بادرة أمل لإنهاء الحرب الأهلية في سورية’

حجم الخط
3

الاتفاق الذي توصل إليه وزيرا خارجية الولايات المتحدة جون كيري والروسي سيرجي لافروف بخصوص التخلص من أسلحة سورية الكيماوية يغذي الآمال باحتمالات التوصل إلى حل سياسي ينهي الصراع الدامي الذي أودى بحياة أكثر من 100 ألف سوري على مدى أكثر من سنتين.
أحداث سورية الدامية غير قابلة للحسم العسكري كما أثبتت الأحداث، والنظام السوري غير آيل للسقوط بدون تدخل عسكري خارجي واسع النطاق، وهو احتمال غير وارد على المدى القصير.
ما يجري في سورية شديد التعقيد وتتداخل فيه قوى وعوامل ومصالح عديدة ومتباينة الفعل، لهذا ليس من الموضوعي التعامل مع ما يحدث في سورية’بالأبيض والأسود للأسباب التالية:
1- عندما اندلعت الثورة في سورية قبل أكثر من عامين كانت تغلب عليها السمة الشعبية المدنية المطالبة بالإصلاح السياسي أولاً، ثم برحيل النظام الذي حكم البلاد بقبضة حديدية وقمع معظم الشعب لمدة أربعين عاماً. لكن ظهور الجماعات المسلحة وبعضها إسلامية متطرفة لها ارتباط بالقاعدة جرف الثورة الشعبية إلى هاوية الاقتتال الطائفي المسلح وحولها إلى حرب أهلية.”
2-‘تدخلات القوى الإقليمية والدولية في الحرب السورية (روسيا وإيران وحزب الله إلى جانب النظام، تركيا والسعودية وقطر ومن ورائها الولايات المتحدة إلى جانب الثوار)، كرس تحول الثورة السورية إلى حرب أهلية جعلت البلاد مسرحاً لخوض المعارك الإقليمية والصراعات الدولية.
3- لا يمكن إعفاء أي من طرفي النزاع في سورية من الذنب، فالنظام كان البادئ بالقمع الوحشي للمتظاهرين السلميين في أوائل أيام الثورة وقصف أحياءً مدنية في حمص وغيرها بهمجية. ولكن عدة جماعات مسلحة من التي تحارب النظام ارتكبت فظاعات أيضاً. فإحداها’قامت ‘بإعدام’ طفل في الخامسة عشرة من عمره أمام أهله بتهمة أنه تفوه بإساءة دينية. وأخرى قام أحد قادتها بتناول أعضاء بشرية لعسكري سوري قتيل لإرهاب أعدائه. مجموعة قامت بقتل سبعة جنود سوريين أسرى بعد ضربهم بوحشية، حسبما أظهر شريط فيديو بثته الجماعة بدلاً من احترام حقوقهم كأسرى حرب. وجماعة أخرى اختطفت رجل دين مسيحيا وقتلته بقطع رأسه متهمة اياه بالتعامل مع النظام.
فكيف ستتصرف هذه الجماعات لو سقط النظام وأصبحت هي في السلطة وهل ستظهر احتراماً أكبر لحقوق الإنسان مما يظهره النظام؟ تقرير للأمم المتحدة صدر حديثأ’أفاد بأن طرفي النزاع ارتكبا جرائم حرب، والقتلى الذين فاق عددهم الـ100 الف لم يقتلوا جميعهم على أيدي النظام، بل قتل عدد كبير منهم على أيدي الثوار.
4- قبول النظام السوري بالتخلي عن أسلحته الكيماوية لا يشكل نصراً بالنسبة له، كما يدعي، بل من أجل الحفاظ على ماء الوجه، ودلالة على أن النظام فهم أن عليه أن يساوم ويقدم تنازلات جذرية، وهذا يفتح الطريق أمام مفاوضات لإنهاء النزاع، والخوض في عملية إصلاح سياسي جذري في سورية، تؤسس لعقد اجتماعي سياسي جديد، إذ ليس من الممكن للنظام أن يعود إلى سابق سطوته بعد كل الذي حدث، والتنازل الذي قدمه بخصوص التخلص من أسلحته الكيماوية يدل على ذلك.
5-‘يحتاج ملايين السوريين الذين شردوا من بيوتهم خارج وداخل سورية ويعيشون في بؤس وشقاء، إلى حل ينهي العنف ويمكنهم من العودة إلى ديارهم.””’
من اللافت أن كيري صرح أمام لجنة الشؤون الخارجية للكونغرس الأمريكي في 4 ايلول/سبتمبر بأن بعض الدول العربية التي لم يسمها قد عرضت ‘مبالغ كبيرة من الأموال’ لتمويل ضربة عسكرية ضد سورية تقودها الولايات المتحدة، بل أن بعضها ‘تعهد بتحمل كامل الكلفة’ في ما لو كانت الولايات المتحدة ‘مستعدة للقيام بالموضوع برمته كما فعلنا سابقاً’، في إشارة ضمنية للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي أطاح بنظام صدام حسين.
ولكن كيري أردف أن عملاً عسكرياً ضد سورية بهذا الحجم غير وارد. والسبب في أن واشنطن لا تريد القيام بعمل مباشر لإسقاط نظام الأسد عنوةً، كما يقول الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لأن إدارته استفادت من دروس غزوها للعراق، إذ أنها تحملت اللوم على جميع التطورات اللاحقة في ذلك البلد. وإن دل قول أوباما هذا على شيء فإنه ينبئ بأن الرئيس الأمريكي يدرك أن أي تدخل عسكري خارجي يؤدي لسقوط النظام في سورية سيفتح الباب على مصراعيه لزيادة اشتعال المعارك الطائفية البشعة التي نراها في سورية الآن، في ظل غياب أي قوة أو جهة ذات مصداقية في صفوف الجماعات المسلحة التي تحارب النظام، والتي لن تستطيع فرض الأمن والنظام وتوفير الأمان للشعب السوري بعد طول المعاناة والحفاظ على البلاد مستقرة وحتى موحدة.
يتمنى المرء لو أن الدول العربية التي لم يسمها كيري (ومن شبه المؤكد أن تكون المملكة العربية السعودية وقطر ودولا أخرى في مجلس التعاون الخليجي) التي استعدت لدفع نفقات حملة عسكرية لإسقاط النظام السوري، قد تعلمت من تبعات التدخل الخارجي لإسقاط الأنظمة، بدلاً من تركها لتسقط على أيدي شعوبها.
فالعراق ما زال يعاني – بعد عقد من الغزو الأمريكي – من ويلات العنف الطائفي، الذي تبع انهيار النظام والدولة في العراق من جراء ذلك الغزو، ومن ضعف الحكومة المركزية، خاصة إزاء إقليم كردستان الذي بات يتصرف وكأنه دولة مستقلة ويسعى لتصدير نفطه عبر تركيا بدون موافقة الحكومة المركزية في بغداد.
كما أن الحرب الأهلية المستعرة في سورية تفاقم الاستقطاب السياسي والطائفي في العراق، وتساهم في دفع أجزاء من البلاد إلى مستوى من العنف الطائفي، الذي اعتبره البعض حرباً أهلية في الفترة 2005-2008. ويجدر بنا هنا أن نستذكر أن السعودية، على الرغم من عدائها لنظام صدام حسين، أبدت معارضتها قبيل الغزو الامريكي عام 2003 لأي تدخل عسكري أجنبي ضد العراق، حيث حذر وزير الخارجية سعود الفيصل في أكثر من مناسبة قبل الغزو من نتائجه ومن اندلاع الفوضى والانفلات الأمني، ومن أن السعودية لا تريد صومالاً ثانياً على حدودها الشمالية.
فما الذي تغير الآن؟ هل الاختلاف يكمن في عدم وجود أية حدود لسورية مع أي من دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي فلا خوف من استمرار العنف والفوضى لسنين طويلة طالما أنها ليست محاذية تماماً لأي من دول المجلس، وبالتالي فالفوضى ليست مرشحة للانتقال لأي منها؟ أم أن اعتبارات المواجهه السياسية الإقليمية مع إيران والرغبة في إلحاق هزيمة بنظام حليف لها في دمشق يأتي فــوق أية اعتبارات أخرى؟ أم الاثنين معاً وهو الأرجح؟
دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة توظف جزءاً لا يستهان به من ثرواتها المتراكمة، من عائدات تصدير النفط والغاز، في تنمية مجتمعاتها وتنويع اقتصادياتها، عن طريق الاستثمار في صناعات مكملة لصناعاتها النفطية كالبتروكيماويات والألمنيوم والتعدين، وخلق مجتمعات معرفية وإكساب الأجيال الصاعدة مهارات علمية ومهنية متقدمة، عن طريق إنشاء الجامعات والمراكز البحثية الملتزمة بأرقى المستويات العلمية. وهذه كلها أوجه إنفاق حكيمة تدل على توجهات تنموية صائبة، وهي أجدى بكثير من انفاق الدخل المتأتي من المصادر الطبيعية للاسهام بإسقاط نظام عربي آخر مهما كانت مساوئ ذلك النظام.
وإذا أرادت دول مجلس التعاون الخليجي مساعدة شعوب عربية أخرى فبإمكانها توظيف بعض ثرواتها للاستثمار في مشاريع اقتصادية وعلمية مجدية في دول عربية أخرى (بدلاً من منح المساعدات المالية المباشرة لحكومات تلك الدول) لتساهم في خلق تنمية اقتصادية مستدامة، وهذا بالتالي يساعد على استباب الاستقرار الأمني والسياسي.

‘ صحافية عربية مقيمة في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية