لندن ـ «القدس العربي»: بعد أن اعتلى دونالد ترامب العرش في البيت الأبيض تحولت الصين إلى زعيمة لوبي العولمة فعلياً بسبب سياسات الرئيس الأمريكي في الانسحاب من الاتفاقيات الدولية واحدة تلوى الأخرى لتنفيذ وعوده الانتخابية المتعلقة بشعار «أمريكا أولاً» وبهدف إلغاء تعهدات والتزامات واشنطن وتفرغها لتدشين تحالفات واستراتيجيات مختلفة عما كان عليه الحال خلال العقود الماضية. وخرجت الولايات المتحدة من أكبر اتفاقيتين اقتصاديتين دوليتين وهما «التعاون الاقتصادي عبر المحيط الهادئ» و»اتفاقية باريس للمناخ» وتعتبر الأخيرة من أهم الاتفاقيات الدولية خلال العقدين الأخيرين والتي (حسب اعتقاد العديد من الخبراء الاقتصاديين) تعطي الغاز أهمية كبيرة بصفته «الطاقة النظيفة» وتمهد الظروف والترتيبات للانتقال من الحقبة الاقتصادية التي تعرف بـ»حقبة بترو- دولار» إلى حقبة جديدة لم تتضح معالمها بعد، ولا يعرف من هو الخاسر ومن هو الرابح خلالها إقليمياً ودولياً.
ما تمخض من قرارات لوضع الاستراتيجية الاقتصادية الصينية للعقود الـ3 المقبلة، خلال المؤتمر العام الـ19 للجمعية العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كان رسم جزء من ملامح النظام الدولي المقبل. وقرر المؤتمرون أنه يجب على الحكومة الصينية خلال السنوات الـ4 المقبلة أن تضع الترتيبات اللازمة لتدشين مشروعها العملاق المسمى «حزام واحد – طريق واحد» (BRI) والمعروف بـ»طريق الحرير الجديد» والذي أطلقه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عام 2013، لتطوير وإنشاء طرق تجارية وممرات اقتصادية تربط أكثر من 60 بلداً. وتم تخصيص ميزانية ضخمة له تفوق 1000 مليار دولار، ويتعلق نجاح الصين في تنفيذ هذا المشروع بنجاحها في التوصل إلى شراكات استراتيجية مع دول مناطق آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان وأوروبا الشرقية، ومنطقة أوراسيا بشكل عام. واختارت بكين «طريق الحرير الجديد» رمزاً للذكرى المئة لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 2049 الذي من المقرر أن يتم استكمال وتدشين آخر جزء من مشروع BRI خلاله.
وجمعت بكين مسؤولي أكثر من 50 دولة في تبليسي العاصمة الجورجية في «مؤتمر BRI» لاستكمال أحد الممرات الاقتصادية الـ6 المتعلقة بمشروع «حزام واحد – طريق واحد» قبل أقل من شهر. وسيحول هذا الممر منطقة القوقاز إلى حلقة وصل مهمة بين الصين والاتحاد الأوروبي فضلاً على أنه سيعزز التبادل التجاري والاقتصادي مع عدة أقاليم أخرى. ووقعت تبليسي اتفاقية التجارة الحرة مع الصين والاتحاد الأوروبي وسيبدأ مفعول هذه الاتفاقية خلال عام 2018، والنقطة المهمة المتعلقة بهذه الاتفاقية هي أن روسيا أعلنت دعمها لأن تكون جورجيا منطقة تجارية حرة بين الصين وأوروبا، خاصةً أن العلاقات بين البلدين شهدت توتراً حاداً حول ملف «أبخازيا» والحرب التي دارت بين روسيا وجورجيا في «أوسيتيا» عام 2008.
وفي تطور لافت آخر، استضافت بودابست العاصمة المجرية «مؤتمر 16+1» بين 16 دولة من دول شرق ووسط أوروبا وبين الصين لبدء وضع الترتيبات اللازمة لممر اقتصادي آخر المخطط له في BRI، وتم التوافق على استثمارات صينية بقيمة 8 مليارات دولار كخطوة أولية. واعتبر الخبراء «مؤتمر 16+1» اختبارا ناجحا للدبلوماسية التجارية الصينية مع دول حلف الشمال الأطلسي (الناتو). ولا يقتصر النشاط الاقتصادي الصيني على أوروبا الشرقية، واحتجت المفوضية الأوروبية على استثمارات صينية في قطاعي الطاقة وسكك الحديد في صربيا بقيمة ملياري و400 مليون يورو، بدعوى أن هذه الاستثمارات تتناقض مع قوانين الاتحاد الأوروبي. لكن القوانين المالية للاتحاد الأوروبي لا تشمل دول منطقة البلقان خاصةً صربيا ومونتنيغرو وبوسنة والهرسك، فضلاً عن أنها خارج نظام «شنغن». ولا يمكن للصين أن تغض الطرف عن أهمية صربيا الجيواستراتيجية. وقال الباحث الأكاديمي الصيني، تشن غنغ، لموقع «راشيا إنسايدر» إن استراتيجية بكين تعتمد على رؤية ماو تسي تونغ، مؤسس الصين الحديثة، لإنشاء شراكات استراتيجية مع دول العالم الثالث بهدف تشكيل تحالف دولي كبير، وأضاف أن من حق النخب الأوروبية والأمريكية أن تكون قلقة بشأن تآكل تأثير بلدانها وخسارة حوزات نفوذها ومصالحها، مؤكداً أن «ما ترونه هو ليس إلا بداية لعبة BRI الصينية».
ولم يتوقف تمدد الأخطبوط الصيني عند جغرافيا معينة أو دول العالم الثالث فقط، بل انفتحت بكين على أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في منطقة جنوب شرق آسيا ألا وهي كوريا الجنوبية، والتي تأزمت علاقاتهما الثنائية بفعل نشر سيول منظومة «ثاد» للدفاع الصاروخي الأمريكية على أراضيها. وزار رئيس كوريا الجنوبية، مون جاي إن، بكين لأول مرة والتقى بنظيره الصيني، شي جين بينغ، بهدف تخفيف التوتر وإعادة العلاقات الثنائية إلى حالتها الطبيعية ما وصفه الخبراء الاقتصاديون بـ»إبعاد شبح منظومة ثاد عن الاقتصاد». وسمحت بكين بقيام مجموعات من السياح الصينيين برحلات إلى كوريا الجنوبية ما أُعتبر مؤشراً على تحسين العلاقات الاقتصادية، فضلاً على أن مجموعة من المسؤولين التنفيذيين في مجموعات «سامسون» و»أل جي» و»هيونداي» رافقوا الرئيس الكوري الجنوبي خلال زيارته لبكين.
وسبق الانفتاح الصيني على كوريا الجنوبية بفاصلة أقل من شهر، توقيع صفقات اقتصادية ضخمة ومجموعة من الاتفاقيات التجارية بين بكين وواشنطن خلال زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الصين بقيمة إجمالية قدرها 253 مليار و400 مليون دولار. وتشمل الاتفاقات قطاعات عدة ومنها الطاقة والسيارات والطائرات والصناعات الغذائية والإلكترونيات، ومن بين الشركات التي وقعت اتفاقات، هي «جنرال إلكتريك» و»كاتربيلار» و»هانيويل» و»كوالكوم». وأعلنت «جنرال إلكتريك» أنها وقعت عدة اتفاقات مع شركات صينية بقيمة تزيد عن 3 مليارات و500 مليون دولار. ومن أكبر الاتفاقات التي تم الكشف عنها، اتفاق بقيمة 43 مليار دولار لاستخراج الغاز الطبيعي من ألاسكا الأمريكية. ووقعت المجموعة النفطية الصينية العملاقة «سينوبيك» و»الصندوق الاستثماري الصيني» و»بنك أوف تشاينا» اتفاقاً مع ألاسكا وشركة طاقة محلية هي «ألاسكا غاز لاين ديفيلوبمنت كوربوريشن» لاستغلال حقول الغاز، حسب ما جاء في إعلان صادر عن مكتب حاكم ولاية ألاسكا الأمريكي أن الاتفاق سيستحدث ما لا يقل عن 12000 وظيفة جديدة في الولايات المتحدة. وتشمل الصفقات المبرمة اتفاقاً تشتري بموجبه الصين 300 طائرة بوينغ بقيمة 37 مليار دولار. وكان الجانب الصيني أعلن عن توقيع شركات البلدين 19 اتفاقاً تجارياً بقيمة 9 مليارات دولار. وأكد الرئيس الصيني رغبة بلده في التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات البنى التحتية والطرقات مؤكدا أن «التعاون الاقتصادي سيعود بالنفع على البلدين».
وكان الحدث الأبرز في أسواق الطاقة، هو أن دولا منتجة للنفط أعضاء منظمة «أوبك» وأخرى خارجها، أجلت موعد انقضاء اتفاق خفض الإنتاج من نهاية شهر آذار/مارس المقبل إلى نهاية عام 2018. وأدى هذا الاتفاق التي تم مطلع الشهر الحالي، إلى قفز أسعار النفط إلى قناة الـ60 دولارا لكل برميل. وأكد وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، خالد الفالح، أن معطيات الأسواق العالمية أثبتت نجاح قرار تمديد خفض الإنتاج، موضحاً «بلغ 280 مليون برميل فوق المتوسط المتحرك مدة 5 سنوات، لكنه انخفض منذ ذلك الحين بنسبة 50 في المئة تقريباً إلى 140 مليون برميل خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كما تراجع الخام في المخازن العائمة بمقدار 50 مليون برميل منذ حزيران/يونيو الماضي». وأشار إلى وجود مزيد من المؤشرات إلى الطلب القوي، قائلاً «خلال الأشهر الأخيرة نُقّحت أرقام الطلب صعوداً على أساس منتظم، إذ بلغ معدل النمو الآن 1.5 مليون برميل يومياً لكل من العام الحالي وعام 2018». لكن روسيا لم تخف تخوفها من أن هذا الاتفاق وارتفاع الأسعار إلى ما يزيد عن 60 دولاراً لكل برميل قد يؤديان إلى زيادة إنتاج النفط الأمريكي.
وفیما یتعلق بالأسواق المالية، قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض ميزانيته العامة تدريجياً بالتزامن مع رفع الفائدة سيؤدي إلى زيادة العائدات وسيعزز سعر صرف الدولار الأمريكي في الأسواق. وبدأ الفدرالي بتخفيض سنداته شهرياً 10 مليارات دولار ابتداء من تشرين الأول/أكتوبر حتى نهاية عام 2017، وسيواصل بخفض سنداته 50 مليار دولار شهرياً خلال عام 2018 أي 600 مليار دولار طوال العام المقبل. وصرح رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، جيروم باول، في اجتماع لجنة البنوك في مجلس الشيوخ أن الفدرالي سيواصل خفض ميزانيته من 4.5 تريليون دولار إلى أن تصل إلى بين 2.5 تريليون إلى 3 تريليون دولار، وأن ذلك سيتم خلال 3 إلى 4 سنوات مقبلة. ويتوقع المحللون أن أسعار الفائدة تبقى في مستويات 1.4 في المئة نهاية العام الحالي، وأنها سترتفع إلى 2.1 في المئة و2.7 في المئة و2.9 في المئة بنهاية 2018 و2019 و2020 على التوالي. وتظهر التوقعات أن التضخم سيصل إلى 1.6 في المئة نهاية 2017، و1.9 في المئة نهاية 2018، وأن نسبة التضخم ستسقر على مستوى 2 في المئة خلال عامي 2019 و2020. فيما أكد الفدرالي أنه سيراقب عملية تخفيض ميزانيته عن كثب، وأنه مستعد لإعادة شراء السندات في حال أن حصلت تداعيات سلبية على معدلات النمو الاقتصادي.
وفي تشرين الثاني/أكتوبر الماضي رفع بنك إنكلترا المركزي معدل الفائدة الأساسي من 0.25 في المئة إلى 0.50 في المئة، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة العالمية المالية في عام 2007 والذي بلغت المعدلات أعلى مستوياتها أي 5.75 في المئة حينها. وتبع قرار البنك المركزي، هبوط أسعار صرف الجنيه الإسترليني مقابل العملات الرئيسة، وهبطت إلى 1.31 دولار أمريكي، نزولاً من 1.325 دولار قبيل إعلان القرار.
عربيا: صفقات سلاح والانتقال إلى «حقبة الغاز»
احتلت محاولات المملكة العربية السعودية لنقل استثماراتها على وجه السرعة من قطاع النفط إلى قطاع الغاز، جزءاً كبيراً من الأحداث الاقتصادية البارزة في العالم العربي خلال سنة 2017، فضلاً عن صفقات السلاح التاريخية التي اعتاد العالم عليها. الفهم الصحيح للعمق وما هو خلف الستار للضغوط التي تمارسها الرياض وحليفاتها على الدوحة من خلال ملفات أخرى ومنها ملف «جماعات الإسلام السياسي»، هو أن السعودية تحاول الحصول على موطئ قدم للتأثير على ثاني أكبر مخزون غازي عالمياً في الخليج العربي بعد المخزون الغازي الروسي. علماً بأن قطر لها أكثر 75 في المئة من مخزون حقل «الشمال» الغازي المشترك مع إيران وهو أكبر حقل غازي على مستوى العالم أجمع ويشكل ما يقارب 20 في المئة من احتياطي الغازي العالمي. ما أكدته وكالة «بلومبرغ» للأنباء الأمريكية، وكتبت «الغاز المسال هو السبب الرئيسي وراء التوتر بين الرياض والدوحة».
وقبل ثلاثة أيام فقط من اندلاع الأزمة الخليجية، قال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، إن شركة أرامكو تهدف إلى الاستثمار «على مستوى العالم» في إنتاج الغاز والغاز الطبيعي المسال. وفي اليوم نفسه، أعلنت أرامكو أنها وقعت اتفاق مشروع مشتركا مع الشركة السعودية للنقل البحري و»هيونداي» الكورية الجنوبية للصناعات الثقيلة و»لامبريل» (وهي شركة هندسية مقرها الإمارات العربية المتحدة ومدرجة في بورصة لندن) لإنشاء مجمع بحري لبناء السفن على الساحل الشرقي للمملكة (في الخليج العربي وبالقرب من قطر) في إطار خطة حكومية لتنويع الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط. وفي تصريحات أخرى على هامش منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، أعلن وزير النفط السعودي أن بلاده تدرس إمكانية المشاركة في مشاريع للغاز الطبيعي المسال في منطقة القطب الشمالي في روسيا، مؤكداً أن الرياض لديها مخططات طويلة الأمد في قطاع الغاز خاصةً الغاز المسال تستمر لعقود طويلة.
وكشف الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، أمين الناصر، عن مخطط الشركة لإنفاق أكثر من 300 مليار دولار على مدى عشر سنوات في مشاريع نفط وغاز بقطاع المنبع والأنشطة البحرية والبرية ومشروعات مشتركة في السعودية وخارجها (ويشمل قطاع صناعات المنبع، البحث عن حقول النفط والغاز تحت الأرض، أو تحت البحر، وحفر الآبار الاستطلاعية، ومن ثم حفر وتشغيل الآبار واستخراج النفط أو الغاز الطبيعي إلى السطح). وخلال مشاركته في اجتماعات المنتدى العالمي للاقتصاد في «دافوس» في سويسرا قال أمين الناصر إن أرامكو تخطط لزيادة إنتاج الغاز بنسبة ضعفين خلال السنوات الـ10 المقبلة ليصل إلى 23 مليار قدم مكعب يومياً.
وفي مجال صفقات السلاح التقليدية بين الدول الخليجية والقوى العظمى، وقعت الرياض والسعودية خلال زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية على صفقة سلاح تاريخية وصلت قيمتها إلى 110 مليارات دولار، وسيبلغ إجمالي قيمة الاتفاقيات 360 مليار دولار على مدار 10 سنوات، كما وقع الجانبان السعودي والأمريكي مجموعة اتفاقيات في القطاع الخاص. وتعد هذه الاتفاقيات الأضخم في تاريخ العلاقات بين البلدين.
كما تبادلتا اتفاقية شراكة لتصنيع طائرات «بلاك هوك» العمودية في المملكة، وقد أبرمت بين الشركة السعودية للتنمية والاستثمار التقني وشركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية للصناعات الدفاعية.
كما تم تأسيس شركة «ريثيون العربية» بشراكة بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية و»ريثيون الأمريكية» لتطوير أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الذكية في السعودية. وفي تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وقعت السعودية مع البنتاغون صفقة تشمل توريد 44 منصة إطلاق لمنظومة «ثاد» وجرارات خاصة بها، و360 صاروخا، و16 مركز قيادة، و7 رادارات. وخلال زيارة الملك سلمان إلى روسيا، وقعت وزارة الدفاع السعودية مع روسيا عقودا لتوريد نظام الدفاع الجوي المتقدم S-400 وأنظمة Kornet-EM وراجمة الصواريخ TOS-1A وراجمة القنابل AGS-30 وسلاح كلاشنكوف AK-103 وذخائره.
وفي إطار مشاريع «رؤية 2030» السعودية، كشف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، عن مشــروع مديـنــة المــستقبل «نيوم» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وسيتم صرف ميزانية ضخمة لإنشاء هذه المدينة تصل قيمتها إلى 500 مليار دولار.
وستقام على مساحة 26 ألفا و500 كيلومتر مربع وتمتد إلى أراضي الأردن ومصر. وأعلن ولي العهد السعودي أن «نيوم» ستدرج في الأسواق المالية بجانب شركة أرامكو العملاقة.