصل القاسم باستضافة صهيوني متطرف يدعى مردخاي كيدار، وإتاحة الفرصة له في برنامج «الاتجاه المعاكس» ليس فقط لنشر ترهات ومغالطات، وإنما أيضا لسب العرب والتهكم من عبارة قرآنية، بالقول إن «العرب شر أمة أخرجت للناس». ولو أن مثل هذه العبارة وردت في تلفزيون عالمي آخر، ولو كان في جزيرة «الواق واق»، وتحدث صاحبها عن اليهود واصفا إياهم بأوصاف قدحية، لاتّهم المتحدث بمعاداة السامية، ولنزلت عليه أقوى العقوبات القضائية.
هل كان فيصل القاسم بهذا الصنيع، وهي يتذرع بمبدأ «الرأي والرأي الآخر»، يمارس نوعا من جلد الذات بقسوة؟ وماذا يضيف صهيوني إلى تلك الحلقة؟ وماذا بإمكانه أن يقول غير الكلام المكرر منذ اغتصاب فلسطين وقيام الكيان الصهيوني وتوالي جرائمه البشعة ضد أبناء الأرض؟ لو استضاف القاسم أحد المطبعين ـ القدامى أو الجدد ـ من أبناء جلدتنا، لكان ذلك مفهوما ومستساغا إلى حد ما، من باب فضح المهرولين نحو تل أبيب. أما حلقة القدس فكانت بمثابة «كبوة فرس» في مسار إعلامي متألق.
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل