قبل نحو أسبوعين وبعد بضعة أيام من تصريح الرئيس الأمريكي ترامب حول الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، فتح في المتحف اليهودي في برلين أحد المواقع السياحية الجذابة في العاصمة الألمانية ـ معرض ضخم باسم «أهلا وسهلا بالقادمين إلى القدس». المعرض يمتد على مساحة ألف متر مربع ويضم مئات المعروضات التي تمثل وتتحدث عن الوجود المتعددة والمختلفة للمدينة المقدسة.
كان يمكننا التوقع من متحف يهودي مهم جدا أن يقوم معرض كهذا بتأكيد خصوصية القدس كمدينة أكثر قدسية بالنسبة لليهود، ويفسح المجال للرواية التأريخية للصهيونية ودولة إسرائيل. معرض كهذا كان يمكنه أيضا أن يعرض بصورة متوازنة وليس أيديولوجية واقع التعايش في المدينة، برغم المواجهة المتواصلة. ولكن للأسف الشديد المعرض لم يأت بجديد، بل عزز نظريا الملكية الإسلامية والعربية والفلسطينية على المدينة، أساسا بوساطة عرض مضحك جدا حول تأريخ المواجهة العربية الإسرائيلية.
فيلم وثائقي تأريخي حول النزاع، يشكل أحد لحظات الذروة في المعرض، يعرض اليهود كغازٍ متعجرف، ويتناول فعليا مذابح وإرهاب المنظمات العسكرية اليهودية ـ مع تجاهل تام لأعمال الذبح والإرهاب للمنظمات العربية بإلهام من المفتي المقدسي الحاج أمين الحسيني، وتجاهل التمرد العربي في الثلاثينيات وتعاون الحاج أمين الحسيني مع النازيين، ويأتي بمقطع طويل جدا من مقابلة مع ياسر عرفات في سنوات قيادته الأولى، يشرح فيه زعيم م.ت.ف بأنه لا يوجد للفلسطينيين أي خيار سوى حمل السلاح والمقاومة (وكأن الأمر جديد)، ويكرر فرضية أن قتل رابين أدى إلى وقف المسيرة السلمية. وحول الكذب المثبت بأن صعود شارون إلى الحرم كان الذريعة للانتفاضة الثانية. ملخص التأريخ حسب المتحف اليهودي في برلين: اليهود أشرار والعرب ضحايا.
هل كان يتوقع مقاربة أخرى من جانب متحف يهودي، يعرض في معرضه الدائم إسرائيل كجزء من الشتات ليهود ألمانيا، أو صور يهود ألمان يساريين يتظاهرون ضد إسرائيل؟ أحد كنوز المتحف هي تشيلي كوغلمان، المديرة السابقة للمتحف اليهودي، المواقف نفسه ما بعد الصهيونية، التي حولت المتحف إلى مركز نشاط لمن يرفضون وجود إسرائيل. من المهم أن نذكر أن المتحف لا يرتبط بالجالية اليهودية المحلية وهو يمول بأموال عامة. أي، يمكن أن يكون لهذه المؤسسة الألمانية تأثير في مضامين المعروضات فيها، ويمكن للمتحف أن يستخدم من قبل السلطات الألمانية لإرسال رسائل مقبولة عليها، هذا بالضبط ما يحدث: المتحف يهودي يخدم المؤسسة الألمانية لإدارة نضال فكري ضد إسرائيل تحت قناع جسم يهودي ظاهريا.
موضوع الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل يمكن من كشف النفاق الألماني في كل ما يتعلق بالعلاقة مع دولة اليهود: في الأسبوع الماضي صوتت ألمانيا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة مع مشروع قرار تركيا واليمن لإلغاء الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة لإسرائيل. ألمانيا ومعها دول كبيرة أخرى في الاتحاد الأوروبي خانت حليفتيهما الولايات المتحدة وإسرائيل وفضلت الوقوف إلى جانب الأنظمة الأكثر ظلامية في العالم بإلغاء حق الدولة اليهودية بتحديد عاصمتها في القدس المقدسة بالنسبة لليهود.
لقد حان الوقت لتمزيق القناع عن وجه ألمانيا: هذه الدولة تشن ضد إسرائيل نضالا متصلبا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وفي حين تدعي أن وجود إسرائيل وأمنها هو جزء من مصلحة ألمانيا العليا، فإن ألمانيا هي أكثر الدول الداعمة للسلطة الفلسطينية. ولم تفكر في أي وقت باستغلال هذا الدعم لإجبار الفلسطينيين على فعل شيء من أجل السلام ووقف العنف ووضع حد للتحريض اللاسامي (وهي أمور مطلوبة ومفهومة من تلقاء ذاتها إزاء تأريخ ألمانيا). ولكن هذا غير واضح لبرلين. الضغط الألماني يستخدم فقط على إسرائيل، أيضا بوساطة تمويل تنظيمات متطرفة ومشوهة لسمعة دولة اليهود في أرجاء العالم. بصورة مؤسفة جدا، ألمانيا ليست صديقة. إذا أرادت أن تكون كذلك فعليها أن تغير سياستها من جذورها.
إسرائيل اليوم 27/12/2017