الحداثة وهوس الارتياب من ضواحي العالم

تتسم مقاربة ما يعانيه العالم من توترات سياسية وأمنية،على ضوء استفحال ظاهرة التطرف الديني، بتشعبها المتعدد الأبعاد، وبقابليتها للتناول من زوايا متعددة، قد تتيح لوِدْيان الدم المزيد من التدفق، استجابة لسجية مُرِيقِيها، فالحرب قائمة دائما أبدا، في البرِّ كما في البحر، تحت الأرض كما في السماء، ونيرانها جد مستعرة في الأمزجة وفي اللغات، وفي كافة ما تعزفه الأجساد من إيقاعات، خلال مواجهاتها اليومية لأعدائها المحتملين، سواء كانوا حاضرين في الحلم أو اليقظة، في الواقع أو في المتخيل.
وتلافيا لاحتمال تورطنا في إثارة القضايا العامة المحايثة عادة لهذا الموضوع، سنكتفي بتناوله من الزاوية التي يحضر فيها الجسد الإسلامي على امتداد فضاءات معلومة، هي فضاءات الغرب، بوصفه جسدا إرهابيا، وهي بالتأكيد زاوية جد منحرفة عما عودتنا عليه الخطابات الإنسانوية المغرقة في تبشيرها، بإمكانية تحقيق تفاهم حضاري عادل ومتكافئ بين شعوب الأرض، بعيدا عن أي نعرة عرقية أو دينية، كما أن انحراف هذه الوجهة عما يوسم عادة بالمسار الحضاري الكوني، سوف تتأكد حالما نفكر في تفكيك الخطابات الإعلامية المواكبة لصورة الآخر/العربي المسلم، كي يصبح جراء هذا التفكيك، موضوع اتهام مباشر، ومعزولا تماما عن أي حصانة حضارية، كما أنه سيُجَرَّد من أي اعتراف ثقافي. بمعنى أنه سيصبح وحيدا في مواجهة بؤس ورعب قدره ومصيره، بوصفه محض جرثومة إرهابية، ومجرد قاتل وسفاك دماء. وهي رؤية أمست في العقود الأخيرة مهيمنة على المشهد الكوني، من منطلق اعتبارها للآخر ـ شبيهك تماما ـ المنتمي إلى ما أسميه بضواحي العالم، الآهلة بحشود كبيرة من سلالتنا، نواةً خصبة قابلة لإعادة إنتاجه خارج سلسلة الخطابات الفضفاضة، التي كانت إلى وقت قريب، حريصة على دمجه ضمن آفاق التواصل المثالي والنموذجي، الكفيل على حد مقولاتها، بصياغة خريطة طريق جديدة، نحو آفاق إنسانية مشتركة، تساهم في تحديثها البشرية جمعاء، بصرف النظر عن هوية تفريعاتها العرقية اللغوية أو العقدية. وكما هو ملاحظ، فإن هذه الصورة، هي نتاج تحوير عدواني، يطعن في مضمون الفكرة القائلة، بأن معظم اللحظات التاريخية التي عاشت إقلاعها الحضاري، وتفاخرت بمساراتها أمم وشعوب، اقترنت أساسا بتلك الحاجة الماسة إلى التواصل الإنساني والحضاري مع الآخر، بما هو مصدر معرفةٍ وثقافةٍ ممهورة باختلافاتها الخلاقة، وهو شيء لا يتحقق إلا عبر فعل التواصل الإنساني والحضاري، الذي يحتل فيه الاعتراف مكانته المركزية، وقد تحول إلى جسر ثقافي، يمارس فضيلة الربط بين فضاءات، تتسم عادة بعمق تنوعها واختلافها، حيث يتحقق الانفتاح الجزئي أو الكلي على الخلفيات الفكرية، التي تتشكل بها حضارة هذا الآخر المتعدد، وهو ما يساهم في تفاعل الخصوصيات، وفي إغنائها، كي تمتلك قدرتها على التلاقح والتفاعل مع غيرها من المرجعيات الثقافية، بصرف النظر عن مقولة العرق، الجنس، اللغة أو الدين. ولنا في اللحظات التاريخية الكبرى التي شاهدتها الحضارات الكونية، خير دليل على هذه المسلمة، حيث كان الاعتراف وسيظل، حاضرا وبقوة، باعتباره أداة فعالة لردم الحواجز القائمة بيت الشعوب، سواء على المستوى الاقتصادي الاجتماعي أو الثقافي.
غير أن الاعتراف كقيمة إنسانية وثقافية، يظل جاهزا وفي أي لحظة، كي ينقلب إلى حالة متفاقمة من الارتياب الفادح، الذي يحتل حيزه الكبير في علاقة «المراكز» العالمية بـ»ضواحيها»، خاصة منها العربية والإفريقية، التي لا تتوقف تحت وطأة مواسم التهجير الدائمة،عن تقيؤ المزيد من الأجساد، المهددة في كل لحظة بالتحول إلى جثث في عالم الواقع، كما في كوابيس المتخيل.
ومن المؤكد أن تضاعف ارتياب المراكز العالمية من دموية الرؤية المعبأة بتعاليمها الدينية، لدى ضواحي العالم بدون استثناء، جعلها تنظر إلى ساكنتها باعتبارها كائنات غريبة، متلفعة بغموض يستدعي توخي الكثير من الحذر في أي تفاعل اضطراري معها، فهذا الغريب/الآخر، من المحتمل أن يكون وبدون سابق إنذار، قنبلة جاهزة لانفجارها العشوائي، وهو اقتناع إشكالي قد يكون فرديا، كما قد يكون من طبيعة جماعية. وما دام البعد الفردي يظل محصورا في حلقته الضيقة، فإن اﻹشكال يحتد حالما يصبح شأنا مجتمعيا. إذ كلما تضاعفت حالة الإحساس الفردي بحضور تهديد فعلي من قِبل «عدُوٍّ ما»، إلا وأمست ظاهرة مجتمعية، تضطلع بدور تصنيع عدُوٍّ، قابل لأن يتجاوز حدود الآخر/الغريب إلى مستوى الآخر/العدو القاتل، وهذا التصنيع يستند في آلية اشتغاله إلى مبدأ نموذج سبق أن أكد دمويته على المشهد الدولي، وأصبح قابلا للتعميم على غيره من الأفراد المؤهلين لأن يتحولوا على جناح السرعة، إلى «جيش عرمرم» غير مرئي، مجرد من كل حس عقلاني أو إنساني.
ومن البديهي أن الأحداث المأتمية التي يحدث أن تقع هنا أو هناك، تساهم بشكل مباشر في تضخيم الإحساس بالخطر، وفي قابلية تطوره إلى حرب، يقتضي اشتعالها العمل على تشكيل جيش بالمفهوم التقليدي والمباشر للكلمة، والممهِّد حتما لما لا حصر له من المجازر المؤدية عمليا لمستويات متعددة من التطهير العرقي. من هذا المنطلق يمكن القول، إن خطاب الحداثة المركزية، الذي يجد صدى له أيضا في الهوامش والضواحي، يلجأ إلى توظيف البعد العسكري في تجسيده للخطر المقبل من قلب المجهول، وفي تعريضه بالأعداء الجدد الذين لا تكف الحداثة ذاتها عن إنتاجهم.
إنه الجيش الغامض اللامرئي بخطره المحدق والمهدد للأمن الجهوي والإقليمي والعالمي، كما إنه الخطر ذاته الذي يتجاوز حدوده الجغرافية، كي يكتسح السماوات والأراضي السبع، دون أن يحتاج بالضرورة إلى إذن للمرور، ما دام خطرا غير مرئي أصلا، وغير مكشوف، وهو ما يؤدي إلى تصاعد حدة الارتياب، نتيجة الاقتناع باستحالة رسم خط أمان فارق بين مكمن الخطر، والمكان المُستهدف بالتهديد، فالعالم من وجهة نظر الحداثة المغلوبة على أمرها، أمسى عرضةً لمباغتةِ جيش غير مرئي، حيث ما من مساحة فارقة، تفصل بين القاتل الافتراضي والضحية، ولعل العجز عن تحديد المساحة الفارقة، هو ما يضاعف من خطورة مفهوم الجيش اللامرئي، العدو، ويجعله أكثر رعبا، لأن الجيش حينما يتم تحديد موقعه، عددِه وعُدَّتِه يصبح قابلا للمواجهة، إلا أنه وفي حالة امتزاجه التام بالهواء وذوبانه في الماء، وأيضا في الطقوس اليومية والمجتمعية، لا يلبث أن يطمس ملامح اللحظة التي سيضرب فيها الأمكنة، والأجساد والقيم والمنجزات التاريخية. فالعام كله، مُعَدٌّ الآن بعناية، ليكون موضوع هجوم وموضوع اعتداء وموضوع إبادة، كما أن الهوس الإعلامي بتضخيم حالة الخطر، يساهم في مضاعفة الوعي برعب الجيش اللامرئي، وبالتالي فإن أهم سمات الحروب الجديدة، هي تلك المجسدة في شراستها الممنهجَة ضد المجهول.
باتت الأنظمة العالمية تخشى انطفاء جذوة العدوانية لدى مواطنيها، كما تتهيب من إجهاز حالة الطمأنينة والإحساس بالأمان، على غريزة التوجس والقتل في فضاءاتها العامة والخاصة. بمعنى أنها حريصة أكثر من أي وقت آخر،على إبقاء البعد البدائي حيا ويقظا لدى شعوبها، لأن الأشواط الكبيرة التي قطعتها الحداثة في توفير شروط الرفاهية، إلى جانب القوانين الدولية التي تقوم بأدوار ردعية ضد مختلف الخروقات، ذات الطابع الهيمني المضمِرة لنزعة الاستحواذ على الآخر، كلها أسباب من شأنها توفير مساحة كبيرة من الطمانينة والإحساس بالأمان، وهو ما يعتبر بمثابة تهديد مضاد لإمكانية قدرة ساكنتها على استعادة عنفها، وحماية ذاتها من أي هجوم محتمل، نتيجة تبدد البعد العدواني لدى الأفراد، الذي لم يعد مؤهلا لبناء الحاجز الأمني والدفاعي لديها، خاصة أن مراكز الحداثة، وعلى الرغم من الأشواط الكبيرة التي أنجزتها في إطار ترسيخ الأسس الديمقراطية، تعاني من تنامي ظاهرة الشك والتوجس، باعتبارهما سلطتين نظريتين تتحكمان في توجيه سياساتها الثقافية والمجتمعية، ما يجعلها محتفظة بجميع الوسائل التي من شانها تأجيج حالة التأهب الدائم، كي تكون جاهزة ذهنيا وجسديا لمواجهة كافة الاحتمالات، بدعم من أبواقها التي لا يخفت لها صوت، وهي تُسَبِّح ليل نهار بهول حضور قنبلة إسلاموية، ستتناسخ حتما في صورة جسد، متسلل من إحدى ضواحي العالم وهوامشه، إلى أسِرَّةِ سكينتها الحضارية.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

الحداثة وهوس الارتياب من ضواحي العالم

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية