حسن الملا من الفنانين التشكيليين القلائل، الذين لا يزالون يتمسكون بفطرتهم، حتى حين يستعرضون أعقد المفاهيم الفنية والفلسفية، فرغم دراسته الأكاديمية المبكرة في العراق، ثم مسؤولياته لفترة طويلة بإدارة الثقافة والفنون في قطر، وتسلّمه رئاسة الجمعية القطرية للفنون التشكيلية سابقًا، إلا أنه يتحدّث بنبرة المبتدئ المندهش إزاء كل ما يحدث من مستجدات في الحياة والفن، وما أكثرها.
مرّ الملا (الدوحة 1951) بمراحل كثيرة، لعل أخصبها الرسم الانطباعي بألوان الباستيل في ثمانينيات القرن الماضي، وحين تُذكرّه بتلك المرحلة، يجيبك: «كل شيء في وقته حلو».. في ما يلي جزء من حوار لم ينقطع معه:
■ من يقارن بين المشهد التشكيلي العربي قبل العام ألفين وبعده، يجد اختلافًا كبيرًا، وحيث أنك من الفنانين المؤسسين لذلك المشهد في قطر، ولا تزال فاعلًا فيه حتى الآن، ما الذي تغيّر من وجهة نظرك؟
□ في المشهد التشكيلي قبل مطلع الألفية الثالثة كان الفنان يهوى الفن، ويستخدم فكره ولمساته الطبيعية وفرشاته وأحاسيسه الفنية بكل حب وعفوية، وكان المهم لديه هو الإنتاج الفني، بدون كلل أو ملل، أو حتى التفكير في الدخل المادي والبيع والشراء.. كانت روح التعاون الأخوية شائعة بين الفنانين، وكل فنان يرسم بالأسلوب الذي يختاره، بدون همز ولمز، ولكن للأسف مع مجيء عام 2000 أصبحت القلوب والعقول متشتتة، وأصبح التفكير ماديًا إلى درجة كبيرة، لذا أصبحت العودة إلى المدرسة الواقعية، التي يحبها ويقتنيها أكثر الناس، هي السائدة، ناهيك عن المؤسسات الرسمية، لأن المجتمع ورغم وجود المتاحف الفنية والمعارض المنتشرة والأعمال الإبداعية في كل المدارس والأساليب الحديثة لا يزال فن الرسم لديه، ولدى معظم مجتمعاتنا العربية، خاصة منطقة الخليج، مرتبطًا بالمشاهد البيئية والمواضيع التراثية، مثل البحر والصحراء، وكالتي تصنعها الكاميرا تمامًا، علمًا بأن غالبية أعمال الفنانين اليوم مستلهمة من الصور الإلكترونية، عبر الكولاج (اللصق) وغيرها من التقنيات الحديثة، لاسيما في مجال تدوير الخامات المهملة، كالحديد والأقمشة الملونة والورق والزجاج، ومع ذلك ما زلنا نفتقر إلى الكثير من الأعمال والمجسمات والجداريات في الشوارع والميادين والعمارات، فنحن بحاجة إلى تثقيف وتوعية، وقبل ذلك إلى تغيير المناهج المدرسية لمادة الفنون التشكيلية، وكذلك مناهج المراكز الفنية المتخصصة لدينا، مثل مركز الفنون البصرية، والجمعية القطرية للفنون التشكيلية، بالإضافة إلى تطوير طرائق الورش الفنية في الحي الثقافي (كتارا) على سبيل المثال، فعلى هذه الجهات الرسمية والأهلية أن تتبنى ورشًا متنوعة على مستوى متقدم، في النحت والطباعة والتدوير والجداريات.. هناك فنانون قطريون بلغوا مرتبة عالية من الإبداع، وأصبح يشار إليهم بالبنان، داخليًا وخارجيًا، ولكنهم قلة، والساحة التشكيلية بحاجة إلى المزيد من الطاقات الخلاقة.
■ اعتدتَ على القيام بجولات فنية عربية وعالمية، ما آخر هذه الجولات، وما الذي تضيفه هذه الإستراتيجية إلى تجربة الفنان؟
□ عدت مؤخرًا أنا والفنان عبد الرحمن المطاوعة من أوروبا، حيث كنّا في رحلة فنية، عبرنا خلالها الأندلس والمناطق التي ترك فيها العرب آثارًا تاريخية عظيمة، لن ترى مثلها في كل بلاد الدنيا، وهذا يكفي، فقد زادتنا علمًا وثقافة ورؤى، وكنا قد التحقنا بجماعة فناني ملتقى القصبة في المغرب، وكانت تجربة ثرية جدًا، على المستوى الإبداعي والتواصلي بين الفنانين العرب والأجانب.
■ برأيك هل يستطيع الفنان العربي أن يعيد لُحمة التواصل المفقود بين البلدان العربية، وسط واقع التفرقة الشديدة في ما بينها؟
□ نعم يستطيع الفنان العربي أن يعيد ويستعيد التواصل بين البلدان العربية، سواء بجهود فردية، أو عبر جماعات ومنظومات شعبية بعيدة عن المؤسسات الرسمية، التي أصبحت لها سياسات خاصة بها، أنا على سبيل المثال اتخذتُ لي منهجًا مستقلًا في التواصل مع أصدقائي الفنانين في مختلف البلدان العربية، وحتى في دول المهجر، وهم كثر، وقد أصبح لديّ برنامج فني حافل مع جماعات هنا وهناك، نقيم معًا ملتقيات فنية وثقافية، في المغرب والجزائر وتونس، وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ورومانيا وتشيكيا وسلوفاكيا وإسبانيا، فضلا عن نشاطنا الأساسي في قطر، حيث لدينا «بيت الفنانين»، الذي قامت بتشكيله مجموعة من الفنانين التشكيليين والمسرحيين والمصممين والغرافيكيين والموسيقيين مؤخرًا، أبرزهم عادل الهاشمي وسميرة العامري وعبد الرحمن المطاوعة ومنى بوجسوم ودانة المهندي وجميلة الشريم وحسن بوجسوم وحمد المطاوعة، وغيرهم من الفنانين المقيمين، واتخذنا من نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي العريق، حاضنًا ومقرًا للبيت.
■ على المستوى العربي نلاحظ كثرة إنشاء المراكز والمتاحف والأكاديميات الفنية، ولكننا في بالمقابل نرى قلة من الفنانين المبدعين، لماذا؟
□ الإبداع بحاجة إلى الحرية المطلقة، لكن عندنا في المجتمعات العربية ما زالت الحرية مرتبطة مع تفكير وسياسة الحكومات المتحكمة في الشعوب، وفي مختلف المجالات، كل الشعوب العربية تئن تحت وطأة السلطة!
■ يأخذ بعضُ الفنانين والمتابعين على تجربتك كثرة التنقل، وعدم الاستقرار في مدرسة تشكيلية واحدة، فمرة تذهب إلى الواقعية، وأخرى إلى الانطباعية، وثالثة إلى الحروفية، وهكذا.. بماذا ترد عليهم؟
□ أنا لست أول ولا آخر فنان يتنقل من مدرسة إلى أخرى، لدينا بيكاسو أبرز مثال، في المدارس المعاصرة تستطيع أن تستخدم كل الأساليب والخامات والتقنيات الحديثة، التي تشكل قيمًا جمالية فائقة، لا تخطر على بال أحد، ولا عيب في استخدامها بالعمل الفني، بل أرى أننا هنا في قطر، لا ضير لدينا من الاعتناء بكل الاتجاهات الفنية، من الكلاسيكية إلى الواقعية إلى المفاهيمية، فالمهمّ الإبداع، ولا بد من تشغيل الخيال وتحريك الحس وتحفيز الثورة داخل الفنان، للتعبير عنها ونشرها في المجتمع، من أجل تثقيف البصر وتغيير النمطية المعتادة لدى الناس.
■ لكن الجمهور أعجب بمرحلة الرسم الواقعي القريب من الانطباعية لديك، خصوصًا بألوان الباستيل المبهجة في فترة الثمانينيات، لماذا تركتها؟
□ على الفنان أن يقدم الجديد دائمًا، و»كل شيء في وقته حلو»، ربما أعود للرسم بالباستيل يومًا ما.
■ تميزت تجربتك بالتفاعل مع الأحداث والمستجدات الساخنة في فترات سابقة، كيف تأتي شرارة البدء باللوحة لديك؟
□ لست مع المباشرة في الفن، ولكن هناك أحداثا تفرض واقعها عليك، ويصبح تجاهلها بلادة، خذ مثلًا حدث استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة في حضن أبيه.. كنا نعتقد أن مثل هذا المشهد هو أقصى ما يمكن أن نشاهده على شاشة التلفاز، ولكننا شاهدنا ونشاهد الآن على امتداد بلداننا العربية، في العراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها مشاهد تفوق الوصف وتتجاوز قدرة الفنان على التعبير في الحالات العادية، نحن نعيش واقعًا لا أدري ماذا أسميه حتى الآن.
حاوره ـ عبد الله الحامدي