كثيرا ما تعمد أدبيات الخطاب الدبلوماسي إلى توظيف – في لغة صورية – الحيوانات وطباعها لوصف مختلف تحركات الأطراف المؤثرة في حل الأزمات أو تفعيلها. وقد نال الطرف الروسي من هذه التوصيفات الاستعارية نصيبه عبر التاريخ، المتمثل في الدبّ الذي بات يحتل بضخامته وضراوته معا- مركزية الاستقطاب في منطقة نفوذه التي لا يقبل فيها نقاش ولا سجال.
ولا ننسى أيضا أنّ الدببة، عندما تفيق من نومها بعد شتاء طويل، يدركها جوع لا يقبل اشباعه مساومة من يهبّ في مدارها …
يبدو أن قصة الحيوانات وطباعها لم تغادر الحراك الدولي، وعندما أعطت غير ذلك من الانطباع فلوهلة قصيرة فقط وقصيرة جدا.
فممثل الدببة الروس الحالي، فلاديمير بوتين، صار يكاد يملك زمام الأمور الكامل في واحدة من أبرز الأزمات الدولية الراهنة، الأزمة السورية. ونريد في هذا المقال إثارة الانتباه إلى نقطة تبدو لنا اساسية في الحراك الدبلوماسي الراهن، وهي براعة الدبلوماسية الروسية في فحص الوضع بتسخير مجهرها لخدمتها بالكامل، مدعية أن ما تفعله إنما هو لمصلحة الوضع الدولي طبعا.
الكل ، أو تقريبا، سرّ من هذا التعليق المفاجئ في الظاهر- لفورة الوعد والوعيد والوعد والوعيد المضاد، والتلويح بالضربات على سورية والجدال البيزنطي حول مدى مطابقتها للشرعية الدولية. الكل بدا مرتاحا ليستمع بآذان صاغية لكلمة واحدة ـ مراقبة- ما أن نطقت بها الدبلوماسية الروسية حتى بدا الجميع وكأنه صف من التلاميذ – سمه المجتمع الدولي ـ تفرق مرحليا فانتظر صفارة الإعلان عن نهاية الاستراحة حتى يلتئم من جديد تحت القوام الغليظ للدب المغوار.
نقترح وضع السلاح الكيماوي في سورية تحت المراقبة الدولية، قال آل الكرملين.. كأن الجملة قامت مقام الكلمة أو الجملة السر- أو ورقة المرور باتجاه انقشاع الغيوم وتبدد ظلمات سماء تلبّدت بأبشع مظاهر الاقتتال وأكثر أجواء الاحتقان اختناقا.
سنضع الكيماوي السوري تحت المراقبة الدولية. يقول الدب الروسي وهو يخطو خطواته المتّئدة البطيئة، ولكن في نفس الوقت الثابثة على موقفها لا يزعزعها عن مطرحها حسيب ولا رقيب.
قد يقول قائل: ولكنهما حسيب ورقيب جديران بالدفع نحو مزيد من الاستقرار. فلم لا نقبل بهما؟
ولكن قد يقول قائل غيره أيضا: إنهما حسيب ورقيب جديران بالدفع نحو مزيد من الاستقطاب. فشبه الاجماع الدولي الذي أعطى بطاقة بيضاء للنظام السوري وأخرى للنظام الروسي لم يكرسا في الواقع الا حالة الاستقطاب التي عودتنا عليها اجواء الحرب الباردة، بمحوريها الشرقي والغربي المدعومين من أطرافهما التقليدية، لكن الجميع وقع في فخ الإيمان بأن شبه الاجماع هذا تمهيد لتوحيد دبلوماسي دولي خليق بإنشاء نظام عالمي سلمي، سمه مثلا نظام ما بعد النظام الدولي الجديد.
ولكن رياح الدبلوماسية غالبا ما لا تجري على ما تشتهي السفن. وهذه المرة تعبّ السفن في مياه ساخنة تنتظر بحارها اللجوجة أقرب فرصة لإيقاظ أمواجها العاتية.
فهناك أولا أمواج النظام السوري، الذي بدأ الآن ينقل ترسانته النووية الى أماكن ‘آمنة’، يراها هو موجودة في لبنان والعراق.
ثانيا هناك امواج المعارضة، التي أعربت، وبقوّة، عن شعورها بالخذلان، وأنها ما لم تعد تستطع التعويل على الدعم الدولي فإنها ‘ستحارب النظام بمفردها’.
ثالثا ولعله الأهم هناك الأمواج الروسية، وربما تكون أخطرها لأنها ليست عاتية في الظاهر، بل هادئة جدا. ولكن الأمواج الروسية – التي يبدو وكأن لا شيء يطفو على سطحها ذات وقع قوي، فهي وليدة دبلوماسية الأنفاق. ودبلوماسية الأنفاق والصفقات الخفية والمساومات الدائمة أقامت منذ زمان اسوارا حولها، ودائما اصطدمت بهذه الأسوار مبادرات سيئة الاعداد، ضبابية الترتيب، غامضة المعالم كتلك التي نرى الآن والتي لا زالت تتوالى أمام اعيننا وما برحت تصكّ أسماعنا.
أثمة من يتصور في الوسط الدبلوماسي المحنّك ان روسيا ستتخلى عن مصالحها في سورية بهذه البساطة؟ أثمة من يتصور أن بوتين لم يحسب حسابه مما يراه المجتمع الدولي معضلة إيرانية وهي لا تمثل له سوى ارضية خصبة لكسب أحد اكبر الأطراف تأثيرا في المنطقة غدا؟ المجتمع الدولي لم يرسخ وجوب الدخول في المعترك بخطوة مكنت له، لو نفذها، من إحلال توازن حكيم محلّ توازن الرعب. وليست الخطوة التي نعنيها تتمثل بالضرورة في ضربات، فقد كان ممكنا أن تتبنى المزيد من الحزم، كاعتماد صرامة لا تقبل التفريط في شكل سلسلة تدابير حظر على سورية بدل التقاعس المتواصل العقيم.
خلاصة القول: كنا نتوقع الا يخفى على المحنكين وجه دبلوماسية بوتين الحقيقي التي يتقاسم فيها استقطاب الدب مكر الثعلب.
‘ باحث أكاديمي فرنسي