إحدى النساء ردت على قصيدة قصيرة كتبتها بعد قتل إبراهيم أبو ثريا، مبتور الساقين الذي تظاهر ضد تصريح ترامب في غزة. هذا الرجل فقد ساقيه في قصف جوي على غزة في إحدى هجمات الاحتلال في 2008. دولة إسرائيل حولته إلى معوّق، لكن بقيت يديه من أجل رفع علم فلسطين، ولسانه من أجل الدعوة لتحريرها.
الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام العالمية وجدت لنفسها أيقونة وقصة صادمة للحديث عنها والانشغال بها لبضع ساعات بعد أن أصبح رشق الحجارة وإشعال الإطارات وتظاهر آلاف المواطنين في كل العالم، لا يحرك أحد. مثل أبناء شعبي، ومثل بني البشر الذين لديهم مشاعر معقولة، فإن عقلي لا يستطيع تحمّل وفهم الشر الذي ملأ قلب الجندي الذي أطلق النار على إبراهيم. كتبت عن احتجاج المعوّق الفلسطيني قصيدة بالعربية والعبرية واعتقدت بسذاجة أن الربط بين كلمة «احتجاج» و»معوّق» ستذكر قراء العبرية بصور أشخاص آخرين على الكراسي المتحركة وهم يغلقون الشوارع احتجاجا على تنكر الدولة لهم. ردود مشفقة ومماثلة كانت متوقعة من قبل أصدقائي العرب واليهود في اليسار، من أوساط اليمين في الشبكة تلقيت ردودا على صيغة «هو يستحق ذلك»، «كلب آخر مات»، «هكذا سيتعلمون الدرس»، وردود أخرى حذفتها بغضب.
عندها وصلتني هذه الإجابة: نحن لا نهتم بمعاقينا ـ فهل تريدين منا الاهتمام بمعاقيكم؟ فكرت في ذلك كثيرا، الافتراض الأساسي في أساس الرد هذا هو أن هناك نحن وأنتم. هناك يهود غالين جدا وهناك عرب أقل قيمة. أنا أفترض أنه لا يوجد هنا اكتشاف مثير ـ هذا واضح لمن عاش بوعي الشعب المختار ـ لكن هنا أيضا اليهود هم فعليا «ضحية».
لقد صدمتني حقيقة أن تلك المرأة اليهودية نفسها (التي يوجد لها صديقة عربية في قائمة الأصدقاء في الفيس بوك) تقسم وتصنف البشر حسب القومية. تذكرت «قم ببيعها الشوكولاتا، هل هي عربية؟»، هذه الجملة التي قالها مسافر في الطائرة للمضيفة. وكما يوجد مسافرون عرب ومسافرون يهود، هناك معاقون يهود ومن بينهم معاقون في الجيش الإسرائيلي، وهناك معاقون عرب وكل واحد منهم يتم التعامل معه بطريقة مختلفة.
يبدو أنه حسب رأي معظم اليهود في إسرائيل، يوجد معاقون في العالم لا يجب علاجهم. في حالة أنهم فلسطينيون، أيضا لا يجب الحزن عليهم، إذا قتلوا برصاصة في الرأس فإن المعوّق يجب الاهتمام به بشكل أقل. ردها كان وكأنه لا يكفينا هؤلاء الطفيليين المتقاعدين في إسرائيل. والآن تريدين أن نذرف الدموع على معوّق فلسطيني من غزة؟
أردت تذكير اليهودية بأنها مولت القذيفة التي تسببت بإعاقته، لكن أقوال كهذه كانت ستعتبر عنفا نفساني حقيقيا من ناحيتي ضد اليهودية الحساسة. حسب علمي، اليهود في إسرائيل لا يهتمون بالمعوّقين، وحتى بمعوّقيهم.
الإعاقة هي عيب وهم يهتمون في هذه البلاد فقط بمن هو يهودي معافى وكامل. من الأفضل يهودي من نوع وجنس معين، أي الأبيض، لأن اليهودي الذي يشبه العرب، يهودي عربي، يهودي شرقي، يهودي أسود ـ كل هؤلاء غير لائقين. ولا نريد الحديث عن المعوّقين من بينهم. فكرت في داخلي ماذا سيحدث إذا تحولت غدا إلى معوّقة، أنا الفلسطينية مواطنة إسرائيل؟ أين سأضع نفسي في سلم بني البشر، من الزائدين وحتى المختارين؟ أين سيتموضع مثلا طالب اللجوء الذي قطعت رجله في حادثة عمل؟.
أنا أصمم على الحداد على عربي معوّق من غزة، الذي زحف خلف جدار الفصل ورفع رأسه مع علم فلسطين، وأنا أيضا أريد أن يبكي معي الكثير من اليهود ـ هذا في الحقيقة شيء لا تستطيع «النفس التواقة» أن تستوعبه. فلسطيني قطعت رجله قذيفة إسرائيلية وليس حياته ـ هذا شيء لا يجب أن يحدث حسب قواعد اللعب المتبعة هنا الآن ـ هذا يشوش الأخلاق اليهودية.
أنا ممتنة لجهاز التعليم الإسرائيلي الذي علّمني (برغم أنفي كطالبة عربية في المرحلة الثانوية) تأريخ أوروبا بين الحربين العالميتين. في جيل 15 سنة اعتقدت أن هذا هذيان، أن هذا القدر من الشر الذي اندلع في أوساط بني البشر في مكان ما في أوروبا، لا يمكن أن يكون من عالمنا.
معلم التأريخ لم ينجح في إعطاء لاجئة من القرية المجاورة تفسيرا مقنعا لِمَ كره هتلر اليهود إلى هذه الدرجة، واكتفى بالقول إنه لم يحتمل المعوّقين، الغجر والسود، وأيضا العرب كان سيأتي دورهم بالنسبة له. لو كان هتلر انتصر، لكان سيأتي دورنا، قال المعلم، لكن من أجل تهدئتي أضاف أن أمم العالم تعلمت الدرس من هذه الحرب، الأمر الذي يضمن أن هذه المأساة لن تتكرر.
المعلم لم يعد بين الأحياء، لكن إسرائيل 2017 علمتني درسا بالمجان في كراهية ونزع الإنسانية عن مجموعة سكانية كاملة أنا جزء منها. أنا أرى بأم عيني وأجرب على جلدي يوميا كيف أن حكما وسيدا بمساعدة صحيفة يمكنهم تحويل نساء ورجال عقلانيين ومنطقيين، يمكن أن يكونوا أصدقاء أو جيران لي، إلى أشخاص هستيريين لا رحمة في قلوبهم. أو في الأقل ليس لهم تفكير مستقل، ولا أية مسؤولية أو التزام أخلاقي. كلهم يعيشون في موقع التراث الذي يسمى «لن يتكرر هذا أبدا».
هكذا يبررون نظام الكراهية والاحتلال الذي يتطور هنا. وكأن هذا هو مصير الأمة وليس بالامكان الهرب منه. ملايين اليهود ينامون بهدوء في الدولة القومية للشعب اليهودي مع معرفة أن جيشهم يقوم بحماية الوطن، وأن أولادهم يقتلون المزيد من الفلسطينيين من دون كوابح وقواعد. أحيانا يستيقظون من صفعة على وجه جندي، لم يكن فظا كما هو متوقع تجاه فتاة فلسطينية أصرت على العيش في ساحة بيتها من دون احتلال.
هآرتس 26/12/2017