بعد فشل الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الحصول على الدعم العسكري من حلفائه الأوربيين لشن عدوان على سورية، ورغم ما قدمته الاستخبارات البريطانية من تقارير عن 14 واقعة استعمل فيها السلاح الكيميائي في الأراضي السورية، تمت إحداها بواسطة صاروخ سكاد كان يحمل رأسا كيميائيا أصاب حلب في مطلع السنة، وبعد الهجوم على المدنيين بالأسلحة الكيميائية الذي وقع في21 اب/ أغسطس بالقرب من دمشق وأودى بحياة أكثر من 1400 شخص حسب واشنطن، وغيرها من التطورات والأحداث الدامية أصبحت الضربة العسكرية ضرورة واقعية في نظر الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ومرة أخرى بعد اجتماع مجلس النواب الأمريكي في 9 ايلول/سبتمبر حول مباحثات التصويت لتأييد الهجوم على الأراضي السورية أو الاعتراض عليه انتهت بعدم التوصل إلى حل نهائي للأزمة. سرعان ما دفع أوباما إلى تعديل خطابه مباشرة بعد ساعات محدودة من اجتماع النواب الأمريكيين، ولا سيما بعدما تفاجأ بقرار حليفه البريطاني الوفي في حرب العراق وأفغانستان سابقا بعدم تأييد العدوان العسكري على الأراضي السورية، عكس ما كان متوقعا. فالتصريحات التي جاء بها الرئيس البريطاني ‘ديفيد كاميرون سابقا لشن الضربة العسكرية خلقت المفاجأ ة بعد الإعلان عن التراجع، بعد أن أوقعت أوباما في شركها وأقحمته في هذه الأزمة عنوة. رئيس الوزراء البريطاني كان على علم تام ودقيق بأن مجلس العموم البريطاني سيرفض تقديم التفويض لشن العدوان على سورية، والأمر يعرفه أي مبتدئ في الشؤون السياسية، ذلك أن بريطانيا عاشت لسنوات طويلة تداعيات مشاركتها في حرب العراق، وكل القادة الذين شاركوا في هذه الحرب جروا إلى المساءلة والتحقيق، فهل من المعقول أن تورط بريطانيا نفسها في حرب جديدة في الشرق الأوسط، أم هو فخ وضعته لأوباما لتعلن انسحابها بعد ذلك؟ وفي حين يصادفنا تناقض غريب في أمر يحز في أنفسنا نحن العرب، تمثل في موقفين متناقضين لكل من دول مجلس التعاون الخليجي ودول التحالف الأوروبي، فكيف لدول مجلس التعاون الخليجي ”إقليميا” بعد معارضة مصر للضربة العسكرية، أن توافق على قرار الرئيس الأمريكي إلى جانب إسرائيل ودفع وزراء خارجية جامعة الدول العربية إلى طلب من المجتمع الدولي معاقبة سورية على استخدام الأسلحة الكيميائية، وإصدار بيان في ذلك، من دون إغفال أن دول الخليج لطالما اتسمت مواقفها سابقا بدعوة الدول التي عرفت ثورات عربية بالتعقل، بل نعتتها أحيانا بالطيش والتهور، في حين أن الموقف الآن أصبح معكوسا أو لربما الأمر يستدعي عدة قراءات إزاء الموقفين؟ وبناء على ما سبق يمكن القول أنه كلما تأجل القرار الأمريكي أكثر أو تعثر الرئيس أوباما في الحصول على تأييد لضربة العسكرية، أخذت العملية المخطط لها تتضاءل من هجوم قاس إلى عملية محدودة، مع قدر أقل من الأخطار السياسية والعسكرية. ورغم أن الكل يتفق على أن النظام السوري ارتكب جرائم في حق شعبه ويتحمل كامل المسؤولية في كل ما لحق بالشعب السوري من مآس، ولكن علينا أن نسلم بأن الحل السياسي هو الطريق الأسلم والأقل تكلفة لوقف حمام الدم في الأراضي السورية، ويجب أن تعمل جميع الدول إلى الوصول إليه وأولها دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة أن تراجع حدة الضربة الأمريكية على ضوء الخطة الروسية المستجدة لن يبعدها نهائيا عن طاولة الكونغرس في حالة فشل الخيارات الدبلوماسية. الرئيس الروسي’ فلاديمير بوتين قدم اقتراح تسليم والتخلص من الأسلحة الكيماوية لدى النظام السوري ووضعها تحت الرقابة الدولية. وبالمقابل إعلان الرئيس الأمريكي في خطابه للأمة في 10 من سبتمبر أن ” القوات الأمريكية ستحافظ على مواقعها الحالية لإبقاء الضغط على الرئيس بشار الأسد ومستعدة لتحرك في أي وقت”. وفي ظل تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا منذ الحرب الباردة، خصوصا أن هذه الأخيرة من أقوى حلفاء الأسد، يبقى السؤال المطروح ما مآل هذا الغموض الذي أصبح يلف الضربة العسكرية الأمريكية على الأراضي السورية كعقاب لاستخدام أسلحة كيماوية ضد المدنيين؟