نخر الافساد الممنهج في المجتمع السوري لفترة قاربت النصف قرن التالية لانقلاب الثامن من آذار 1963م وما تلاه في العام 1970 م ليُصبح الفساد والافساد ناظمين لهذا المجتمع، تزداد فرص نجاح الفرد فيه كلما ازداد قدرةً على مجاراتهما لا رافضاَ أو رادّاَ لهما. وعلى درب المجاراة تلك أخضع المواطن السوري ذاته لاختبارات نفسية ليس بالضرورة أن تتطابق والمنطق لكنها تُكسبه إمكانات الانخراط والتسيّد في هذا المجتمع كسبيل وحيد للتكيّف معه وفيه، ولا يهمّ ما سيخسره أو سيفقده من القيم، فالوقت وقت تسيّد لا وقت قيم مثالية لن تنفعه في جمع ثروةٍ أو جاه تومئ السلطة له وتُغريه بهما. ببطء شديد تكاثفت في سورية الأسباب والمبرّرات لقيام ثورةٍ تطيح بالفاسد والمُفسِد والقناة الراعية لهما المتمثّلة بالسلطة الجاثمة على صدور السوريين طويلاً. غير أنّ تلك المجاراة كانت قد خلخلت حياة السوريين وتماسك مجتمعهم وسهّلت على السلطة قتل تلك المبرّرات التي خلقتها هي ذاتها على سكّة تاريخها الأسود الطويل. أمّا بقع الضوء التي ولّدها سلوكها وغطرستها فتكفّلت بها سجونها وزنازينها المنتشرة على طول البلاد وعرضها. ولأنّ السلطة المستبدّة ذاتها تحتاج أحياناً إلى الحرّية او ما يشبهها فقد شقّت نافذةً لربيع دمشق في بداية الألفية الثالثة سرعان ما استحال خريفاً حين نال من السلطة حنينها في العودة إلى سلوكها المتعجرف المعهود. وُلدت في سورية كلّ أسباب الثورة ومبرّرات قيامها العادل المحقّ، لكنّها ترافقت بنقائضها الكفيلة بإفشالها أو خلق استعصاءٍ مازالت تعيشه سورية منذ التاسع من آذار العام 2011م وبدء أحداث درعا وحوران والجامع الأمويّ في دمشق. وفي تجاهلٍ وإغفالٍ كبيرين للمستويات القياسية للفساد وغياب شبه كامل لأيّة نماذج أخلاقية يلتفّ حولها السوريون، استُحضِرت النسخة التونسية البوعزيزية على عجلٍ دون مراعاة الواقع السوري ولا سيما في جانبه القيمي والأخلاقي، ليبدو الشعب السوري جميلاً في ثورته قبيحاً في أخلاق السواد الأعظم من القائمين عليها والملتهين العابثين بمصيرها. ومرّة أخرى كان من شأن تلك المجاراة المجتمعية والخضوع والتمثّل لإفساد السلطة أن تقتل حالةً كانت ضرورية من القلق على الثورة لتصويب مسارها في المنعطفات المصيرية لها، ورفدها بالعناصر غير المفسَدة أو الأقل فساداً، الأمر الذي دفع تلك العناصر للانزواء أو البقاء على الهامش بعد حمل العناصر الأكثر فساداً – بحكم احترافها وتماهيها في المجاراة والتلوّن بمتطلّباتها – لشعارات الثورة. أُهملت ذات الانسان السوري التي كانت بحاجة لرعاية وعناية بعيداَ عن المواعظ لإدراك مسؤوليته الأخلاقية تجاه أقرانه ولو بحدودها الدنيا على الأقل وتقنين شهواته وأنانيته في ظلّ ثورة يكاد يغيب فيها أي فعلٍ ثقافي اجتماعي داخل المجتمع السوري كان واجباً أن يترافق والفعل الثوري. في إيطاليا اكتشف ‘ما تزيني’ بعد ثورته الأولى الفاشلة ضد الاحتلال النمساوي لإيطاليا المجزّأة أنه لم يفشل لقوة النمساويين بل لغياب التربية القومية عن الإيطاليين، الأمر الذي لجأ إلى تداركه فيما بعد لينجح مع ‘غاليبادي’ في تخليص الإيطاليين إلى الأبد من ظلمة الاحتلال النمساوي وتوحيد إيطاليا. لا يعيب أن نعترف أن السوريين بحاجة إلى تربية وطنية تحيل العيش والتعايش المشترك واقعاً معاشاً لا يافطة كاذبة، وتوحّد إراداتهم ضد مستبدّ بهم كاد يهلكهم جميعاً إن لم يتداركوا الأمر ويرموا خلفهم نزعاتهم المناطقية وبعض شهواتهم – التي ازدادت باضطراد مع تزايد العنف -لبناء وطن أكبر من أي فرد أو تكتل. والثورة فرصة ذهبية ومرانٌ ضروريٌّ على اكتساب وطنية جامعة لا سبيل فيها لمنافع شخصية آنية، وفرصةٌ لتوليد مزيج مبتكر يجمع بين غايات الفرد السوري ومطالب مجتمعه وضرورات تطوّره الطبيعية التي تتناقض مع استبداد النظام وكذلك مع معارضة مفكّكة ضعيفة هي نتاج مجتمعها الفاسد. حتى الآن يبدو أن الثورة في واد ورغبات السوريين في واد آخر مختلف تماماً، لكن بقع الضوء التي لا يخلو منها مجتمع السوريين في أيّ وقت من الممكن، بل ويجب أن تستفحل والثورة تشكّل الفرصة الأكبر لاستفحالها وانتشارها في كلّ الأرض السورية… والعقول السورية. عبد الحميد محمد