سلطنة عمان: تحقيق نهضة البلد وتعزيز دورها وسيطا نزيها بين الفرقاء

حجم الخط
3

«القدس العربي»: تميزت سلطنة عمان خلال سنة 2017 بمحافظتها على نهجها الدائم الذي أرساه سلطانها قابوس بن سعيد منذ اعتلائه العرش في بلاده، وهو ترسيخ دورها وسيطا نزيها وطرفا محايدا، مع العمل على لمّ شمل العمانيين ودعوتهم لنسيان الماضي والخلافات التي كانت تمزقهم، من أجل الحاضر. نهج السلطنة حولها، لدولة محورية بين الأمم كداعم للحوار والسلام والاستقرار ونبذ العنف والحروب، من خلال انتهاج سياسة النأي بالنفس عن الخلافات التي تعصف بالمنطقة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
استراتيجية عمان التوفيقية بين تحقيق الأمن ومنع أي اصطفاف يعبر عنه باستمرار السلطان قابوس في كلماته بالمناسبات الوطنية بتأكيده على الاهتمام بالإنسان وبناء مؤسسات الدولة، والمشاركة في العمل والعمران وعدم الاتكال على الغير لتتحول بمرور الوقت لعقيدة راسخة.
وكسبت عُمّان مؤخرا رهان نهجها في الحياد والابتعاد عن المشاركة في أي اصطفاف إقليمي، واكتشف الجميع بمرور الوقت سلامة الموقف بعد رفضها الانجرار خلف القيادة السعودية في حرب اليمن، وخالفت الإجماع الخليجي برفضها الدخول في التحالف الدولي الذي قادته الرياض.
عمان لم تسقط في فخ السعودية والإمارات ولم تنضم لحلف الحصار المفروض على قطر وسعت من البداية لأن تلعب إلى جانب الكويت دور الوسيط في الأزمة والعمل على حلحلتها وتفادي انجرار المحاصِرين نحو درك من العنف يعصف باستقرار البيت الخليجي.
وتجسد دورها التوفيقي أيضا في مشاركتها في القمة الخليجية التي احتضنتها الكويت بتمثيل طبيعي لما تعودت عليه في مثل هذه المناسبات وحضور المسؤول عن مجلس الوزراء ممثلا للسلطان قابوس عكس دول الحصار التي أوفدت مسؤولين من الدرجة الثالثة.
واستقبلت سلطنة عمان خلال السنة العديد من الوفود والمسؤولين الدوليين في إطار جهود تبذل لحلحلة قضايا واشكالات عدة تعصف بالاستقرار في المنطقة. وعبر مؤخرا وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون عن سلامة الموقف في ختام زيارته بالإشارة: «العمانيون لديهم مثلنا قلق عميق جدا ويزداد عمقا، بشأن ما يحدث في اليمن، وهم يشاطروننا قناعتنا أن هذه الأزمة ليس لها حل عسكري بل لابد من حل سياسي لها».
والنهج الذي اعتمدته عمان تحول مؤخرا لعائق ولم يعد يحتمل الأعاصير الهوجاء التي تأتيها من محيطها خصوصا مع تنامي أطماع جارتها الإمارات التي لا تلتزم بأي حد.
وسعت أبو ظبي لجر مسقط لمستنقع مشاكلها من بوابة اليمن بتعزيز نفوذها في محافظة المهرة على الحدود مع السلطنة، وهو ما يثير قلق الأخيرة من استخدام هذه المحافظة ورقة في مواجهتها بعد هيمنة أبو ظبي على الجنوب اليمني.
مخاوف عمان من توسع النفوذ الإماراتي بالمهرة تستند إلى إرث بدأ منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، عندما واجهت دعوات الاستقلال عنها لما عرف لاحقا «بجبهة تحرير ظفار» (اليسارية) حيث شكلت المهرة محطة انطلاق لعملياتها العسكرية، إذ كانت تتلقى الدعم عسكريا وسياسيا وإعلاميا من النظام السياسي في اليمن الجنوبي.
ويأتي هذا على خلفية أن العلاقات بين مسقط وأبو ظبي عرفت توترا وأزمة صامتة عام 2011 على خلفية اكتشاف السلطنة خلية تجسس إماراتية، تحاول الوصول إلى معلومات حساسة تمس السلطان قابوس شخصيا. ولم تُحل هذه الأزمة إلا بوساطة خليجية كويتية أدت إلى شروط مالية وسياسية على أبو ظبي لصالح مسقط.
تعمل سلطنة عمان انطلاقا من جهود قيادتها لتحقيق التوازن في علاقاتها الدولية والابتعاد عن المشاكل لتحقيق الاستقرار داخليا بما يضمن نهضة البلد وتنميته. واستبشر العمانيون بقرار لمجلس الوزراء جاء بتوجيهات من السلطان قابوس يقضي بتوفير 25 ألف وظيفة بالقطاعين العام والخاص مع نهاية سنة 2017.
وتعمل السلطنة لتمكين الشباب في أربعة مجالات وهي العلمية والاقتصادية وتعزيز المشاركات المجتمعية عبر المبادرات التطوعية بالإضافة إلى مشاركتهم في اتخاذ القرار.
ويهدف مشروع توطين الوظائف والمهن أو «التعمين» في السلطنة إلى خفض مستوى البطالة في المجتمع، وتحسين مستوى المعيشة للمواطن، من خلال تطوير خطط لإحلال القوى العاملة العُمانية.
وبالرغم من تراجع أسعار النفط إلا أن السلطنة حققت نسب نمو معتدلة وعملت على خفض العجز في الموازنة وجاءت في المرتبة الـ34 عالميا بين الدول الأقل ديونا نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي وذلك ضمن مؤشر التنافسية العالمية 2017- 2018 بنسبة ديون بلغت 34.3% للناتج المحلي.
وتوجهت الدولة خلال 2017 نحو استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لتحريك عجلة التنمية. وأنشأت شركة النفط العُمانية أكبر مصفاة لتكرير النفط بالبلاد في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدُّقم، بطاقة إنتاجية تفوق مئتي ألف برميل يوميا، وهي تخطط لإقامة أكبر مركز لتخزين النفط في منطقة الشرق الأوسط عام 2019، وقد خصصت مساحة تقدر بنحو 16 كيلومترا مربعا لهذا الغرض.
وخلال 2017 وضعت سلطنة عمان وقطر حجر الأساس لإقامة مصنع لإنتاج الحافلات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في السلطنة باسم شركة «كروة موتورز». ويتوقع أن يبدأ الإنتاج في المصنع في 2022.
ويتوقع العمانيون أن تساهم هذه السياسات في تحسين حياتهم وتوفير المزيد من فرص العمل لرفع المستوى المعيشي للمواطنين وتحقيق نهضة البلد الذي راهن على الحياد واختار نهج السلم خيارا استراتيجيا.

سلطنة عمان: تحقيق نهضة البلد وتعزيز دورها وسيطا نزيها بين الفرقاء

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية