القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: تبدو مفردة مثل «الثقافة» ــ بدون المفهوم ــ في العالم الموسوم بالعربي وكأنها إما سبّة أو مصدر شك دائم، ثقة شبه منعدمة تأسست وفق خيال السلطة السياسية الضحل، ورغم إخلاص البعض لهذه المهنة، إلا أن المناخ العام الذي نحياه دائماً ما يوحي بالتورط مع مَن يكتبون أو يتمثلون صوت المثقف، ومدى موقفه مما يحدث، ودوره الذي يختلف حوله الكثيرون، حتى من الموسومين بالمثقفين أنفسهم، تابع مطيع أو مغضوب عليه يحاول الاحتفاظ بكرامته قدر الإمكان.
هذا حال المثقف، وبالضرورة حال الثقافة. فالجوائز الأدبية على سبيل المثال، التي يصاحبها الجدل كل عام، سواء عن ماهيتها أو كيفية توزيعها حسب الهوى والمفاضلات والتوزيع الجغرافي لإرضاء جميع الدول العربية، أو اختلاق موازنات حسب الجو العام السائد، بدون القيمة الحقيقية للعمل الأدبي، ما جعل معظمها يحوز عن جدارة صفة السمعة السيئة. السمة الأخرى لملامح هذا العام تتمثل في افتعال و(فبركة) الأزمات، كمحاولة لإلهاء الناس عما يعيشونه ويعانونه، ولا سبيل في ذلك سوى اللعب على وتر الأحداث والأسماء التي تم تلفيق موقفها السياسي بالديني، فأصحاب الأزمات يدركون تماماً شعوبهم المتدينة بطبعها.
هنا بعض من ملامح المناخ الثقافي المصري الموشك على الانتهاء.. القضايا والجوائز، وبعض المؤلفات اللافتة، وأخيراً الذين رحلوا من الكتّاب والفنانين والشعراء.
يوسف زيدان وتفصيل القوانين
أثار الكاتب يوسف زيدان ــ كعادته ــ الصخب حول مواقفه من بعض الشخصيات التاريخية، إضافة إلى الجدل القائم حول مدى اقتباسه أو سرقته لروايته الأشهر «عزازيل» ذات الحِس الأصولي، التي حازت جائزة البوكر العربية عام 2009. ذلك عن رواية إنكليزية بعنوان «هيباتيا» كتبها تشارلز كينغسلي عام 1853 رواية بعنوان «أعداء جدد بوجه قديم»، والمعروفة أكثر باسم (هيباتيا)، التي ترجمها عزت زكي إلى العربية بعنوان «هايبيشيا» ونشرتها دار الشرق والغرب في الستينيات. فكل من الروايتين متشابهتان في كل شيء، الشخوص نفسها، الإطار المكاني والزماني والأحداث نفسها، كل شيء في رواية «عزازيل» يطابق رواية «هيباتيا»، لم يزد عنه إلا المخطوط السرياني الذي أضافه عليها. (راجع تفصيلاً آراء كل من كمال العيادي ورؤوف مسعد وعلاء حمودة في عدد «القدس العربي» بتاريخ 28 فبراير/شباط 2017). أما تفاهات الجدل وإثارة الرأي حول الشخصيات التاريخية، وفي هذا الوقت الذي تعاني منه مصر، من سوء الأحوال الاقتصادية والسياسية، وقد انشغل الناس بآراء زيدان في (صلاح الدين)، الذي تم تصويره كقائد وطني قومي اشتراكي ناصري! وتبدو الأهمية في كيفية توظيف الرمز التاريخي لخدمة الواقع السياسي، لتظهر المفارقة في تبني الرمز وتأويل مواقفه في خدمة كل فريق، بداية من الحشد مع أو ضد صلاح الدين وفق الخلفية المذهبية، أو تمثله كقدوة من قِبل الأنظمة العسكرية ــ نظام يوليو/تموز 1952 ــ والحركات الإسلامية السنيّة، وكل منهما على النقيض من الآخر. ليصبح رمز صلاح الدين صورة لتصفية الحسابات بينهما.
وهنا نلاحظ كيفية صياغة نسق نفعي في سرد التاريخ الإسلامي، بانتقاء ما يمكن أن يخدم موقفا بعينه، ولكن ما الجدوى وما الهدف؟ يتضح ذلك في كون المعركة المفتعلة سبباً لاستتباب دولة القيم وحرّاسها من العسكر، وسريعاً ترك النواب القوانين الاقتصادية وتفرغوا لرأب القيم الضائعة، فتقدّم أحدهم بمشروع قانون «إهانة الرموز والشخصيات التاريخية»، الذي يحظر التعرض بالإهانة لأي من الرموز والشخصيات التاريخية، وهي الواردة في الكتب والتي تكون جزءا من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة، كما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد عن 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد عن 500 ألف كل من أساء للرموز والشخصيات التاريخية، وفي حالة العودة يعاقب بالحبس بمدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد عن 7 وغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد عن مليون جنيه. هكذا اللعبة إذن، بخلاف موقف زيدان من إسرائيل، كداعية سلام جديد. وهو مثال جيد جداً لمثقف السلطة الأمين، كالكثيرين من قبله، والذين سوف يأتون من بعده بكل تأكيد.
إصدارات مهمة
عن دار الشروق المصرية، صدر الجزء الأول من السيرة الذاتية للدبلوماسي المصري عمرو موسى تحت عنوان «كتابيه». ومن المفترض أن تصدر في ثلاثة أجزاء. يضم الكتاب العديد من المواقف والحكايات التي شهد عليها موسى وشارك فيها، كعلاقته بمبارك المخلوع ورؤساء الخارجية العرب، إضافة إلى كيفية صناعة القرار السياسي، ومدى سيطرة مؤسسة الرئاسة على وزارة الخارجية. أثار الجزء الأول من الكتاب جدلاً واسعاً، خاصة في ما تعلق بآراء موسى في عبد الناصر، وأنه غيّر الصورة المرسومة له في الأذهان. على الغرار نفسه ــ المذكرات أو السيرة الذاتية ــ أصدر الكاتب محمد سلماوي الرئيس الأسبق لاتحاد الكتاب مؤلفه المعنون بـ»يوماً أو بعض يوم»، وهو الجزء الأول أيضاً، حيث يستعرض طفولته وعمله في الصحافة والأدب، إضافة إلى علاقته بكل من محمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ. وبالطبع ونحن إزاء سيرة ذاتية عربية علينا أن نتوجس خيفة وألا نعتقد أننا سنعرف الحقائق، قدر الروح البطولية لكاتب السيرة، والآراء القوية، خاصة المتعلقة بالأموات.
من ناحية أخرى لم تزل ثورة يناير/كانون الثاني 2011، تثير المخيلة، فجاءت بعض الأعمال التي تناولت الثورة، كاشفة الملابسات والظروف التي أدت بها إلى هذا الحال، وقد أصبحت سُبّة، بعدما تحول الثوار إلى نزلاء سجون. من هذه الأعمال رواية «كل هذا الهراء» للكاتب عز الدين شكر، ورواية أحمد سمير التي جاءت بعنوان «قريباً من البهجة».
وعن الفئة المحكومة بالنسيان، والمهمّشة في الأدب أتت إصدارات الشاعر والناقد شعبان يوسف، خاصة مؤلفيه «لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟» الذي ناقش الموقف من كتابة المرأة ولتاريخ الطويل من التهميش والإقصاء الذي تعرّضن له منذ عائشة التيمورية وحتى ابتهال سالم. منهن المنتحرات ومَن عانين من المرض النفسي. ثم مؤلفه الآخر «ضحايا يوسف إدريس وعصره»، الذي يؤكد من خلاله كيف تحوّل إدريس إلى سلطة، وكيف قضى على الكثيرين من مجايليه أو الذين أتوا من بعده. فالسلطة هي التي جعلت منه سلطة بدوره. «لا بد أن تتوفر فى الشــاعر أو الكاتب المدعوم والمبشر بالحماية من جناب السلطان صفات عديدة، أولها أن يكون موهوبا كبيرا كي يكون قادرا على الإقناع والإمتاع والمسامرة، وكذلك الدفاع عن الحاكم عند الطلب والقدرة على كتابة الخطابات العديدة، وفي أوجهها المختلفة الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية، وأيضا الهجوم على خصوم الحاكم وتسفيههم والسخرية منهم لدرجة التمزيق، ولا بد أن تأتي كل الخطابات في صياغات طبيعية، أو شبه طبيعية وهذا لا يمنع أن يثأر الشاعر أو الكاتب لنفسه عندما تدور الدوائر لإقصائه». ويضيف يوسف «وأؤكد أن كل هذه الأمور لا تنقص من تقديري لموهبة يوسف إدريس العاصفة في القصة القصيرة على وجه الخصوص، ولا تنقص من صدقيته كذلك، فهو كان يفعل كل ذلك منطلقا من شعوره الطاغي بذاته الفنية والأدبية والثقافية، ذلك الشعور الذي جعله لا يرى أحدا قبله أو بعده أو أمامه، وراح يطيح بكل من سبقوه، وقال إنه أول من كتب القصة المصرية، وهكذا ألغى جيلين أو ثلاثة». نذكر من هذه الأجيال، أبو المعاطي أبو النجا، محمد سالم، عبد المعطي المسيري ومحمد صدقي، كذلك إدوارد الخراط ولطفي الخولي، إضافة إلى مجايليه من أمثال.. يوسف الشاروني، عبد الله الطوخي، سليمان فياض، وغيرهم.
الجوائز
جائزة نجيب محفــــوظ للأدب، فازت بهــــا الروائية الفلسطينية حزامة حبايب، عن روايتها «مخمل». كما فازت المصرية سناء عبد العزيز بجائزة الطيب صالح، عن روايتها «فيد باك»، كما حصل كل من الروائي صنع الله إبراهيم والشاعر محمد الشهاوي بجائزة كفافيــس الدولية.
كما فازت الشاعرة إيرين يوسف بجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية، عن ديوان «آخر شوية ليل»، وبفرع الجائزة للدراسات النقدية، فاز كتاب «المؤتلف والمختلف/ قراءات في شعر العامية» لمسعود شومان.
الراحلون
رحل هذا العام العديد من الأصوات التي أثرت المناخ الثقافي المصري والعربي، مع اختلاف الآراء حول بعضها، من حيث مواقفها من السلطة، نذكر منهم على سبيل المثال .. الشاعر سيد حجاب (سبتمبر/أيلول 1940 ــ يناير/كانون الثاني 2017)، المخرج وأستاذ السيناريو في المعهد العالي للسينما محمد كامل القليوبي (8 مايو/أيار 1943 ــ 2 فبراير/شباط 2017)، الناقد السينمائي سمير فريد (1 ديسمبر/كانون الأول 1943 ــ 4 أبريل/نيسان 2017)، شادية (8 فبراير 1931 ــ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2017)، الروائي والقاص مكاوى سعيد (6 يوليو/تموز 1956 ــ 2 ديسمبر 2017)، الكاتب صلاح عيسى (14 أكتوبر/تشرين الأول 1939 ــ 25 ديسمبر 2017)، الناقد عبد المنعم تليمة (1937 ــ 2017)، الأكاديمية والناقدة المسرحية نهاد صليحة (1945 ــ 2017)، الكاتب والمفكر شريف حتاتة (1923 ــ 2017)، الكاتب محفوظ عبد الرحمن (1941 ــ 2017)، والقاص يوسف الشاروني (1924 ــ 2017).