إن أهمية استراتيجية الأمن القومي، التي عرضها الرئيس ترامب الأسبوع الماضي تحت عنوان «إسرائيل ليست مسؤولة عن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط»، أكبر من تصريح الرئيس بالاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل. ففي وثيقة السياسة فصل ترامب أسباب موقفه، وحرص على الإشارة ضمن أمور أخرى إلى أن «التهديدات من منظمات الإرهاب الجهادية، مع التهديد من إيران، تخلق اعترافا بأن إسرائيل ليست المصدر لمشاكل المنطقة».
هذه كلمات وحقائق في وسعها أن تغيّر وجه الشرق الأوسط، وهي تثبت بأنه خلافا للآراء المسبقة، لم ينس ترامب نيته للعمل في المكان الذي فشل فيه أسلافه. تصريح الأمن هذا كتب على خلفية اتصالات تجري في منتطقتنا من تحت الرادار منذ وقت بعيد. وكما هو متوقع، إلى جانب كل هذا، فهم ترامب بأنه من دون حل المشكلة الإسرائيلية ـ الفلسطينية، سيصعب عليه تنفيذ سياسة استراتيجية الأمن لديه، وعليه ففي ذات التصريح في استراتيجية الأمن لديه هناك موقف واضح من المسألة.
غير أن الفلسطينيين مرة أخرى لم يفوتوا الفرصة لتكرار أخطاء الماضي، واختاروا خوض صراع على تصريح ترامب في مؤسسات الأمم المتحدة. هذه المرة ليس ضد إسرائيل فقط، بل أساسا ضد إدارة ترامب، الخطأ الذي خلق لاحقا شرخا عربيا فلسطينيا في أعقاب تورط الأردن، السعودية ومصر مع إدارة ترامب، وبالأساس مس بميلها لإقامة تحالف مع إسرائيل في مواجهة المحور الإيراني. كما أن هذا الخطأ دفع البيت الأبيض لأن يعلن بأنه «لن يعرض خطة سياسية».
ليست مصادفة أن أعلن أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط في نهاية الأسبوع الماضي عن تشكيل لجنة برئاسته، يشارك فيها وزراء خارجية الأردن، مصر، السعودية وتمثيل فلسطيني وهدفها وضع الفلسطينيين في مكانهم، لتهدئة إدارة ترامب وبالتوازي إعادة فتح الباب لمواصلة الاتصالات لإقامة التحالف ضد إيران، والذي يفترض أن يعطي جوابا على التهديد الذي يقلق السعودية، الأردن، مصر وإسرائيل. إن أمل الجامعة العربية هو أن تدفع هذه اللجنة الفلسطينيين إلى استئناف الحوار مع الأمريكيين قبيل الزيارة المرتقبة لنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في الشهر المقبل.
غير أن الواقع المتغير في منطقتنا يدحر مواضيع مهمة وحرجة جانبا: لدى الفلسطينيين هناك إحساس بالانتظار لاختفاء أبي مازن عن الساحة، وضع تعتزم حماس استغلاله كي تسيطر أيضا على يهودا والسامرة لمساعدة ممثليها هناك. أما الإيرانيون، الذين يتابعون عن بعد كل خطوة هنا ويفهمون جيدا أهمية سيطرة حماس على السلطة، فيطلقون من بعيد نداءات تشجيع ووعود بالمساعدة، بينما يتفاهم وضع السكان في غزة من يوم إلى يوم.
أما عندنا، فلمن يوجد رأس لمبادرات سلام وحلول سياسية، حين تنشغل حكومة نتنياهو بلا انقطاع في صراعات وقوانين بقاء؟ وعليه، فإن الزمن الذي ينقضي لا يعمل في مصلحة استراتيجية الأمن لترامب. في هذه الأثناء يمكن إجمال الوضع بكلمات: في أعقاب الضباب الكثيف، يجب تفعيل فوانيس التحذير.
معاريف 28/12/2017