تونس ـ «القدس العربي»: قيل عن تونس سابقا أنه «إذا كانت مصر هبة النيل، على رأي هيرودوت الإغريقي، فإن تونس هي هبة المتوسط، ولولاه لما كانت» فهي مع إيطاليا قلب هذا البحر الأسطوري النابض وعلى أرضها قامت واحدة من أهم الحضارات المتوسطية أي حضارة قرطاج. فالخضراء لها واجهتان على المتوسط واحدة شمالية مطلة ومنفتحة على الآخر الأوروبي، وأخرى مواجهة لأرض المشرق وبلاد الشام يأخذها الحنين لتاريخ غابر ضارب في القدم. كما يحيط البحر المتوسطي بمنطقة الوطن القبلي التونسية من ثلاث جهات، وبالجزر التونسية المأهولة وغير المأهولة بالسكان من كل الاتجاهات.
وتعتبر جزيرة الأحلام جربة، إحدى أهم عناوين هذا الارتباط الوثيق بين تونس وبحرها المتوسطي لما لهذا البحر من تأثير على تاريخ المدينة وعلى سلوك وعادات ساكنتها. فإن كانت تونس هي هبة المتوسط إلى العالم فإن جربة بسحرها وجاذبيتها وإقبال الناس على زيارتها للتنعم بجمالها الآسر هي هبة المتوسط إلى تونس.
ماض أسطوري
أول من سكن جربة، ومثل منطقة الشمال الافريقي، هم الأمازيغ المتميزون بلغتهم ولباسهم المميز وحتى بأكلتهم الشعبية الشهيرة وهي الكسكسي. ونشط سكان جربة الأوائل في الصيد البحري والفلاحة وأنشطة أخرى مثل الصناعات الحرفية وأشهرها صناعة الفخار الذي ما زال يميزها إلى اليوم.
وقدم الإغريق إلى جربة وكذا سكّان جزر بحر إيجي واستوطنوها وعمروا أراضيها وتواصلوا مع من سبقهم من الأمازيغ في شتى المجالات، فنشطت المبادلات التجارية على وجه الخصوص. فـ»جربة» هي تلك الجزيرة الأسطورية التي رسا بها أوليس أو أوديسيوس الإغريقي ملك إيتاكا بعد ملحمة طروادة الشهيرة في آسيا الصغرى.
تقول الأسطورة أنه بعد أن انتهى أوديسيوس من حرب طروادة، وفقأ في طريق عودته عين العملاق ذي العين الواحدة الذي التهم عددا من رجال اوديسيوس، وبعد أن تبين أن العملاق هو ابن إلاه البحر بوسيدون الذي غضب من أوديسيوس وجعله يتيه في البحر عشر سنين يشقى خلالها ويواجه الأهوال وفقا للإلياذة والأوديسة لهوميروس، وبعد أن طاف بعدد من المدن والجزر في البحر المتوسط، وصل أوديسيوس إلى جربة. وفي جزيرة الأحلام التونسية وجد عرائس البحر الأسطورية تنشد أغاني ساحرة وعذبة بأصوات لم يُسمع أعذب منها، وكان من يقترب من عرائس البحر لا يستطيع أن يبتعد عنهن حتى يوافيه الأجل ويفارق الحياة، فقام أوديسيوس بوضع الشمع في آذان بحارته، وربط نفسه إلى الصارية كي لا يجبر على الذهاب إليهن، وهن ينشدن بتـلك الأصــوات الســاحرة، وهكذا كانت حيلته للنجاة.
ثم جاء الفينيقيون إلى جربة من سواحل بلاد الشام منذ القرن 12 ق.م أي قبل تأسيس قرطاج، وتكثف تواجدهم بعد تأسيسها في القرن التاسع قبل الميلاد. ومعهم ازدهرت التجارة والزراعة، وخصوصا الزيتون، والصيد البحري والصناعات الحرفية، فقد كانوا تجارا أدخلوا حركية على غرب المتوسط برمته وليس فقط على جربة ووصل نفوذهم إلى غرب افريقيا وبحر الشمال مقتحمين المحيط الأطلسي الذي خشيه العرب وسموه بحر الظلمات.
وشهدت الجزيرة التونسية الخلابة ازدهارا لافتا في العهد الروماني خصوصا من الناحية العمرانية مع ما عرف عن الرومان من نزوع نجو تشييد أفخر المباني والساحات العامة إضافة إلى المسارح والحمامات. وتواصل الأمر مع الوندال والبيزنطيين القادمين من القسطنطينية محاولين إعادة أمجاد روما القديمة التي أحرقها نيرون.
مرحلة جديدة
وشمل الفتح الإسلامي جربة التي حل بها الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري وعرفت الجزيرة مع الإسلام مرحلة جديدة في تاريخها اعتنق فيها غالبية أهلها الدين الجديد الذي انتشر في كامل ما تسمى اليوم تونس ومنها ومن مدينة القيروان إلى سائر بلاد المغرب والأندلس. واستقر العرب القادمون من أرض الحرمين بجربة وفي أغلب مناطق تونس وساهموا في نشر اللغة العربية التي بدأت تتموقع شيئا فشيئا مكان اللغة الأصلية أي البونية التي هي مزيج بين الفينيقية والأمازيغية والتي تحدث بها التونسيون حتى في العهد الروماني رغم سقوط قرطاج.
وبقيت بلاد المغرب ومعها جربة تحت حكم ولاة الأمويين والعباسيين الذين اتخذوا من مدينة القيروان التونسية عاصمة لهم، ثم جاء الأغالبة وأصبحت معهم تونس أو افريقيا مستقلة عن العباسيين في بغداد. ثم حل ركب الفاطميين فخضعت لهم جربة وكذا الصنهاجيون، فالغزو الهلالي والمرابطون والموحدون والحفصيون الذين هجم عليهم الإسبان فاستنجدوا بالأتراك العثمانيين.
خضعت جربة للعثمانيين قبل سائر المدن التونسية فقد أقام بها خير الدين بربروس وشقيقه عروج وجعلا منها قاعدة لنشاط القرصنة الذي كانا يمارسانه في البحر الأبيض المتوسط خدمة للباب العالي. ثم انتقلا منها إلى الجزائر بعد سيطرة العثمانيين عليها وتحويلها إلى قاعدة للانطلاق إلى تونس، التي كانت الدولة الحفصية تواجه فيها المصاعب لصد هجمات الإسبان، والتي افتكها العثمانيون نهائيا (أي مدينة تونس) في صائفة 1574.
فاحتلت جربة من قبل درغوث باشا زمن السلطان العثماني سليم الثاني درء لخطر الإسبان من جهة وطمعا بموارد جديدة تحتاجها إمبراطورية الأستانة. ولعبت دورا بارزا جدا في الصراع العثماني الإسباني على الهيمنة والنفوذ في البحر الأبيض المتوسط وهو ما تشهد به حصونها وأبراجها الأثرية التي لعبت دورا بارزا في صد الغزاة.
ومع استقرار الأوضاع في تونس وسائر الأقاليم الخاضعة لها مثل جربة برزت النزعة الاستقلالية بصورة مبكرة مقارنة ببقية مقاطعات الإمبراطورية العثمانية. ومع إدراك القرن الثامن عشر أصبحت تونس مملكة حسينية وطنية مستقلة عن الباب العالي ترتبط به روحيا فقط باعتبار وأن سلطانه هو خليفة جميع المسلمين. فظهرت الحركة الإصلاحية التونسية مع الرواد خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف والجنرال حسين وغيرهم.
وعرفت المدينة الاستعمار الفرنسي مثل باقي المدن التونسية وشارك أهلها في المعركة التحريرية التي خاضها الشعب التونسي. ومن أبرز أبناء جربة الذي انخرطوا في الحركة الوطنية الزعيم الدستوري صالح بن يوسف الذي اختلف مع الزعيم بورقيبة في رؤيته للكفاح ودخل معه في صراع مرير قسم البلاد بين الرجلين وانتهى باغتيال صالح بن يوسف في الخارج من قبل مجموعة من أعضاء بورقيبة وقيل أن كلاهما كان يتربص بالآخر.
جربة في الوقت الحاضر
جربة اليوم هي جزيرة ومدينة سياحية هامة تضم مدنا صغيرة منها حومة السوق وميدون تقع في ولاية مدنين بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية، تتوفر على أفخم الفنادق والمرافق والمنتجعات السياحية، لها مطارها الخاص، مطار جربة جرجيس الدولي، الذي كان له الفضل في نقل رعايا البلدان الأجنبية المقيمين في ليبيا إلى بلدانهم كلما اشتعل الاقتتال بين الفرقاء الليبيين.
كما أن لهذا المطار الهام دور بارزا في عملية تنقل السائحين الأجانب مباشرة من بلدانهم الأصلية في أوروبا على وجه الخصوص إلى جربة دون المرور بالعاصمة. حتى ان بعض مرتادي جربة من الغربيين يجهلون إلى أي دولة تنتمي جربة، ويعتقد البعض الآخر أنها دولة مستقلة قائمة بذاتها. كما يمكن الوصول إلى جربة بالعبارة البحرية أو عبر جسر يوصلها باليابسة.
ورغم جمالها وقدرتها الفائقة على الجذب السياسي فإن لأهال جربة أنشطة أخرى بعيدة عن السياحة على غرار الأنشطة حرفية مثل الفخار والنسيج والتجارة. كما أن «الجرابة» كما يسمون في تونس يتعاطون نشاط الفلاحة وصيد السمك، ولديهم أسماكا متوسطية لذيذة على غرار سائر المدن التونسية.
ويعرف الجربي بأنه تاجر ناجح ينطلق من نشاط بسيط لكنه سرعان ما يطور نشاطه نحو الأفضل ويصبح من أهل المال والأعمال في وقت قياسي. ويفسر البعض ذلك بالجينات الفينيقية التي اختلطت مع الأمازيغية باعتبار براعة الفينيقيين في التجارة منذ عصور ما قبل ميلاد المسيح، كما يفسر البعض الآخر هذه الظاهرة بانفتاح الجزيرة على محيطها البحري المتوسطي الذي يضم أقواما متعددة تعلم عنهم سكان جربة الكثير.
تنوع ثقافي وحضاري
وإضافة إلى المذهب السني المالكي الغالب على تونس وبلاد المغرب عموما، يتواجد في جربة المذهب الإباضي ولدى أتباعه نظامهم الخاص وأعرافهم وقضاتهم وفقهاؤهم وحتى محاكمهم. ويتواصل الإباضيون في جربة مع نظرائهم في وادي سوف الجزائري والروابط جد وثيقة بين الطرفين.
كما تضم جربة أقلية يهودية لها معبد شهير في تلك الربوع هو معبد الغريبة، ويقال ان تواجد هذه الأقلية بالجزيرة يعود إلى زمن السبي البابلي في المشرق. فقد فر يهود من نبوخذ نصر عبر المتوسط ونزلوا بالجزيرة التونسية المتوسطية الخلابة وقبلهم أهلها ووفروا لهم الملاذ الآمن.
وقد أورثت هذه الطوائف جزيرة أوديسيوس موروثا ثقافيا وحضاريا هاما وتقاليد وأعراف راسخة في القدم تميز جربة عن سائر مناطق البلاد التونسية وتطبعها بطابع خاص. فاللباس الجربي بالنسبة للرجال والنساء متميز، وكذا الأكل والمعمار الأبيض اللون في عمومه من بيوت ومساجد بسيطة البناء وقلاع حصون.
وتعرف جربة أنشطة ثقافية متنوعة ومهرجانات أهمها مهرجان أوليس (أوديسيوس) ومهرجان فرحات يامون للمسرح والفنون الركحية، ومهرجان الفيلم التاريخي والأسطوري باعتبار الأساطير التي نسجت حول الجزيرة. وهناك أيضا مهرجان الفخار الذي يحتفى فيه بصناعة الأواني من الطين، وللجرابة من أبناء قلالة باع في هذا المجال وتشهد منتوجاتهم إقبالا من السياح الأجانب والمحليين.
وفي حديثه لـ»القدس العربي» عن جربة يقول صفوان الزمرلي الأستاذ في الجامعة التونسية بأنه من عشاق جزيرة أوديسيوس أو جزيرة الأحلام وأنه طاف بجميع قارات العالم وأعجب بأماكن كثيرة، لكن يبقى لجربة سحرها الخاص وقدرتها على الجذب. فما يشاهده المرء في جربة لا يمكن مشاهدته في أي مكان آخر من العالم لأن جربة لا تشبه إلا نفسها.
ومن المؤكد، حسب محدثنا، أن أسطورة أوديسيوس أو أوليس لم تأت من فراغ وأن عرائس البحر الآسرات للقلب يرمزن إلى جمال الجزيرة الخلاب الذي يأسر الزائرين. وأنه لا بد من الحيلة مثلما فعل أوليس حتى يتخلص المرء من عشق جزيرة الأحلام وشواطئها التي لا يوجد لها مثيل في بلاد العرب.
ويضيف الزمرلي قائلا: «لقد أصبحت مدمنا على جربة ولا أشعر بالراحة في مكان آخر سواها خصوصا خلال الإجازة الصيفية التي يبحث فيها المرء عن الراحة والاستجمام. ويبدو أن أبنائي ورثوا هذا الحب ويصرون على أن تذهب العائلة باستمرار إلى هناك وبالتالي فقد وقعت عائلتي في فخ عرائس البحر وتعلقت بالمكان ولم تنج مثل أوليس أو أوديسيوس.
إن المرء ليحتار في أمره في جربة، هل ينزل بالفنادق الفخمة أم بالبيوت القديمة التي لها سحرها الخاص، وهل يسبح في الشواطئ الجميلة أم يقوم برحلة بحرية بإحدى السفن الترفيهية المخصصة للغرض. هل يلعب الغولف أم يتجول في الأسواق القديمة مقتنيا أروع التحف مطلعا على التراث المعماري والفني الغني لجربة. هل يزور الحصون والأبراج الأثرية المنتشرة على شواطئ الجزيرة أم يرتاد المساجد ودور العبادة …. إنها باختصار جربة التي تعجز الكلمات عن وصفها.
روعة قاسم