تونس ـ «القدس العربي» ـ من عبدالدائم السلاّمي: الشاعر والصحافي المغربي عبدالرحيم الخصّار (مولود في مدينة آسفي سنة 1975) كاتبٌ من أجدِّ أصوات الكتابة العربية الراهنة وأَحَدِّها، إذْ لا تُخفي نصوصُه سعيَه إلى اختراق طبقةِ المتخيّل العامِّ الطافي باطمئنان على سطح الواقع، وحَفْرَه بعنادٍ كلَّ ما هو مطمور من سرديّات الناس تحت رُكام المألوفِ الفنيّ والأخلاقيّ وإعادة توطينه في حيِّزِ الإبداعِ.
يفعل ذلك مدفوعًا بنزوعٍ جريءٍ إلى كتابةِ جُملةٍ تقولُ معانيها بصوتٍ عالٍ. أصدر في الشعر مجاميع «أخيرا وصل الشتاء»، و«أنظر وأكتفي بالنظر»، و«نيران صديقة» (جائزة بلند الحيدري، منتدى أصيلة الدولي) و«بيت بعيد»، وصدر له كتاب «خريف فيرجينيا» وهو على حدّ قوله إنجازٌ لوعدٍ ظلّ «يتردّد في أعماق كائن يرغب في أن يضع قدميه في الجهات الأربع لهذه الأرض قبل أن يغادرها». وقد ارتأت «القدس العربي» أن تجعل أسئلة هذا الحوارِ مُنصبَّةً على تفكيك عتمة المنطقة التي تقع بين الشاعر ونصِّه، تلك المنطقة التي يتنازع عليها الواقع والمتخيّل، ويتحوّل فيها جسد الكاتب إلى فضاءِ توتُّرٍ وتصعيدٍ، أي إلى فضاء مِحنةٍ مع اليومي.
■ قلتَ: «يبقى الإنسان إنسانًا إلى أن يتزوج، فيصير حشرة، حشرة كبـــــيرة تعمل بهمّة وتتكاثر». كيف تصير مؤسّسة الزواج آلةً لمحوِ الإنسانيِّ في الإنسان وحَيْوَنَتِه؟
□ الزواج مؤسسة. وبالتالي فحين تختار الولوج إلى هذه المؤسسة عليك أن تعمل، أن تعمل بشكل يومي. حين تكون كاتبا عازبا تشكو من ضيق الوقت، لأن لديك عملا ما، كأستاذ أو محام أو بائع متجول. فكيف بك حين تصير متزوجا؟ وقتك الفردي عليك أن تتقاسمه مع زوجتك وأولادك. الوقت كيفما كان حجمه لا يكفي لقراءة الكثير من الكتب وتأليف الكثير منها. غالبا ما ينحاز أهل الكتابة إلى الكتابة ذاتها على حساب الحياة الزوجية. الزواج معناه الارتباط المادي والذهني بالزوجة والأبناء ومشاغل البيت. عليك أن تضاعف عملك أيضا لتأمين حاضر ومستقبل الأسرة. لن تجديك أفكار الصعلكة وموضة الكاتب المتمرد على أعراف المجتمع، عليك أن تتحول إلى حشرة حقيقية، إلى نملة أو نحلة كي تكون العبارة ألطف، ولذلك فالذين عبروا تاريخنا وكانوا أزواجا جيدين وكتّابا جيدين في الآن ذاته كانوا في الحقيقة كائنات من فصيلة نادرة.
السير في الطريق الخطأ
■ كيف يُديرُ المبدِعُ ماكينةَ حياته حين «يكتشفُ بعد أربعين عاما من المشي أنه كان يسير في الطريق الخطأ»؟
□ أحيانا، وربما غالبا، يتمنى المرء أن يعيدوا إليه شبابه. ذلك أنه يكتشف متأخرا بأن الأمور كان عليها أن تسير على نحو آخر. يكتشف ذلك ويكتفي بالحسرة، ففرصة العودة زمنيا إلى الوراء غير متاحة، على الأقل في عصرنا. هذه الحسرة لا تفعل أي شيء، سوى التعجيل بالشيخوخة. ومع ذلك يعيش الشاعر حالة من النوستالجيا الدائمة للماضي، حتى لو كان ذلك الماضي فارغا. كارل فالنتين قال مرة: «حتى المستقبل كان أجمل في الماضي». أنا أيضا لو عدت عشرين سنة إلى الخلف، ربما كنت سأعيد الأخطاء نفسها، إنها حالة سيكولوجية ملتبسة.
■ هل في استطاعة الشاعر أن يجد منطقةً وُسْطى يؤالِفُ فيها بين مطالب النصّ وضرورات العمل الذي يقف وقفة رجل واحد ضد الكتابة؟
□ عادة ما يطرح عليك بعض الأصدقاء سؤالا حول طبيعة عملك. إنني أشتغل في التدريس منذ 18 سنة، لا أتجاوز أربع ساعات من العمل كل يوم. قد يبدو هذا لكثيرين عملا جيدا ومناسبا للكتابة، والحقيقة إنني باستثناء السنوات الخمس الأولى صرت أحس بأن هذا العمل ثقيل ويحول دون التفكير في الكتابة بشكل عميق وأكثر إتقانا. ليست المسألة مسألة وقت وحسب، إنها بالأساس مسألة مزاج. الجهد والتركيز يذهبان مع عشرات الطلبة الذين يغادرون القاعة كل ساعة ويحل آخرون محلهم. هناك شيء آخر هو السهر الذي لا يتلاءم مع الاستيقاظ المبكر من أجل العمل، فبالنسبة لكائن ليلي يجلس أمام الحاسوب لساعات طويلة يسمع الموسيقى، ويكتب نصوصا شعرية ونثرية قليلة، ومقالات صحافية كثيرة، يبدو الصحو الباكر شيئا معذبا بالفعل، وبالمقابل حين أفكر في الأصدقاء الذين يشتغلون ساعات كثيرة في مهن أخرى أدرك أنني ربما محظوظ، لاسيما في أيام العطل. معظم النصوص الشعرية كتبتها في الصيف، حين يذهب الآخرون لشواطئ البحر أتجه أنا رأسا إلى شاطئ الكتابة. هناك شيء آخر يبدو أنني أخصص له تقريبا الوقت نفسه الذي أخصصه للتدريس وهو الكتابة الصحافية، أكتب بمعدل مقالتين كل أسبوع، وأعد ملفات ثقافية لبعض المجلات العربية، وأنا لا أعتبر هذا الأمر كتابة، إذ أدرجه في خانة العمل، العمل المناسب للكاتب هو اللاعمل، الكتابة في حد ذاتها عمل. وهذه الحقيقة تبدو معظم الأحيان غير ممكنة في بلداننا العربية، ليست هناك جهة في المغرب مثلا مستعدة لأن تمنحك المال كل شهر مقابل أن تتفرغ لتكتب ما يبدو لها في الأصل هذيانا وحماقات. ربما يرى كتّاب آخرون أن العمل ليس عائقا أمام الكتابة. أنا أتحدث عن نفسي، العمل يشلني تماما. لكن ماذا نفعل؟ إذا تخليت عن عملك من أجل الكتابة في عالمنا العربي ستصبح متسولا. وهذا أيضا عمل.
شُحُّ مَعينِ الشِّعرِ
■ تقول عن بودلير إنه «الرَّجُل الذي أفسد الشعر العربي»، فهل من توضيح لهذا الأمر؟
□ كثيرون جدا أولئك الذين دخلوا إلى أرض قصيدة النثر في اللغة العربية عبر بوابة بودلير، لقد كان بودلير بالنسبة إليهم رمزا كبيرا، كان شيخا، وهم وضعوا أنفسهم في مرتبة مريدين، وبالتالي صار لدينا بودليريون كثر. الأمر ذاته ينطبق على رامبو. مرت مرحلة رامبوية بمكبرات صوت وصورة في تاريخنا العربي الحديث. الترجمات الأولى لشعر بودلير كانت غريبة، وجعلت قصيدة النثر لديه أكثر نثرية. وكانت النتيجة أن كتب عدد كبير من الشعراء العرب قصائدهم متأثرين بترجمات بودلير، لا بشعره. بودلير كان رائدا، ويجب فهم هذا الأمر، لذلك يجب في السياق ذاته تفادي الكتابة على منوال كتابة سابقة تحققت في منتصف القرن التاسع عشر.
هذا من جهة، من جهة أخرى، فبودلير الذي فتح بلاد قصيدة النثر، أساء من حيث لا يدري، إلى الشعر العربي. لقد شجع آلافا مؤلفة على الاعتقاد بأن كل شيء يُكتب خارج الوزن هو قصيدة نثر.
■ وصلتْكَ مؤخَّرًا رسالة من كاتب عربي يقول لك فيها: «يا عبد الرحيم يا خصّار، كل الشعراء كتبوا روايات إلا أنت»، ما الذي يجعلك لا تغامرُ بكتابة الرواية؟
□ قبل ثلاث سنوات قلت في برنامج تلفزيوني للمذيع: «اطمئن، لن أكتب رواية». ويبدو أني تسرعت. على المرء ألا يكون واثقا من نفسه حين يتعلق الأمر بالمستقبل. لم أكن أفكر فعلا في كتابة عمل سردي من ذلك الصنف، لكن بعد سنة ونصف السنة وجدت نفسي منهمكا في كتابة رواية. بعد أربع مجموعات شعرية يصير الشعر نادرا وتشح منابعه. هذا ما وقع لي ربما. لذلك أصدرت العام الماضي كتابا سرديا عن الرحلة «خريف فرجينيا. رحلات إلى أمريكا وأوروبا».
أنا عاشق كبير للنثر وللسرد. ومنذ بداياتي الأولى وأنا أكتب نصوصا نثرية مفتوحة. لا أعرف هل ستكون الرواية التي أشتغل عليها قريبة مما أحلم به أم لا، عموما سأواصل الكتابة. تبعا للإيقاع الذي أكتب به ربما تلزمني سنتان لإنهائها أو أكثر.
■ «أُحِبُّ الصيادَ الذي يرمي صنارتَه في النهر ويصطاد الأحذيةَ»، هل في هذا القول ما يمثّل موقفًا من كتابةِ الشِّعرِ في زمننا الراهن؟
□ إنه موقف من الحياة برمتها، وليس موقفا من الشعر وحسب. أنا من الذين يواجهون مصاعب الحياة وعُقدها بالضحك والسخرية، لذلك أعتبر كل خسارة ربحا. الصياد الذي يصطاد الأحذية بدل الأسماك سيعتبره الجميع فاشلا، وسينظرون إليه بتهكم، من سينظر إليه بمحبة وعطف سوى الشاعر؟ مهمة الشاعر أن ينحاز للفاشلين والمنهزمين، أما الناجحون والمنتصرون فهناك دائما جحافل من البشر مستعدة على الدوام للتصفيق لهم. يحضرني هنا محمد الماغوط، سقى الله روحه، كان يقول «أنا نصير القضايا الخاسرة».
■ ذكرتَ في منشوراتــــــك أنّ «أكثر الكتــــابات الأدبية عمقا وتأثيرا هي أكثرها يأسا وعدمية»، بل وأضفتَ القول: «إنّ الأحلام تصنع أدبا هشًّا، وما يصنع الأدبَ الجيدَ هــــو الكوابيس»، ألا يكفي القارئَ العربيَّ ثِقَلُ كوابيسِ الواقع حتّى يُغرقُه الشاعرُ في كوابيس نصِّه؟
□ أتذكر قولة قديمة لمالك بن دينار «إن لم يكن في القلب حزن خرِب». وهناك حكمة شهية تقول: «ما من شيء يجعلنا عظماء سوى ألم عظيم». الكائن العربي يستمتع بالأغاني الحزينة أكثر من أغاني الفرح، يستلذ أغاني الهجر والفراق أكثر من أغاني الوصال. سيوران قال مرة إن الفشل في الحب يجعل من كلّ حلاق نظيرا لأبيقور. الحزن يؤثر ويعمّق. نحن مخلوقات تراجيدية. اُنظر إلى الأغاني العراقية مثلا، كلها تقريبا وجع وحزن وألم. وقس على ذلك بقية الشعوب.
الأدب العالمي عموما أدب نكبات وخسائر وآلام. رواية «آلام فرتر» فعلت في المتلقي ما لم تفعله كل الرويات الفرحانة. هل سمعت يوما بأدب الفرح؟ بينما هناك في المقابل دائما أدب الكآبة والحزن والألم. جون جيني كان يقول «ما من مصدر آخر للجمال غير الجراح». حسنا لسنا وحدنا على هذا الكوكب. الإنسان عموما كائن تراجيدي، حتى الفرح الذي يأتيه يخفيه عنا، بينما هو مستعد على الدوام للتشكي ونقل أحزانه وآلامه إليك.