أرفض رفضا باتا المواقف السياسية لشكيد وبينيت. فسياستهما من شأنها أن تؤدي إلى نهاية دولة اليهود وخلق دولة أبرتهايد ثنائية القومية. هذا لا يمنعني من أن أؤيد الموقف المبدئي لوزيرة العدل في كل ما يتعلق بصلاحيات محكمة العدل العليا في شطب قوانين الكنيست.
في 1992 سنت الكنيست القانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته والقانون الأساس: حرية العمل. وفي تلك الأيام كنت رئيس كتلة العمل المعارضة. ساعدت النائبين امنون روينشتاين واوريئيل لين، المبادرين للقانونين الأساسيين، في تجند التأييد الواسع لهما. وعملت على نحو خاص على إقناع رئيس شاس، آريه درعي، لدعم القانونين. وعدته بأنهما لن يمسا بالوضع الراهن الديني، وأن المحكمة العليا لن تتمكن من إلغاء قوانين الكنيست. فاقتنع درعي، وأيدت الكتل الأصولية القانونين الأساس. لولا هذا لما سُنّا.
وبالفعل، قال رئيس لجنة الدستور، اوريئيل لين، حين وضع القانونين لإقرار الكنيست بكاملها: «نحن لا ننقل الوزن إلى المحكمة العليا. لا نقيم محكمة دستورية تأخذ قوة خاصة لإلغاء القوانين.
أحد من النواب الذين أيدوا القانونين، وعلى رأسهم وزير العدل في حينه دان مريدور، هم لم يدعوا في تلك الفترة بأنهم ينفذون ثورة دستورية. ومر القانونان من دون انتباه عام وإعلامي خاص. أقل من نصف النواب كانوا حاضرين في القاعة و 32 فقط صوتوا مع.
مرت الأيام، ولكن فجأة، في 9 تشرين الثاني 1995، قضت المحكمة في قرار بنك همزراحي عرفا يقضي بأن للقوانين الأساس في إسرائيل مكانة دستورية، ومن صلاحية العليا إلغاء قوانين للكنيست تتعارض والحقوق الأساس المنصوصة فيها. وكان القاضي اهرون باراك عين قبل نحو شهرين من ذلك رئيسا للعليا، وهكذا بدأ عصر الثورة الدستورية بقيادته، في ظل التظاهر الفظ لـ «نية المشرع»، الكنيست، حين سنت القوانين الأساس. لا شك عندي بأنه لو كان النواب الذين أيدوا القوانين الأساس تخيلوا أن هذا سيكون تفسير القاضي باراك للقوانين الأساس، لكان معظمهم ـ بمن فيهم أنا ـ ما كنت لأؤيد سنها.
إن الثورة الدستورية لباراك لم تنبع من أمر صريح في القوانين الأساس يسمح بإلغاء قوانين بل بتفسيرها لمواد في القانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته. عن هذا قال القاضي لنداو، رئيس العليا الأسبق، إن هذا «الدستور الوحيد في العالم الذي نشأ من جراء قول المحكمة». حتى قانوني لمخلص كلنداو اعتقد أن الرئيس باراك، وليس الكنيست، خلق الدستور. لقد قضى باراك بذلك بسابقة عالمية. ليس في العالم مكان فيه المحكمة، او المحكمة الدستورية، يمكنها أن تلغي تشريعا لمجلس النواب، من دون موافقة صريحة منحها إياها المشرع نفسه.
عندما انتخبت وزيرا للعدل في 2006، اقترح علي باراك سن القانون الأساس: التشريع، الذي يتضمن مادة تقول إن الكنيست يمكنها أن تتغلب على إلغاء محكمة العدل العليا لقانون ما بأغلبية خاصة من 70 نائبا. ذكرته بأن القوانين الأساس أيدها 32 نائبا فقط، واقترحت كحل وسط الاكتفاء بأغلبية 65 أما باراك فعارض.
مر أكثر من عقد. وتواصل محكمة العدل العليا إلغاء القوانين من دون أساس قانوني صريح. ومؤخرا ألغت القانون المسمى «ضريبة الشقة الثالثة» ليس لسبب جوهري بل بدعوى إجرائية في أنه لم يكن وقت كاف للنواب لدراسة المادة قبل أن يصوتوا. هذه سخافة يجب أن تتغير. أما تواصل الوضع فمريح للجهاز القضائي، ولكن من أجل الديمقراطية الإسرائيلية من الواجب تشريع قانون أساس: التشريع والقول إن هيئة موسعة من العليا فقط (7 ـ 9 قضاة) يمكنها أن تلغي قوانين الكنيست التي يمكن للكنيست بأغلبية 61 ـ 65 نائبا أن تتغلب على الشطب ولا يمكن لمحكمة العدل العليا أن تقضم مفعول القوانين الأساس.
مشروع القانون هذا لا يأتي «لقصقصة أجنحة المحكمة العليا»، بل لطيها. أجنحة العليا نمت بشكل متطرف بمبادرة باراك حتى خيمت على ممثلي صاحب السيادة. وهو سيعيد التوازن والاحترام المتبادل بين الكنيست والسلطة القضائية، مثلما كان قبل «الثورة الدستورية».
يديعوت 28/12/2017