تخيلوا مدينة يجتمع فيها الفارون من العدالة. يلتقي فيها مجرمون ومتهمون بجرائم ضد الإنسانية. مدينة واحدة يتعايش فيها نازيون وفاشيون وموالون لهم، من سياسيين وعسكريين سابقين، من دول أوروبية مختلفة.
هكذا كانت بوينس آيرس، بعيد الحرب العالمية الثانية. أرضاً واسعة للهاربين من أوروبا، وطناً ثانياً للجلادين، كانت عاصمة الأرجنتين غرفتهم الخلفية، مركزاً لأحلام عابرة بأن يستعيدوا ماضيهم القريب، أقنعهم الرئيس الأرجنتيني الأسبق خوان بيرون باللجوء إليها، وفّر لهم حماية ـ نسبية ـ ليس تعاطفاً معهم، ولا انتساباً إليهم، بل رغبة منه في الاستفادة منهم ومن خبراتهم العلمية والعسكرية. كان بيرون يمني نفسه بأن يسحق السوفييت والأمريكان بعضهما ببعض، أن ترهقهما صداماتهما وينتهي بهما الأمر إلى حرب كونية ثالثة، مع الوقت، ليصعد هو ببلده كقوة سياسية أولى في العالم.
اعتمد على جلادين سابقين ليصنع تاريخاً شخصياً له، ومن بين الأفراد الذين استضافهم في الأرجنتين، سنجد جوزيف منغلي (1911 ـ 1979)، وكان ضابطا سابقا في إس.إس، وطبيبا، كان يجعل من معتقلي السجون النازية فئران تجارب، لم يكن يُعالجهم، بل كان يُنكل بأجسادهم، ويجري اختباراته العلمية على بشر أحياء، هذا ما دفع البعض لتسميته ﺑ»ملاك الموت»، فلا واحد من المعتقلين، الذين دخلوا إلى مختبراته، كان يخرج حياً منها. جوزيف منغلي، الذي استطاع أن يفر من المحاكم، ويفلت من أعين البوليس، ويتجنب طوال حياته المتابعة القضائية، سيصير بطل رواية «اختفاء جوزيف منغلي» للفرنسي أوليفيه غوز (جائزة رينودو الأدبية ـ 2017).
أوليفيه غوز (1974) اعتمد على أرشيف وعلى كمية كبيرة من الوثائق التاريخية، ليُعيد كتابة بيوغرافيا، واحد من أخطر مجرمي النصف الأول من القرن العشرين. هي رواية عن مآلات الجلادين، عن خوفهم، حالاتهم النفسية، ونهايتهم الدرامية. هي بورتريه شامل عن رجل سقط من القمة إلى القاع، ويمكن أن نجد شبيها له، في أكثر من مكان في العالم، بما في ذلك في العالم العربي. تنطلق الرواية من حكاية شخصية، لتحكي عن التاريخ الجماعي، تسرد يوميات أفراد تتقاطع فيها مصائر البلدان التي جاءوا منها، تُتابع جوزيف منغلي في تيهه، من ألمانيا النازية إلى الأرجنتين، ثم الباراغوي والبرازيل، وكيف نجا من المحاكمات ومن رادارات الألمان والأمريكان، رغم أن اسمه كان من الأسماء التي تكرر ذكرها في محكمة نورنبيرغ الشهيرة. مات ـ في النهاية ـ موتاً طبيعياً، غرقأً في شاطئ، دُفن تحت اسم مستعار، ولم يكتشف أمره إلا بعد ست سنوات بعد رحيله، لكن أيضاً بعد أن كان قد فقد شخصيته، فقد القدرة على عيش طبيعي، تحول إلى ظل رجل، بعدما كان سيداً، وصاحب سلطة في بلاده الأصلية.
لا يُحاول الروائي إدانة جوزيف منغلي، ولا مُحاكمته، في النص، يتعامل مع سيرته كسيرة إنسان بكل أخطائه، يبحث فقط عن الحقيقة، يُحاول فهم الحياة الثانية لشخص مات على يديه، مئات الأبرياء، تسبب في موتهم بحقن أو بعمليات جراحية وتجارب طبية، ولم يقف قط أمام قاضٍ ولم يُعاقب. كما يُخيرنا أيضاً أن الحرب العالمية الثانية لم تنته في 1945، فأسوأ ما في حرب هو ما بعد الحرب. الحرب الكونية الثانية بدأت في أوروبا، لكنها امتدت ـ حين اعتقدنا أنها انتهت ـ في أمريكا اللاتينية، خصوصاً الأرجنتين، التي فكر حاكمها أن يبني تاريخاً لها من حطام تاريخ أوروبا.
يحاول الروائي تتبع خطوات منغلي، تحولاته، فقد غادر بلده الأصلي باسمه الحقيقي، ووصل إلى منفاه باسم مستعار: هلموت غريغو، لكن سرعان ما سيغير هذا الاسم، أكثر من مرة، كلما شعر بخوف، وأن أحد ما يُراقبه، سيغير سكنه واسمه، لكن الثابت في حياته، هو نزعته القيادية، رغم كل ما حصل من فظاعات، كان يمني نفسه أن يجد فضاءً يواصل فيه تجاربه الطبية، ويعثر على «ضحايا جدد» يجرب فيهم خلطاته ونظرياته، أن يُواصل قتل أناس بدون أن يتعرض لمحاسبة أو مُساءلة، فجوزيف منغلي لا يبدو، من خلال الرواية ذاتها، أنه ندم في حياته عما فعله، بل يتحمل مسؤولية ما حصل من قتل ومن تلاعب بأرواح ضحاياه، بدون أن يظهر ذلك للعلن، لم يتخلص قط من ميوله المتعصبة، في التمييز العنصري، ونظرته المتعالية للأعراق الأخرى، كان يعتبر نفسه من عرق أعلى، والبقية أدنى منه، ولا ندم على موتهم أو التضحية بهم. حين يسأله ابنه عن دوره في الحرب، وعما يُقال عنه بأنه قتل أبرياء، ينفي منغلي كل التهم المنسوبة إليه. «لم أعتدِ على أحد» هكذا تحدث، بضمير مرتاح أمام ابنه. هذا الأخير كان على علم بما مارسه والده، في معتقلات النازية، اعتذر لضحاياه، لكن والده لم يعتذر لهم. الرواية لا تتوقف كثيرا في سنوات الحرب، تعود إليها فقط بشكل فلاش باك، وتذهب إلى ما بعدها، إلى نتائج الحرب، وككل جلاد، غارق في أنانيته، كان جوزيف منغلي يُدافع عن نفسه، معتقداً أن ما قام به كانت تجارب علمية مفيدة، وخدمة للأطباء الذين سيأتون من بعده.
ظاهرياً، يبدو من المخاطرة أن يكتب روائي عما بعد الحرب، من منظور شخص متهم بجرائم ثقيلة، أن يتلبس جلد جلاد، ليس من السهل أن نتخذ من مجرم بطلاً لرواية، ونتوسع في فهم ذهنيته، ومنظوره الذاتي للأحداث، لكن أوليفي غوز نجح في بعث جوزيف منغلي، كتب عن خوفه وقلقه وإحباطه، وفشله في إيجاد حياة موازية له، دون أن يسقط في التعاطف معه، أو أن يحوله إلى موضوع للتشفي وكراهية القارئ. لقد وضع المجرم السابق في سياقه الإنساني.
رغم أن منغلي اشتهر بالموت، وكان مرادفاً للرعب، فهذا لم يمنـعه من عيش حياة عادية، وقت الحرب، وفي السنوات الأولى التي تلتها، حيث تصور لنا الرواية لحظات حميمة من حياة الرجل، حبه لزوجته إرين وابنه، مراسلاتهم، وشغفه إليهما، قبل أن يصطدم بخسارة نفسانية، يجد نفسه غير قادر على العودة إلى حياة طبيعية، مسجونا في مخاوفه الشخصية، محبطاً، وككل جلاد آخر سيعتقد أن الناس كلهم أعداء له، وأنه وحده من يمتلك الحقيقة المغيبة عن أعين الآخرين.
٭ كاتب جزائري
سعيد خطيبي