بين القدسية والرمال

حجم الخط
0

يحاول المحللون التهدئة، بما في ذلك لأنفسهم بأن الاحتجاج ضد إعلان ترامب آخذ في الهدوء. وأن الفلسطينيين لم ينجحوا، وهم البائسون، في أن يخلقوا في الضفة مظاهرات احتجاج جماعية، والتنقيط من غزة يمكن وقفه بهجمات من الجو. عملية الانكار العادية: نأخذ غفوة قصيرة، نشاهد «نجما يولد» وبعد ذلك تختفي الانتفاضة، ولعله لا يكون فلسطينيون في العالم.
إذا اهدأوا. التنقيط سيستمر. وبالأساس تنقيط الدم الذي لم يتوقف منذ الستة أيام. الإرهاب الفلسطيني، الذي وجه منذئذ ضد إقامة الدولة وكرد على النكبة، أصبح بعد الحرب صراعا ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال. يوجد هنا قتلى وجرحى بالجملة، وبين الحين والآخر انفجار جماهيري يسمى انتفاضة تجبي أثمانا بالجملة. وثمة لهذا حتى ملخص يتمثل بالمعارك التي بين الحروب.
إذا الآن، ووفقا للترتيب الذي اعتدنا عليه، فإننا في الطريق إلى جولة دموية أخرى. غير أن هذه الآن ليست القصة العادية التي نرد فيها «بقوة» على «التنقيط» من القطاع. الآن توجد لنا قصة مع الرب بجلالة عظمته، فيما أن المشادة الحادية تنال زخما منفلت العقال وخطيرا على نحو خاص. والسبب: محرك اشتعال إعلان القدس. شكرا يا دونالد. أخيرا، بفضلك، خرجت حرب دينية تديرها حكومة اليمين الديني القومي من الخزانة المقدسة. بفضلك، يا دونالد، يفهم الجميع أن الدين هو السبب الحقيقي لسياسة الحكومة وللحروب التي تنبع منها. إذ ما هو الصراع على المستوطنات، على القدس وعلى المبكى إن لم يكن فريضة إلهية؟
في هذه الأثناء ليس فقط النزف الدائم من المعارك التي بين الحروب يقضم الوجود الوطني، بل النزف من الفساد يسهم في تدمير النسيج الجماعي. شخصيا، إذا كنت تعيش على مستوى معقول، فإنك لا تشعر في الحياة اليومية بأضرار الفساد. ومثلما في المعارك بين الحروب، إذا كنت والمقربون منك لا تتضررون بشكل شخصي، فإنك لن تشعر بتآكل الفساد الذي يأكل حولك كل قطعة طيبة، ناهيك عن أن الفساد هو مرض معدٍ. ما يفترض بما يُصحّي الغافين دفعة واحدة هو جولة دموية جارفة على نحو خاص، وإلى هناك تقودنا الحكومة.
واضح أنها لا تفعل هذا عن وعي. فالجميع هناك في الحكومة يريدون السلام. والأمن. والاعتراف بدولة يهودية. وألا يتسلح حزب الله بصواريخ بعيدة المدى لأهداف محددة. وأن القدس والائتلاف يكونان موحدين (إلى أبد الآبدين). فساد في القمة؟ لا يوجد كائن كهذا. المحتجون في الشوارع هم بضعة أحياء في تل أبيب خرجوا للتسكع. لدينا حرب؟ لدينا الجيش الأقوى (والأكثر أخلاقية) في العالم. غير أن الميدان يتحدث. في غلاف غزة يعودون إلى الملاجئ، والضغط على الحكومة لعمل شيء ما يعود إلى عهد ما قبل «عمود السحاب» في 2012 و»الجرف الصامد» في 2014.
الأحبولة الإعلامية الحكومية هي أننا مرة أخرى «ننجر» بسبب أولئك الأنذال الذين يطلقون علينا النار من غزة. أما الحقيقة فهي أن نتنياهو وشركاه أدوا إلى التدهور حين ضغطوا على إدارة ترامب لعمل شيء ما في موضوع القدس، مع العلم أن هذا برميل بارود مع مفجر متحفز. وإن لم تكن سفارة، ففي الأقل إعلان متفجر ما. فاستجاب ترامب. نيكي هيلي، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، أضافت مفجر وقود إضافيا إلى الحرب الدينية: «لا يعقل ألا يكون المبكى بسيادة إسرائيل». مايك بنس، نائب ترامب، كان في طريقه إلى المبكى وزيارته «تأجلت». سيجدون ذريعة ما، ولكن صور المظاهرات ولا سمح الله القتلى في عيد الميلاد منعت عن بنس الصورة أمام المبكى، التي هي كما هو معروف الاقرار بحقنا فيه.
الموضوع مع المبكى هو أن الحديث يدور عن موقع عبادة دينية يهودية وموقع سياحة وحجيج. حتى بالنسبة للعلمانيين الفضوليين الذين يأتون ليفحصوا ما هي بالضبط هذه الخدعة التي تدفع المتدينين إلى الجنون والعلمانيين إلى دس بطاقة في شق في الحائط على طريقة تنجح بالمصادفة لأن تثبت أنه يوجد رب. وجعله مسلما به هو جزء من سياسة التدين التي تمر على إسرائيل كشبح فتاك. كان يفترض بنتنياهو أن يفهم أن كل تغيير في الوضع الراهن الديني في القدس هو بث وقود على الشعلة المتلظية على أي حال ولعود الثقاب الديني إمكانية كامنة كفيلة بأن تضيء عدة شعلات. في الشمال حزب الله، في القطاع حماس وفي الضفة أيضا يوجد للنبي محمد ما يقوله لمحمد في الشارع. وبالطبع ليبرمان الذي يسهم في عود ثقابه العلماني في إشعال عرب إسرائيل. وفي هذه المناسبة التي يشم فيها نتنياهو التوتر في الهواء أو ربما هي رائحة مادة التنظيف في سجن معسياهو، فإنه يطلق على الفور الجني الإيراني. في مؤتمر الدبلوماسيين الذي عقدته «الجيروزاليم بوست» هذا الشهر باع تقديرا استخباريا لا يشارك فيه أي جهاز استخبارات في العالم بما في ذلك شعبة الاستخبارات العسكرية «امان»: في غضون عقد سيكون في إيران «لا قنبلة واحدة بل ترسانة من مئة قنبلة فأكثر». وفي ختام جولة الصفعات التي تلقاها قبل أسبوع في بروكسل أحصى للمراسلين في طائرته «80 ألف مقاتل شيعي يؤدون إلى تجدد الحروب الدينية». يمكن أن يكون تشوش وامتشق 80 ألفا كرد على أسئلة المحققين عن حساب السيارات خاصته. أما من ارتاح لهذه التقويمات للوضع فهم السعوديون. لديهم مرتزِقة. الجيش الإسرائيلي ينضم إلى الحرب السنّية ـ الشيعية.

الحاخام شارلوتن

من يرى في الحرب الدينية حربا مشروعة هو البيت اليهودي. لا شيء خربا يحصل في هذه الدولة يعنيهم باستثناء توسيع المستوطنات في الضفة وتوسيع كتلتهم في الكنيست. النائب موطي يوغاف يقول دغري: «شبابنا يذهب للخدمة في الوحدات القتالية في الجيش السرائيلي لأن الخدمة ليست فقط رسالة بل فريضة» (والله). الفساد هو الآخر لا يقلق معتمري الكيبات. لا المحبوكة ولا السوداء. فأنتم لن تروهم في المظاهرات ضد الفساد.
منظمة المظاهرات، في فعل مثير للشفقة بعض الشيء، وسعيا وراء فتات من الشرعية، رفعوا في روتشيلد الحاخام يوفال شارلو.
وبشكل عام يعتبر شارلو من المعتدلين بين جماعته وفي حديث خاص طويل امتد إلى الليل، قبل سنين، لم يستبعد انسحابا وتذمرا من متزمتي المناطق الذين يمسون القيم التربوية التي يكسبها للتلاميذ في مدرسته في بيتح تكفا. غير أن هذه المرة تحدث هناك الحاخام شارلوتن، الذي سار على الخط مع مرسليه الحقيقيين. في خطابه ضد الفساد لم ينسَ التحفظ: المقاتلون للفساد عليهم أن يحذروا من التلاعب ـ ليس هناك شيء أخطر على الاستقامة من التلاعب واستخدام الكفاح ضد الفساد فقط وليس لأهداف أخرى، وكأن ماذا؟
فساد المليارات للمستوطنين الذين خدعوا مؤسسات الدولة كي يبنوا الفِلَلْ في الضفة لا يعد؟ ونعم، ثمة في شارلو رأفة للظالمين: «ما يمكن أن يعرقل الكفاح ضد الفساد هو عدم الرأفة للناس ذوي المشاكل الأخرى، من عاملي تيفع وسكان جنوب تل أبيب. من يتنكر لمشاكلهم لا يمكنه أن يكافح ضد الفساد». قال ناكر الرأفة الإنسانية في مصلحة الرأفة اليهودية. بينيت وريغف ما كانا ليصيغا هذا أفضل منه. كلاهما يمثلان حكومة فساد تهدد الروح وانفلات عقال أمني ديني يهدد الجسد.

معاريف 22/12/2017

بين القدسية والرمال
نتنياهو وشركاؤه أدوا إلى التدهور حين ضغطوا على ترامب لعمل شيء ما في موضوع القدس
ران أدليست

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية