باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: قد يبدو الفيلم من الوهلة الأولى، أو من الملخص أو الملصق أو العنوان أنه فيلم رعب، حيث يعود رجل إلى بيته ليلة موته على شكل شبح، ليعيش فيه غير مرئي مع زوجته، التي ستترك البيت خلال أيام. إنما السياق الذي جاءت فيه الحكاية، إضافة إلى الشكل الذي تم تصويرها فيه، الفنية في ذلك، سحب عن نسيجها ذلك الخيط الكفيل بجعل الفيلم فيلمَ رعب، ليصير فيلماً روحياً، تأملياً، لافتاً بصرياً، وقبل كل شيء قصة حب وليست «قصة شبح».
هو فيلم فني بالدرجة الأولى، ولم يكن الشبح فيه، أو حكاية الشبح، إلا وسيلة لنقل الفنيات شكلاً ومضموناً، بما فيها التلاعب البديع بالزمن في الفيلم.
الفيلم الممتلئ باللقطات الطويلة، أولها تلك التي تجلس فيها المرأة على الأرض لتلتهم صحن جاتوه كاملاً فور عودتها من المستشفى حيث يستلقي حبيبها ميتاً إثر حادث سيارة، الفيلم يسير بوتيرة بطيئة، بلقطات طويلة وهادئة. مقل في الكلام، مطيل في اللقطات الثابتة التي تدور فيها الكاميرا تماماً كم يدور رأس الشبح الواقف مكانه لمراقبة ما يحصل، في البيت الذي كان فيه رجلاً وحبيباً يفكر مع زوجته بالانتقال منه.
التنقل بين اللقطات والمشاهد، تداخل بعضها صوتياً قبل الانتقال البصري إلى التالية منها، اللقطات الملتقطة بكاميرا جانبية، كأنها عين الشبح الآخر الذي سنكتشف أنه كذلك كان في البيت، في وقت متأخر في الفيلم، بل البدائية التي ظهر فيها الشبح ـ شرشف أبيض طويل بشقين دائريين عند العينين ـ هذا كله وغيره، جعل الفيلم أقرب ليكون قصة حب تُنقل بدون أي غاية لإثارة رعب المشاهد، بل ما قد يشعر به المُشاهد هو الالتئام مع الشبح، التعاطف معه والحزن عليه كحبيب خسرته حبيبته، أو هو خسرها، فهي قصة رجل لم يرد أن يترك حبيبته، أراد أن يعاند الموت وأن يرجع إلى البيت الذي لا تزال تسكنه زوجته، ليأتي ويسكنه هو كذلك، إنما بشكل غير مرئي، كشبح، وهذه هي قصته.
يبدأ الفيلم، A Ghost Story، بأحاديث عادية، يومية، مسهبة، بين شخصيتي الفيلم الرئيسيتين، الرجل وحبيبته، يحكيان عن الرغبة في ترك البيت، وهي تحكي عن ورقة تتركها في كل بيت تغادره إلى آخر، كأنها تريد بها أن تنهي كل علاقة لها مع المكان، فجأة ننتقل إلى لقطة نرى فيها الرجل ورأسه ملقى على مقود السيارة أمام البيت، ثم في المستشفى وهو ملقى ميتاً على سرير. ينهض الميت، ويعود إلى بيته مشياً، ليدخل ويبدأ بمراقبة حياة حبيبته اليومية من بعده، بدون مقدرة منه على لمسها، يراقب الحياة التي لا يبدو أنها تغيرت كثيراً. تمر الأيام ويمر الزمن أكثر وأكثر، تترك المرأة البيت إلى آخر، وهو يبقى فيه مستقبِلاً ومراقباً نزلاء جدداً، يرحلون ويأتي غيرهم، يمر الزمن ويتم هدم البيت، يمر الزمن أكثر وتبدأ أعمال الإنشاء لتعمير برجٍ سكني عالٍ مكان البيت، يمر الزمن ويصير البرج مزدحماً بالمكاتب والموظفين في بدلات رسمية، يتجول الشبح بينهم مصمماً على البقاء في المكان، في البيت المفقود، منتظراً حبيبته، بدون مقدرة منه على ترك البيت لسبب هو كما يبدو عدم معرفته أين ذهبت حبيبته، ولأنه لم يجد بعد الورقة التي تركتها هي في الجدار.
ييأس أخيراً ويصعد إلى آخر البرج السكني، ليطل على أبراج عدة، بإضاءات تملأ السماء، كأن 100 عام مرت على يوم موته وهجرانه حبيبته أو هجرانها هي إياه، يقرر الانتحار أخيراً، فيُسقط نفسه من أعلى البرج لننزل، كمشاهدين، عائدين ما يمكن أن يكون 200 عام في الزمن، إلى أيام الحرب الأهلية الأمريكية، حيث نجد شبحاً يقيم في المكان ذاته مع عائلة أمريكية بعربة وحصان، يمر بها الزمن لنجد أنفسنا وقد عدنا إلى الحبيبين، إلى الزمن الحاضر، وفي الشاشة شبحان وليس واحداً.
هنا تُعاد بعض المَشاهد من وجهة نظر أخرى، تأتي تفسيرية لما شاهدناه وما سمعناه، من هناك يتقدم الزمن لنجد، يوماً الشبح وقد قرأ ما تركته حبيبته وينهار، يختفي الشبح ويسقط الشرشف وقد اهترأ. نكتشف إثرها أن هنالك أشباح في المكان وليس واحداً، أشباح تتناوب وكان أحدها هذا الرجل الذي قرر العودة إلى الحياة كشبح ليبقى مع حبيبته التي فقدها إلى الأبد، في حين هي تركت المنزل وليس حين هو مات بالحادث. الفيلم لصاحب Ain’t Them Bodies Saints، ومن بطولة كايزي أفليك وروني مارا، شارك في مهرجان سندانس السينمائي ومعروض حالياً في الصالات الفرنسية.