فِي لَعْنَةِ الشِّعْرِ

(1) الشعر لعنة أبدية، تصاحب الشاعر كظله نظرا للعلاقة الحميمة بينهما، إذ لا يستطيع الفرار من قدره الوجودي، لكونه إدراك ما لا يُدْرَك في عالم متوشّح بالغموض، والمستفز للعين الثاقبة، كي ترى أبعد وأعمق من رؤية يستعصي عليها السفر في متاهات المسالك الموحشة في النفس البشرية. هذه اللعنة صديقة وفية لكل من سولت له نفسه الأمارة بمغامرة الإبداع الحق والأصيل، الإبداع الْمُنْبَنِي على أسس المعرفة العرفانية بحالات الكائن وغموض الوجود، والمُتعبِّدة في محراب الكتابة العميقة الأسرار؛ الطافحة بالمجاهل المؤدية إلى الوقوف على مشارف اللانهائي.
هكذا هو الشعر هذا الصاحب الخليل في المهاوي؛ وفي الجحيم الوجودي، حيث يلتحف سؤال النار التي تُذْكِي قلق الشاعر، وتقذف به إلى سماوات المتخيل، وأرض السياحة المُشْرَعة على متاهات التيه، إنه ـ أي الشعر ـ اللعنة الحميدة التي لا تحتمل الرحمة، بقدر ما تركن إلى النار، هذه النار التي رافقت الأسلاف المقيمين في الذاكرة الإبداعية، سارقي شعلة الحرقة والاحتراق من آلهة الكلام، فالشاعر سادن الخيال يخدمه بعشق المحبين، ويسقيه بماء العزلة. فالعزلة قرينة العبادة، ذلك أن الشعراء يتعبدون في كعبة الوجود مُجَرَّدينَ من حسابات الربح والخسارة، بقدر ما يؤثثون العزلة بلعنة رؤية تجلل الأبدي في الحياة.
هذه العزلة التي تُفْضِي إلى الغوص في الآبار العميقة والبعيدة للذات الشاعرة، وتقذف بها إلى أعماق سحيقة، للقبض على ما هو دفين في هذه الآبار. ففي عوالم التخوم البهية بِصَمْتِ الوجود وفتنته ودهشته، تجد الذات نفسها مرهونة لسؤال الكينونة. هذا السؤال اللَّاذع واللَّاذغ يُوَرِّثُ الشاعر لعنات التّرحال واللَّاإِقامة، والبحث الدؤوب عن مغالق الكون والتباساته، والغوص في مجاهل المناطق المعتمة في الأعماق، باعتبارها خزانا لما يمكن أن نطلق عليه باللَّاوعي الباطني، هذا اللاوعي الباطني مليء بالندوبات والجروح وبالطبقات الْجْيُوشُعُورية الْمُتَرسِّبة في الذاكرة .إن حال الشعر، في كُنْهِهِ، لعنة جميلة يبتغي من وراءها الشاعر العبور إلى اللانهائي؛ والتماس مع الماوراء في الطبيعة والعالم المُسيَّجيْن بمتاريس الدَّهشات التي توقظ الكوامن؛ وتعتنق عقيدة البوح الداخلي كَمَزِيَّةٍ للعزلة، وهنا مجْلَى خصوصية الشعر الخارق.

(2)

لا غرابة في أن يتم اقتران الشعر باللعنة، لأن ما يميزه عن غيره من الوسائل التعبيرية، أن الشعراء من سُلالة الْمَلاعِين الذين أَبَوْا إلَّا أن يبذروا بذرة المروق عن السائد والمألوف في حياة الناس العاديين، لذلك ارتبطت هذه اللعنة بالزندقة والعصيان، والخروج عن القبيلة المتحالفة مع تنميط الحياة، وجعلها جسدا بلا روح ولا ابتداع، والاعتماد على الموجود، بدون البحث عن جوهر الوجود، لكن الشاعر الملعون من آلهة العمى والْعَمَه اختار السَّيْرَ بِبَصيرة العميان التي تزيد اللعنة تَوَقُّدا واشتعالا بأسئلة الشكوك وعدم الاطمئنان إلى اليقينيات، لأن لذة الشعر تكمن في القلق المرافق له، وفي الحرقة المستبدة والإحساس بِالْغُبْنِ الوجودي، وصقْل ملَكة الظَّن ممَّا يدفع بالشاعر، وبمحبة جارفة، إلى تجاوز التخوم واقتحام الوجوم الوجودي، ليعلن أنَّ جِينُومَ الشعر التِّرحال والنار، العتمات والظلال، الجنون واللَّامنطق، ومن ثم نجد الشعراء دائمي الاعتراف بالرغبة الْجَمُوحَةِ نَحْوَ معانقة كل ما هو مُنْفَلِت وغير قابل للمراودة، وبطبيعة مجازية يمكن القول إن الشعر بئر تُخْفِي ماء الباطن الزلال العذب، المترع عطشا للظاهر حتى تكتمل الكينونة، وتتحقق الذات في تجليات ممزوجة بالحرقة والاحتراق، تلك سيرة الشعر المرتبط وجوديا باللعنة كسِمة تميّز الإبداع الحقّ.

(3)

الشعر تِرْحال في أعماق المجهول، في الأنفاق السرية للْبَواطِن، في حنايا الخبايا المفعمة بالالتباس وخبايا الحنايا المترعة بالسؤال، وسفَر في صمت البراري الروحية الضَّاجَّة بجلبة الأقاصي المتوارية، وبخرس اللسان أمام عظمة هذا الجمال الذي لا تراه إلا أعين السادرين في ضراعة الاحتراق. الشعر نار نُونُها ينَوِّرُ دهاليز النفس، ألِفُها تآلف الجسد والروح بشكل عمودي يفضي إلى جنون الشعور، رَاؤُها رؤية للشُّعَل الدفينة؛ ورؤيا لما هو غامض وملتبس. ونُونُها أيضا نبش في مستحثات الوجع النابض بألم المخاض، وعسر الولادة، كما أن الْأَلِفَ أُلْفَةٌ بين النور والنار وراء الرماد، الشعر منذور إلى الإقامة في الأمكنة البعيدة عن الضوء، لذلك نجد الملاعين لا يقيمون إلا في ذواتهم، يحملونها أنَّى شاءوا ومتى أرادوا التخلي عنها يتركونها هناك تستعطف البوح للتعبير عنها، فالعتمة قنديل الشعر .
الشعر وليد مخلوق من نطفة الظلال،التي تخلقت في رحم الماء، حيث تشابكت مع بويضات الجذور الْجَوانِية للجسد كشعور وحدس باطني، والظلال تلك المناطق المخفية من الذات المعبرة، والغارقة في وحل الكتمان؛ هذا التّلاقح المُتواشج أخرج ماء الروح ظلالا ترعى وهج اللعنات، وتستظل شموس الظنون لتحترق بظلال اليقين.
الشعر جنون، جِيمُهُ جحيم وجموح في الخارج للكشف عن الجواني وَجبْر لانكسارات الكوامن، نونه من سلالة بروميثيوس سارق الشعلة التي غدت لعنة تطارد الملاعين المغضوب عليهم من الآلهة، واوه وَدَقٌ يروي ظمأ الباطن، أما النون الثانية منه نشيد سري نابع من إيقاع الألم، ونزيف الأمل.
الشعر لا يؤمن بالمنطق، فهو ليس رياضيات أو تفلسفا، بل يجنح إلى الفوضى لترتيب فوضى العالم، والعبث بفوضى الشعور الذي يبثه في نسقية تعبيرية حافلة بمنطق الكتابة الشعرية، المتمثل في كون الشعر جَمَّاعُ الحياة المشرعة على زينة اللعنة الفاضلة.
والكاشف عن جغرافيات خبيئة في الباطن، والخالق لدهشــة وفتنة الكتابة التي تنتصر للتأمّل والإنصات للاهتزازات الوجدانية والارتجاجات المحدثة شـــــروخات في عتمة العالم والذات، أليـــــس بالشعر نستطيع أن نضيء سراديب الدياجير المحيطة برغبة الإنسان في مراودة الآتي بلغة الرؤى والتجارب والمتخيّل.
(4)

اللعنة هي رفيقة الشاعر الخارج عن منطق الثابت، المارق عن الألوف، المقيم في جحيم اللغة، هذه اللغة الفياضة بحرائق الذات وخيالات الواقع الممتدة في مجازاتها الطافحة بمتخيل يمتزج بأطياف التجربة في الحياة والوجود، هي لعنة ممتدة في سؤال الكتابة الذي يجعل الذات قرينة الشك، ولا ترتاح إلا في ظل اللامعنى واستشراف اللانهائي والبحث الدؤوب عن المبطّن في الكوامن بلغة باذخة في الترميز والإيحاء بعيدة عن المحاكاة الفجّة التي تقتل روح الإبداع، وتلزمه الإقامة في السطح بدون الغوص في القعر القصي من الذات. والشاعر دوما يسعى إلى احتواء مفارقات الذات والعالم عبر لغة شعرية تفيض بالجمال الكوني، وعذابات الذات المحترقة بنيران البحث الأبدي عن القيم النبيلة، وكل ما هو مدهش وخارق وفاتن، لغة تنسج عوالم تحتفي بالإنسان في وجوديته، والعالم في غموضه والتباسه، والروح في حيرتها الأبدية، وتطوّق الأفق برؤى مشعّة بالجمال والفتنة، والجنوح صوب الترميز والإيحاء بعيدا عن المحاكاة الفجّة التي تقتل روح الإبداع، وتلزمه الإقامة في السطح بدون الغوص في القعر القصي من الذات. والشعر في جوهره يميل إلى تجاوز الظاهر بخرق حجب الباطن، والغوص في مساربه المحيّرة والمفتوحة على أسئلة القلق، وعدم الركون إلى الثابت لمعانقة المجهول، وبالتالي يمكن اعتباره إقامة في هاوية الذات لمقاومة العدم جرّاء الشرور المستشرية في عالم منذور للخرابات والمحن الإنسانية التي تقوّض كل ما حاول الإنسان ترسيخه من قيم إنسانية نبيلة، لكن أمام هذه السطوة الجهنّميّة للموت ما على الذات إلا أن تطرح الجدوى من الحياة، إذ لم يتبقّ سوى اللعنات تصبّ غضبها على الموجود والوجود، غير أن الشعر يظل الوعاء الحاضن للجليل والبهيّ، وهنا يمكن القول إن كل لعنة شعرية لعنة ترتضي الاحتفاء بالحياة وتحارب الموت بأسلحة الحلم والخيال .

(5)

لا غرابة فاللعنة التي تصادق الشاعر لعنة منبثقة من الموقف العميق له تجاه الذات والعالم، وفيها القدرة على مراودة الحرائق المشتعلة في الأعماق تصورات وأحلام وهواجس وتخيلات تدمغ بطابع الذات المفعمة بالاغتراب والعزلة والرغبة في ارتياد المجهول، الذي يبقى اللغز المحيّر للعقل الإنساني، وبمقدور الشاعر الخروج عن اللعنة بخلق لعنة وجدانية نابعة من زاوية النظر والمسافة الجمالية التي يتخذها لاقتناص البهي والجليل في الذات والوجود. وهنا مكمن جدارة الشعر في الحياة، لكونه يسعى، من خلاله، الشاعر إلى تجميل القبيح، وإضفاء جماليات على الجميل، أي أن الشاعر يحارب القبح المنتشر في الوجود، جراء الحروب والاقتتالات المجانية من أجل الهيمنة والسيطرة على الإنسان وتحويله إلى شيء وليس ككائن مخلوق من أجل الإنصات إلى رجّات الذات وجمال الكون. هكذا فلعنة الشعر تدل على ضرورة الشعر في الحياة.

٭ شاعر من المغرب

فِي لَعْنَةِ الشِّعْرِ

صالح لبريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية