وردت كلمة الصعلكة رديفا للفقر في لسان العرب، فالصعلوك معناه «الفقير الذي لا مال له». ويوافق يوسف خليف، ابن منظور في تعريفه للصعلكة ضمن مؤلفه «الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»، حيث يرى أن الـصعلكة في المفهـوم اللغـوي تعني: «الفقر الـذي يجـرد الإنسان من ماله، ويظهره ضامرا هزيلا بين أولئـك الأغنيـاء المترفـين، الـذين أتخمهم المال وسمّنهم».
كما ينطبع التصوف بالفقر، فعلامة الصوفي الصادق، حسب أبي حمزة البغدادي «أن يفتقر بعد الغنى ويذل بعد العزة ويخفى بعد الشهرة» حتى يصفو قلبه من ملذات الحياة. ويوافقه في ذلك أيضا سمنون المحب في إحدى إجاباته عن معاني التصوف، فالتصوف بالنسبة إليه «أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء». بينما يذهب الصوفي فريد الدين العطار إلى اعتبار المتصوفة الخلص، هم الذين يكون فقرهم كفقر المسيح. وقد كان المسيح أكثر الأنبياء فقرا «يلبس الشعر، ويأكل الشجر ويبيت حيث أمسى» بدون أن يمنعه فقره من تكريس حياته لنصرة الجياع اليائسين، داعيا إلى إنصافهم.
وفي المقابل اتسمت حياة الصعاليك، بالقسوة والحرمان والمعاناة، باعتبار نمط الحياة القائم في شبه الجزيرة العربية، نمطا يغلب عليه طابع البطش والفتك والجور والتجويع، حيث يستبد الموسر وينبذ المعوز، وأحيانا يتمدد الطغيان ليفضي إلى طرد أبناء القبيلة العاقين؛ ومن ثمة كان لا بد من انبثاق الصعلكة كأسلوب في الحياة لتشكل حركة تمرد ضد تسلط السادة والميسورين الأشحاء.
ويطلعنا الرواة القدامى على تجربة هؤلاء الشعراء المتفردة، وذلك خارج نمط الفتك والنهب الغالب على معظم شعراء الصعاليك، حيث تقوم هذه التجربة على مبدأ إعادة توزيع الثروة على فقراء البدو بعد نهبها من الميسورين. ويصنف كل من عروة بن الورد العبسي وأبو خراش الهذلي ومالك بن الريب، ضمن الشعراء الصعاليك الذين لا تحتمل خفتهم. وهكذا صارت الصعلكة آصرة توحد بين من لا صوت لهم في القبيلة، وبين الثائرين على أعراف وتقاليد النظام القبلي، وفي الآن نفسه تشكل موقفا صريحا من البذخ، ما يفسر توجيه غارات غزوهم نحو الوجهاء وذوي النفوذ والسيادة.
بيد أن المتصوفة اتخذوا لأنفسهم الفقر طوعا، باعتباره مسلكا ينحو نحو الخلاص الأبدي وتصفية للنفس من شوائب الدنيا وملذاتها ؛ لكنهم يتشاركون خصائص التهميش والنفي والتقتيل، وهي خصائص انطبعت بها حركة الصعلكة أيضا. فإذا كان الشعراء الصعاليك عزلوا بسبب مواقفهم من النظام القبلي، فقد ضيق على المتصوفة بفعل تعارض حمولاتهم المعرفية مع أفكار الفقهاء المرتكزة على الظاهر، ونتيجة لمواقفهم من بذخ أرباب الدولة والميسورين بالخصوص. فقد كان الحلاج والثوري والبسطامي والجيلي… أكثر نصرة للفقراء يلهجون بلسانهم ويدافعون عنهم.
هذا الموقف الذي انتهجه المتصوفة اتجاه الأغيار والفقراء، سيفضي مثلا إلى تشنج علاقة عبد القادر الجيلي – أحد كبار رجالات التصوف – بالخليفة العباسي محمد المقتفي.
فالجيلي نتيجة تواتر الفوارق الاجتماعية داخل العاصمة العباسية بغداد، وتفشي مظاهر الفساد والظلم، سينتهي به المطاف إلى إصدار دعوة تجيز انتزاع الثروات من أرباب الدولة ووجهائها ثم إعادة توزيعها على المهمشين. ومن هنا يتبين أن وظيفة التصوف عند عبد القادر، تتجاوز فناء النفس عن مذموم الأفعال، إلى محبة العوام والاهتمام بهم ومجافاة السلطة إن انزاحت عن خدمة الجياع. وقد ورد عن الجيلي في «مسالك الأبصار» لابن فضل ما يعضد هذه الوظيفة: «فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام ولا أشرف من الخلق الحسن. أودّ لو كانت الدنيا بيدي أطعمها الجائع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئا. لو جاءني ألف دينار لم تبت عندي».
ويبدو أن حياة عبد القادر الجيلي القاسية حملته على التقرب من الفئات المسحوقة، حيث يورد صاحب «الذيل على طبقات الحنابلة» ضمن المجلد الأول بعضا من معاناته: «وكنت أقتات الخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من جانب النهر والشط، وبلغت الضائقة في غلاء نُزل ببغداد أن بقيت أياما لم آكل طعاما، بل كنت أتبع المنبوذات أطعمها، فخرجت يوما من شدة الجوع لعلي أجد ورق الخس أو غير ذلك فأتقوت به فما ذهبت إلى موضع إلا وغيري قد سبقني إليه. وإن وجدت أجد الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حياء».
إن مذهب الجيلي هنا، يتقاطع كثيرا مع مذهب «عروة الصعاليك» في سعيه لإعانة المسحوقين بتأمينه لحاجاتهم، وإن كان ذلك على حساب علية القوم وعلى حساب راحته فيكون بذلك قد فرق جسمه في جسوم كثيرة بناء على وصفه لنفسه:
أفرق جسمــي فـي جسـوم كثيرة وأحسـو قراح الماء والماء بارد
كما يرصد رواة الشعر، جوانب مهمة من غارات عروة على القوافل، كوضعه لمواصفات دقيقة تمكنه من تحديد نوعية القوافل المراد غزوها، كأن يختار ضحاياه من فئة الأغنياء المنطبعين بالبخل؛ إذ لم يكن يغير بدافع النهب والسلب، وإنما بدافع المروءة فيخفف بغنائم غزوه آلام البسطاء والمقهورين من الناس. وشأنه في ذلك شأن أبو خراش الهذلي؛ فرغم تشدد هذا الأخير على أعدائه، فقد كان أميل إلى فطرته الإنسانية فيتصبر على الجوع ويكتفي بمر الطعام تاركا اللين منه لذويه وعينه على جبة الميسورين:
وإني لأثوي الجوع حتى يملني
فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي
وأغتبق الماء القراح فأنتهي
إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أرد شجاع البطن قد تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغم وذلة
وللموت خير من حياة على رغم
إن روح أبي خراش متقلبة، تطبعها الأتراح والخسارات، لكنها مع ذلك روح تنزع في صفائها نحو النزعة الإنسانية. ويتبين ذلك في حدث موت الشاعر عقب تعرضه للدغة أفعى وهو يهم بسقاية ضيوفه العابرين، فرغم أنه شارف على وداع العالم، يستحيي أن يشرك ضيوفه في مأساته.
إن الشعراء الصعاليك والمتصوفة الاجتماعيين وإن انشغلوا بذواتهم في كتاباتهم، فقد صوروا تصويرا واقعيا ودقيقا، الحياة الاجتماعية ومظاهرها القاسية في شبه الجزيرة العربية. كما نقلوا أيضا مواقفهم ونضالاتهم المريرة ضد الحرمان والمعاناة؛ فعروة بن الورد لم يكن لنفسه، وكذلك أبي خراش، وكذلك عبد القادر والعشاق الزهاد. كلهم وهبوا روحهم للمكتوين بمواجع الحياة.
٭ شاعر وباحث من المغرب
ياسين الحراق