الرياض ـ «القدس العربي»: ليس في وسع السعوديين أبدا، أن ينسوا سنة 2017 أو أن ما رافق تفاصيل أيامها من أحداث، ستزول وتتلاشى من أذهانهم بيسر، ومن المؤكد أن ذكراها ستظل راسخة في وجدان المواطنين، من مختلف الأجيال، والأعمار، وسيروي الجميع للسنوات المقبلة الزلزال الذي شهده البلد بهزاته الارتدادية، وتفاعلاته التي تؤرخ لولادة دولة جديدة، مختلفة الملامح عن شكل المملكة التي أسسها الجد سنة 1932.
مرت الأشهر الأولى من السنة هادئة ورتيبة وكأن صناع القرار انشغلوا بالتمهيد للأحداث العاصفة التي ستتوالى عليهم من دون قدرة على متابعة تسارعها وتواليها.
كانت البداية 22 نيسان/أبريل 2017 بإصدار الملك سلمان أوامر ملكية تضمنت إعفاء عدد من الوزراء ومسؤولين آخرين، هدفت لإعادة ترتيب المشهد، وتعزيز سلطان نجله والتمهيد له سرا لاعتلاء العرش من دون صخب.
غطى صناع القرار عن الأوامر التي أضمروا فيها نواياهم، بتفصيل صغير اعتبر طعما للشعب، تحدث عن إعادة المكافآت لموظفي الدولة من المدنيين والعسكريين.
الأمر الملكي أعفى عددا من المسؤولين من مناصبهم واستبدلهم بشخصيات مقربة من الأمير سلمان وتكن له بالولاء، وكانت جس نبض لقرارات لاقحة تم إصدارها بشكل متتابع.
لاحقا أصدر سلمان قرارا جديدا، نص على إنشاء مركز الأمن الوطني وربطه بالديوان الملكي، وهو لم يكن الأخير لأنه بعد فترات سيتم تضخيم المراكز والمؤسسات التي ستوضع تحت تصرف نجله الذي شُرع تدريجيا في تعظيم صلاحياته ونفوذه واستحواذه على أغلب السلطات.
زيارة ترامب التاريخية و«حلب» المملكة
العنوان الأبرز الذي وصفت به زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة في الـ 20 من أيار/مايو كأول محطة في زيارته الخارجية الأولى، تلخصت في 500 مليار دولار التي استحوذ عليها من خزائن آل سعود، تضمنت صفقات ومبيعات أسلحة، حققها على هامش انعقاد القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض. وليطير منها إلى تل أبيب مباشرة عارضا على حكامها نوايا للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي.
لم تمض سوى أيام على زيارة الرئيس الأمريكي إلى عاصمة السعودية، حتى اتخذت الرياض بالتحالف مع أبو ظبي والمنامة والقاهرة قرارا بقطع علاقاتها مع شقيقهم الدوحة، مع استنتاج جلي بمنح ترامب السعوديين الضوء الأخضر لانتهاج سياسة تصعيد ضد الدوحة.
بن سلمان والاستحواذ على السلطة
السعوديون لم يتوقعوا أن يخطو الملك سلمان بهذه السرعة نحو تهيئة نجله للعرش، وكانت التوقعات أن يتم ذلك في غضون سنوات، لوجود منافسين أقوياء، يتمتعون بالحضور ولهم نفوذ واسع لدى الأسرة الحاكمة.
الملك سلمان أصدر فجر الـ 21 حزيران/يونيو أمرا ملكيا عين فيه نجله وليا للعهد، مقصيا نجل شقيقه الأمير محمد بن نايف.
ولم ينتظر الأمير المتوج بولاية العهد طويلا، ليشرع في التوسع والتمدد والاستئثار بكافة المناصب والمسؤوليات وضم المؤسسات المؤثرة لصفه ليكون الآمر الناهي في البلد من دون منازع.
حاول الحاكم الفعلي في المملكة أن يصور نفسه للغرب أنه رجل إصلاح يمضي في مسار لتغيير الصورة السلبية المرسومة عن بلده وفي الوقت نفسه ليطلق يده داخليا ولا ينتقد على تجاوزاته وتضييقه على الحريات.
تحجيم دور المؤسسة الدينية كان من بين القرارات التي اتخذها بن سلمان، متجاوزا تاريخا من التحالف بين أسرته آل سعود، والمؤسسة الدينية ممثلة في آل شيخ، والتي تعود لنشأة الدولة السعودية الأولى عام 1744 التي تأسست بتحالف شخصيتين هما: محمد بن سعود، مؤسس العائلة الحاكمة، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحد أكثر العلماء تأثيراً في التاريخ الإسلامي الحديث، وقد شكلت العلاقة بين الرجلين أغلب مسار مستقبل التاريخ السعودي.
هذه القرارات والرسائل التي بعثتها السلطة لرجال الدين وتحديدا هيئة الأمر بالمعروف، أريد أن يفهم منها أن المملكة تسير في اتجاه مخالف لأهوائهم.
ثم لاحقا قامت السلطات وبإيعاز من ولي العهد باعتقال مجموعة من العلماء والدعاة لتهديد أي صوت قد يفكر في انتقاد القيادة أو الاعتراض على قراراتها أو توجهاتها. أصدر الملك سلمان في الـ 26 أيلول/سبتمبر قرارا يجيز منح تراخيص قيادة السيارات للرجال والنساء من دون تمييز. ويدخل هذا القرار حيز التنفيذ في حزيران/يونيو من العام 2018.
24 تشرين الأول/أكتوبر: الإعلان عن مشروع نيوم شمال غرب السعودية، ويشتمل على أراضٍ داخل الحدود المصرية والأردنية، وتحدثت وسائل إعلام نقلا عن مصادر رسمية حصول محمد بن سلمان على موافقة إسرائيلية قبل إطلاق المشروع.
وجاء ذلك في وقت تزايدت فيه التصريحات من الجانب الإسرائيلي عن فتحها قنوات اتصال مباشرة مع القيادة السعودية، ومسارعة عدد من المحسوبين على قيادتها لمباركة التطبيع مع سلطات الاحتلال.
تزامنا مع إطلاق الحوثيين صاروخا باليستيا في اتجاه الرياض وما أثاره من مخاوف من امكانية استهدافهم مجددا المملكة، أعلن في الرابع تشرين الثاني/نوفمبر، رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري استقالته أثناء زيارته للسعودية.
واتهمت المملكة وتحديدا ولي عهدها وحاكمها محمد بن سلمان باختطاف واعتقال الحريري وممارسة ضغط عليه لإعلان الاستقالة التي رفضها الرئيس اللبناني ميشال عون وحشد دعما دوليا لإطلاق سراحه، توجت بتحرك فرنسي ساهم في تحريك الموضوع.
بن سلمان قاد أيضا حملة اعتقالات واسعة لم يسبق للسعودية أن شهدت مثيلا لها، سواء من حيث الذين شملتهم الحملة، أو المغزى من وراء توقيتها، لترتيب الأجواء وتهيئة الساحة لنقل العرش إلى ولي العهد.
جرى في وقت واحد وعلى نحو سريع اعتقال 11 أميرا، و38 وزيرا ونائب وزير، وعدد كبير من المسؤولين، ومن بين المعتقلين، وزير الحرس الوطني، الأمير متعب، النجل الأكبر للملك السابق عبدالله بن عبد العزيز، ورجل الأعمال الملياردير الوليد بن طلال، وأمير منطقة الرياض السابق تركي بن عبدالله، ووليد الإبراهيم، صاحب مؤسسة «إم بي سي» التلفزيونية، ومن الوزراء وزير المالية السابق، إبراهيم العساف، ووزير الاقتصاد عادل فقيه، هذا بالإضافة إلى رجال أعمال مثل صاحب قنوات «أيه آر تي» الشيخ صالح كامل، وولديه، وبكر بن لادن وعمر الدباغ.
وفسر الجميع أن الحملة المفاجئة، أساسها إبعاد كل المؤثرين والفاعلين في الساحة والذين لا يكنون المودة للحاكم الفعلي بن سلمان، وفي الوقت نفسه تصفية أي تأثير لمراكز القوى، وجعله المؤثر الأوحد في الساحة.
ولم يعد يشغل بال السعوديين في أواخر أيام 2017 سؤال من سيخلف سلمان، بل متى يتوج نجله محمد ملكا على بلادهم التي تنام وتصحو فجرا على أوامر ملكية يصــدرها الـوالد، لكنها تحمل بصمات الابن.
تصريحات:
● «لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة، سوف ندمرهم اليوم وفورا. السعودية لم تكن كذلك قبل عام 1979 السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع الصحوة بعد عام 79 لأسباب كثيرة، نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم، وعلى جميع الأديان، وعلى جميع التقاليد والشعوب».
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
راحلون:
● 14 ايار/مايو: توفى الصحافي والكاتب السعودي المشهور تركي السديري، والذي سبق وأن ترأس تحرير صحيفة «الرياض» لأكثر من 40 عاما، وأطلق عليه لقب «ملك الصحافة».
● 6 حزيران/يونيو: توفى عدنان خاشقجي الملياردير، وتاجر السلاح المشهور بصفقاته ونشاطاته الغامضة، كما تداول اسمه في فضيحة إيران – كونترا وعلاقته بالبنك المفلس حالياً بنك الاعتماد والتجارة الدولي، إلى جانب العديد من القضايا الشائكة الأخرى، كما أنه مشهور بعلاقاته في أوساط الطبقة العليا سواء في العالم الغربي أو العربي.