كان هذا قرارا عاديا آخر، أكد فيه الكابنت مشاركة إسرائيل في الخطة الإقليمية الجديدة للاتحاد الأوروبي: «التعاون الذي يتجاوز الحدود في إطار خطة الجيرة الأوروبية: خطة حوض البحر المتوسط 2014 ـ 2020». ولكن في اللحظة الأخيرة، أعربت الوزيرة ميري ريغف عن معارضتها لإقرار الاتفاق بدعوى أن الخطة لا تنطبق على القدس، يهودا والسامرة وهضبة الجولان وفقا للموقف الأوروبي التقليدي. في أعقاب المعارضة، ستجري الحكومة بحثا آخر على الاتفاق.
إذا كانت وجهتنا نحو النقاش الجاد، فلا ينبغي حصره بهذا الاتفاق، بل بأطر اخرى للاتحاد الأوروبي ـ كتلك التي تشكل أساسا لدعم الاتحاد للنشاط المتعارض مع اتفاقات أوسلو، كالبناء العربي والأوروبي غير القانوني في المنطقة ج، وكتمويل كبير لمنظمات إسرائيلية وفلسطينية تعمل على حملة نزع الشرعية عن إسرائيل.
منظمات مناهضة لإسرائيل، بل ولا سامية أحيانا، تحظى بتمويل في كل سنة من ميزانية خطة الجيرة الأوروبية. أحد الأمثلة هو المركز للثقافة الشعبية (PAC)، ففي شباط 2016 نظم المركز مناسبة على شرف «الشهداء الفلسطينيين»، الذين هدمت منازلهم، بمشاركة أبي «الشهيد بهاء عليان» ـ أحد المخربين اللذين نفذا العملية في باص في القدس في تشرين أول 2015، وفي أثنائها قتل ثلاثة إسرائيليين. وتضمنت المناسبة عرضا موسيقيا تحت عنوان «لن نضع سلاحنا».
منظمات أخرى تتمتع بمنح مشابهة أقامت مدارس على أسماء مخربين معروفين، واستضافت رجال حماس والجبهة الشعبية الذين تحدثوا أمام الشباب عن «السبل لتمكين الشبيبة الفلسطينية».
في أطر أخرى، يحول الاتحاد الأوروبي تمويلا كبيرا أيضا لمنظمات مثل «نحطم الصمت» و «بتسيلم». لا توجد حالة مشابهة في العالم يستثمر فيها الاتحاد الأوروبي في دولة ديمقراطية أموالا بمثل هذا الحجم، والتي تترجم في معظمها إلى نشاطات سياسة الحكومة المنتخبة. إن دول الاتحاد الأوروبي تسحق السيادة الإسرائيلية. والتمويل للمنظمات الفلسطينية يشهد على انعدام التحكم والرقابة، ويشكل تذكير للشكل الذي من شأن أطر «إيجابية» من الاتحاد الأوروبي أن تلحق ضررا جديا.
المثال الأبرز على ذلك هو «شراكة أوروبية ـ البحر المتوسط» الذي أطلق في مؤتمر برشلونة في 1995. فقد تعهدت أوروبا بصب المليارات في الاقتصادات المتعثرة والدكتاتوريات الوحشية في شمال أفريقيا وسورية، في محاولة فاشلة لمنع الهجرة الجماعية إليها. في أعقاب المنافسة مع الأمريكيين على «المسيرة السلمية» استدعت بروكسل الأردن والسلطة الفلسطينية بقيادة عرفات للمشاركة في البرنامج. وفرحت حكومة إسرائيل في حينه على ذلك، إيمانا منها بأن الإطار سيوسع إمكانات الحوار والتعاون.
والآن، حين تكون شراكات في إطار مشابه مرة أخرى على جدول الأعمال من المهم أن نتذكر ثمن القرار إياه. فقد فتح اتفاق برشلونة الباب لموجة تدخل أوروبي في السياسة الإسرائيلية الداخلية، وأساسا من خلال منظمات سياسية تدّعي العمل على الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتضمنت المنح الأوروبية عشية انتخابات 1999 مبلغ 400 الف يورو لـ «السلام الآن» بهدف إقناع «المهاجرين من الاتحاد السوفييتي، المعروفين لمعارضتهم للسلام وتصويتهم التقليدي لليكود»، 250 ألف يورو لحركة «أربع أمات» لتشجيع الضغط للانسحاب من لبنان و 400 ألف يورو لمعهد «الديمقراطية والزعامة» خصصت للتأثير في السياسة الإسرائيلية. وقد سربت هذه المنح من وثيقة سرية للاتحاد الأوروبي.
الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومثل هذه المنظمات تعززت منذئذ بشكل كبير. ولكن بدلا من الشفافية الحكومية، تجري عملية اتخاذ القرارات بسرية وكأنها سر عسكري حساس للغاية في أوروبا. ويواصل الزعماء تبرير ذلك بمبررات هزيلة في أن التمويل مخصص لـ «مشروعات» وليس للمنظمات نفسها.
ان «خطة الجيرة الأوروبية» الجديدة قد تكون مختلفة عن تلك في 1995، ويمكنها ان تجدي إسرائيل. ولكن التجربة الثابتة تفيد بأنه يكمن فيها ثمن سياسي جدي. إن البحث المرتقب في الكابنت في مسألة الانضمام إلى الخطة، ورد فعل الاتحاد الأوروبي على ذلك، يمكنه بالذات ان يؤدي إلى منظومة علاقات أفضل وأكثر سلامة.
إسرائيل اليوم 26/12/2017