رلى موفّق: لكل زمان ومكان مشاهيره ونجومه سواء في السياسة والاقتصاد أو الرياضة والفن أو العلوم على أنواعها. هم اليوم الحدث وغداً يصبحون من الماضي، من التاريخ القريب أو البعيد. ولكل واحد منهم رواية وحياة ومسيرة تترك ميراثها للبشرية إيجاباً أو سلبا. هي الحال على مر العصور والأجيال وسيبقى.
عام 2017 كان حافلاً. أطل علينا حاملاً معه إلى البيت ألابيض دونالد ترامب. رئيس أمريكي أتى من جنة المال والشهرة إلى جنة السياسة، مشكلاً «ظاهرة شعبوية» ستكون في المستقبل محل دراسة علماء التاريخ والسياسة والاجتماع. «ظاهرة» في شخصه وقيمه ومفاهيمه كرئيس للدولة الأعظم والدولة التي تقود العالم في زمن الاحادية التي يبدو أنها على مشارف الأفول.
و»الظاهرة» تصنع منه نجماً بالتأكيد، لكن معايير النجوم عادة تكون بذاك التمايز الذي يشكلونه أو يصنعونه، كما تكون بنتائج وتداعيات أعمالهم. فدعاة السلام هم نجوم تماماً كما دعاة الحرب. ليس بالضرورة أن يكونوا عظماء. قد يكونون ممن سيلعنهم التاريخ ألف مرة، لا ممن سيباركهم، على ما جنت أيديهم.
كيم جونغ أون والقبضة الحديدية
ترامب ختم عام 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل-أحد وعوده الانتخابية – في خطوة قد تؤجج أكثر الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وتضع المنطقة على فوهة بركان أشد حماوة، فيما عينه على زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بسبب برنامجه النووي وتجاربه الصاروخية، تماماً كم هي عين العالم وكثير من جنرالاته عليه من أن يصل «جنون الزعيم العظيم» إلى حد يدفع ترامب إلى تنفيذ «تهديده الجنوني» بتدمير كوريا الشمالية.
على مستوى الخطر، لا يقل كيم جونغ أون نجومية عن ترامب، وإن كان ثمة فارق كبير بين مكانة واشنطن وبيونغ يانغ. المقارنة لا تجوز بالطبع، إنما هذا الشاب الثلاثيني الذي يقود بلاده بقبضة حديدية ولا يتورع عن ممارسة أفظع الجرائم بحق أبناء بلده ومن تهديد السلم العالمي، يقف خلفه من بعيد، لاعبون يريدون خلق «توازن ما» في السياسة الدولية. يقف لاعب طَموح يريد أن يجعل بلاده «القوة الأعظمى» متكئاً على مليار و350 مليون نسمة وعلى موقع استراتيجي وعلى مبادرة «الحزام والطريق»، التي تجسد حلم إحياء «طريق الحرير القديم عبر حزام اقتصادي» وإقامة «طريق حرير جديد بحري». إنه الرئيس الصيني شي جين بينغ، الطامح إلى تعزيز «الاشتراكية على الطريقة الصينية»، مفهوم اقتصادي يقوم على مفهوم الاقتصاد الليبرالي الأقرب إلى اقتصاد السوق. طَموح في اكتساب المكانة العالمية الأرفع لبلاده بقوة الاقتصاد، بـ»القوة الناعمة لا الخشنة».
لاعب ذهب بالأمس القريب إلى عقد أول مؤتمر حوار دولي في بكين بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب العالمية. لم يكن المؤتمر بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب الشيوعية والاشتراكية الدولية، بل بين حزبه وبين كل الأحزاب يمنية كانت أو يسارية، حتى أن ممثلاً عن الحزب الجمهوري الأمريكي كان مشاركاً. سياسة شي جين بينغ الذي يُدشن حقبة جديدة في تاريخ الصين الحديثة يمكن قراءتها من ورش العمل التي صاحبت المؤتمر والمشاركين فيها والتي تستند إلى عمل دؤوب على الدول المنخرطة في مشروع «الحزام والطريق» بهدف تعزيز تطلعات الأمة الصينية.
شي جين بينغ نجم آسيوي، يشكل في سياسة حزبه الحديدي الذي يحكم الصين، تحدياً اقتصادياً جدياً لأمريكا تقلق سيد البيت الأبيض التي يراه تهديداً لبلاده أكثر مما هو تحدياً.
بوتين وحلم الامبراطورية
ومن البعيد أيضاً، ثمة لاعب يطمح هو الآخر إلى استعادة أمجاد الماضي القريب والبعيد. يمتلكه حنين للعودة إلى زمن القطبين حين كان الاتحاد السوفييتي يتربع على عرش التقاسم مع الولايات المتحدة في حكم العالم، وحنين أيضاً للعودة إلى زمن القياصرة، زمن ما قبل الحقبة البولشيفية. هو القيصر فلاديمير بوتين الذي يريد أن يستعيد زمن الحرب الباردة، حين كانت الدول «أحجار شطرنج» بين لاعبين يخطو كل منهما خطوة في انتظار الخطوة الثانية. روسيا المنكفئة سابقاً تتمدد اليوم. تحتل القرم، تتدخل في سوريا وتثبت حضورها في الشرق الأوسط على دماء السوريين وصوت قذائف بوارجها وأزيز طائراتها الحربية فوق رؤوس أبناء شعب ثار على نظامه في «لحظة حُلْم» سمع أطفال درعا قبل سنوات ست شعوباً من تونس وليبيا ومصر قالوا: «الشعب يريد اسقاط النظام»، فظنوا أنهم إن رفعوا الشعار ذاته يحققون ما يريدون، فإذا بهم في ظل «لعبة الأمم» وحماية مصالح الكبار وحروبهم بالآخرين يتعرضون إلى «حرب إبادة» لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
وسقوط الأنظمة الأمنية يدب الرعب في حكمائها. سوريا واحدة وكذلك روسيا القيصر. بوتين الذاهب إلى انتخابات رئاسية لتأمين ولاية جديدة لا يطيق أن يرى منافساً معارضاً ذا شأن، فكان أن رفضت اللجنة الانتخابية المركزية ملف المعارض اليكسي نافالني بوصفه غير مؤهل لخوض التنافس الانتخابي بسبب إدانته بالفساد. هو الفساد بعينه الذي يضرب تلك الدول الخارجة من مفاهيم الشيوعية والاشتراكية إلى الليبرالية ويجعل الثروة متمركزة في أيدي مجموعة قليلة تحمي مصالحها تحت مظلة سلطة حاكمة. «القيصر»، نجم سنة 2017، يأبى سقوط رأس النظام السوري الشبيه بنظامه، ويعول على مقارعة «العم سام» في هذه الساحة، عله يصل معه إلى تسوية ما في حديقته الخلفية في أوكرانيا.
«القيصر» الممسك بخيوط اللعبة في سوريا يقابله لاعب آخر على المسرح السوري وفي الساحات العربية المشتعلة، وهو اللاعب الإيراني الذي يقاتل بعزم وثبات في سبيل تحقيق مشروعه التوسعي في المنطقة. إيران المرشد علي خامنئي وقوته الضاربة الحرس الثوري برمزه قاسم سليماني هو نجم دون منازع. يكفي أن يزور سليماني موقعاً ما في العراق وسوريا كي يرسل رسالة لمن يعنيه ألامر أن «إيران هنا.. المرشد هنا». إيران التي يقفل عليها العام 2017 على تململ شعبي قد تدخل عام 2018 على وقع انفجار شعبي في محاكة لـ»الثورة الخضراء» نتيجة الوضع الاقتصادي الضاغط، يعيد إلى الواجهة نجوم «الثورة الخضراء» على المير حسين الموسوي أو علي خاتمي الموضوعين في الإقامة الجبرية، أو يصنع نجوماً جدداً. وقد يعيد مشهد سحق الاحتجاجات الشعبية كما جرى عام 2009 رداً على الاتهامات بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية التي جاءت بأحمدي نجاد إلى الرئاسة لولاية ثانية.
محمد بن سلمان والمواجهة المفتوحة
لكن حتى ذلك الحين، فإن المنطقة تعيش على تموجات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة الرامية إلى الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. رأس الحربة في مشروع المواجهة هي المملكة العربية السعودية ونجم المواجهة المفتوحة على مصراعيّها هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
نجومية محمد بن سلمان كشاب في بداية الثلاثين من العمر، بدأت مع تعيينه وزيراً للدفاع والإعلان عن تشكيل «التحالف العربي» الذي خاض «عاصفة الحزم» ضد انقلاب جماعة الحوثي والرئيس السابق علي عبداالله صالح على الشرعية اليمنية، بما يحمله في طياته من بصمات إيرانية وتخطيط لمحاصرة الرياض واستهدافها من الخاصرة اليمنية الرخوة. حرب لا تزال مستمرة للسنة الثالثة وشهدت تطورات دراماتيكية هذا العام تمثلت في قتل الحوثيين العلني لعلي عبد الله صالح، وفي قصف تلك الجماعات العاصمة السعودية بصواريخ بالستية، إيرانية الصنع.
ونجومية محمد بن سلمان لها بعدها الداخلي أيضاً المتعلق في نجاحه بالإمساك بمفاصل الحكم في البلاد وتأمين استمرار السياسة التي رسمتها المملكة لما بات يُعرف بـ»السعودية الجديدة» من خلال تعينيه ولياً للعهد بعدما تمت أزاحة الأمير محمد بن نايف الذي كان يشغل هذا المنصب. فالـ»سعودية الجديدة»، أضحت ترادف وجود محمد بن سلمان. فبعد إطلاقه رؤية السعودية 2030 عام 2016، أطلق هذا العام المشاريع التي تصب في خدمة تلك الرؤية، وجرى اتخاذ خطوات اجتماعية أساسية تمثلت في الإجازة للمرأة السعودية قيادة السيارة. وكانت الخطوة اللافتة في إعلانه التصدي لأي محاولات في وجه العودة إلى «الإسلام المعتدل» والذي ترافق مع السماح بإحياء حفلات غنائية في المملكة بعدما كان هذا الأمر ممنوعاً.
واستضافة الرياض لدونالد ترامب في أول زيارة له خارج بلاده تمت زيادتها إلى رصيد بن سلمان، حيث جرى في القمم الثلاث نسج مستوى جديد من العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين في المنطقة بعدما كان شابها أيام باراك أوباما بعضاً من الفتور والارباك. ولم تكد تنتهي تلك القمم حتى أعلنت ثلاث دول خليجية ومصر قطع علاقاتهم مع قطر، وإغلاق المجالات الجوية والبرية والبحرية معها. وهي خطوة دفعت أمير قطر تميم آل ثاني إلى رفع سقوف المواجهة القطرية عبر تحالفات أكثر وضوحاً مع تركيا رجب طيب أردوغان وإيران.
على أن نجم ولي العهد السعودي سطع إعلامياً بقوة مع ذهابه إلى المدى الذي لم يكن متوقعاً، إذ شكّل توقيف أمراء وكبار المسؤولين تحت شعار «مكافحة الفساد» مفاجأة ليس فقط في السعودية بل في عواصم العالم. أمراء سيودّعون سنة ويستقبلون سنة جديدة وهم لا يزالون في فندق «الريتز» بانتظار انتهاء التسويات معهم والتي سيتم بموجبها التنازل عن نسب معينة من ثراواتهم.
لا بل أن ذلك اليوم من الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر كان تخلله حدث استقالة رئيس حكومة لبنان سعد الحريري من الرياض، التي وُصفت بـ «الزلزال الكبير» نظراً إلى عنصر المفاجأة الذي أحدثته والنتائج المترتبة عليها، ما وضع الحريري في دائرة الضوء. غير أن ما أدخله عالم نجوم 2017 الحملة التي خاضها الحكم في بيروت باعتباره أن الاستقالة ليست طوعية وان الرجل في الإقامة الجبرية، وتحريكه عواصم العالم من أجل العمل على «استعادة» الحريري، الذي يحمل أيضاً جنسية سعودية، والذي بدا وجوده في سدة الرئاسة الثالثة غطاء وطنياً وشرعياً لـ»حزب الله» الذي يرعى الحوثيين ويرسل خبراءه إلى الحدود اليمنية – السعودية.
نجومية سعد الحريري الذي جرى احتضانه فرنسياً قد تكون عنواناً هي أيضاً في العام 2018، ذلك أن الرجل الذي عاد عن استقالته بضمانات دولية قد يذهب إلى مفاجآت جديدة تعيد خلط الأوراق اللبنانية التي باتت مرتبطة بأوراق المنطقة وما يجري فيها من تحولات سواء في سوريا أو العراق الذي شهد نهاية نجومية زعيم كردي كبير في عيون شعبه. إندفاعة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في شأن الاستفتاء حول استقلال الإقليم عن المركز قضت على مسيرته، هو الذي أمضى سنوات طويلة من عمره مناضلاً قبل أن تتحول كردستان إلى «جنة العراق» بعد سقوط نظام صدام حسين. اندفاعة انفصالية يشوبها الكثير من علامات الاستفهام والافخاخ المرسومة التي لم يسقط فيها بارزاني في العراق فحسب، بل شهدت أيضاً سقوط زعيم إقليم كالتونيا الداعي إلى الانفصال عن اسبانيا كارليس بوتشديمون الذي أضحى لاجئاً في بروكسل.
أسماء تمر في مسار الشعوب، تلمع حيناً ويكتسيها الصدأ حينا آخر، تباركها شعوب وتلعنها شعوب أخرى، تمسك بيدها إلى الأمام أو تنزل بها إلى القعر، تتحكم بقدرها وبحياتها وموتها… وتبقى نجوماً.