الثورة انفجار أم فجور: سقوط الباعث الأخلاقي

حجم الخط
0

مثل كل خلق الله من العرب وفي ظل الثورات العربية التي تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة على أبواب دمشق، مختنقة بالعبث قبل أن تختنق بالكيماوي، تحولتُ إلى كائن غريب أشبه ما يكون بمسخ كافكا الشهير- يقتات على الأخبار والتحليلات السياسية والتحقيقات الصحافية، حتى قفزت إلى ذهني مقولة ارسطو ‘لا شيء يحدث عبثا’، وهذه مقولة كما يعرفها الفلاسفة ترسي مبدأ ‘غائية الكون’، هذا المبدأ الذي يحمي النظام الأخلاقي والقيمي من الانهيار، ولعلنا نتذكر مقولة الروائي الروسي العظيم دستويفسكي في ‘الأخوة كرامازوف’ على لسان إحدى الشخصيات ‘إذا كان الله غير موجود فكل شيء مباح’، وقد نتذكر في معية هذا الروسي الخالد روسيا آخر معاصرا، ولكنه ليس عظيما ابدا هو بوتين الذي سقط سقوطا أخلاقيا معيبا في معالجته للمسألة السورية على خشبة المسرح الدولي المهترئة.
وبنظرة عادية وسطحية وليست عميقة على الإطلاق يذهلك ما تشهده، كيف أصبح كل شي مباحا في الصراع الذي تتقحمه مكونات المجتمع العربي في دوامة الثورات العربية. فمن أهم إنجازات مسلسل الثورات اهتراء مفردات قاموس الشرف العربي، الذي مزقوا أسماعنا به طوال السنوات، فلا كرامة ولا شهامة، ولا نجدة للملهوف، ولا حماية للجار، ولا صون للعرض ولا الحرائر، ولا قدسية لشيء حتى الجثامين والجثث. وإذا سلمنا جدلا أو افتراضا باهتراء هذا القاموس ‘الجاهلي’ الصحراوي، فما بال مفردات قاموس القيم الإسلامية، التي طالما تغنى بها الدعاة والمشايخ على المنابر والفضائيات، وها نحن نراها تساقط مثل أوراق الخريف، فأين حرمة الدماء وما الذي جرى لحرمة الاعراض، وأين قولة الحق عند سلطان جائر، وكيف هانت قدسية المساجد والمآذن والقبور، وأين العلماء ورثة الانبياء، بل اين الأمانة وأين المواثيق والعهود.
بصراحة أيها الأعزاء، لقد فاجأتني الفقرة السابقة بعد أن فرغت منها واستوت هكذا أمامي ناصعة وجلية بل ووقحة، واعتبرت أنني حققت نصرا على نفسي أو فاجأتها على الأقل: أبهذه البساطة فقدنا شرفنا وقيمنا وأخلاقنا، ثم ننظر في ما حققنا في واقع الأمر فلا نجد غير قبضة ريح، فقد عمت الفوضى ليبيا وما زالت تونس تعيش حالة انقسام مرير، وها هي مصر قد تقدمت خطوة ثم ما لبثت أن تراجعت ألف خطوة، وها هم العراقيون ينزفون في صمت مهين، وما يزال الأسد يزأر من فوق قاسيون فوق الأشلاء والجثث والدمار، رمزا وقحا لحقيقة هذا العالم الكسول والمقرف.
ومرة أخرى تفاجئني هذه الفقرة السابقة كما فاجأتني اختها من قبل، فكانما تدلت كلسان، ساخر من سذاجتي، وبلاهتي، وضعفي الإنساني المثير للشفقة، كيف لا وقد قفز المحللون الاستراتيجيون والعسكريون والأكاديميون والفقهاء الدستوريون بأناقتهم المعهودة ورصانتهم، وياقاتهم المشدودة، وسلقوني بألسنة حداد، وقرعوني بعصي شداد، ناعتين اياي بالضعف والسذاجة والسطحية، ولا اخفيكم سرا فقد انكمشت متراجعا في مقعدي متمثلا مسخ ‘كافكا’ ثم ارتخيت متحولا من حالة الصلابة إلى حالة السيولة وتهدلت كخرقة مبللة فانزلقت على البلاط في مشهد كرتوني من عالم ‘توم وجري’ الذي ما زلت أشاهده حتى الآن، إلا أنني تماسكت في اللحظة الأخيرة إذ رأيت برهان ربي – وتذكرت أن هذه النياشين والنجوم اللامعة لم تخض حربا ولم تحرز نصرا، وإن كل هؤلاء الاستراتيجيين لم يستطيعوا أن يقدموا لنا خطة واحدة رصينة أو دراسة مستقبلية علمية حقيقية تقينا ما نحن فيه الآن، وأنهم مازالوا يجرون فشلهم ومنطقهم الاستراتيجي السقيم من حرب إلى حرب ومن ثورة إلى ثورة من دون حياء.
الحقيقة الوحيدة التي ما زلت أشعر بأني أقبض عليها، هي أننا نعيش حالة سقوط أخلاقي وقيمي مهين، هذا إذا لم تكن سقطت منذ أمد، وأن ثوراتنا البائسة كشفت عنها لتتمطى عارية تماما على شاشات الفضائيات، في مشهد إباحي صفيق، وأن الثورة قادتنا من الانفجار إلى الفجور، في ظل مشهد دولي منافق باع قيمه التي طالما سوقها لنا وقلب لها ظهر المجن ليستمر في امتطاء ظهورنا قبل الثورة وبعدها.
والحقيقة أيضا أننا نشهد سقوطا مدويا لمعظم الأيديولوجيات، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وأن معظم الأحزاب فقدت مصداقيتها، بل مبرر وجودها واستمرارها، وأن الشعوب أسقط في يدها وتعثرت بشكل أو بآخر، والحقيقة أن تصورنا ‘الماقبل ثوري’ في أن أسس البلاء والتخلف والهزيمة هم حكامنا، فقدت بريقها إذا لم تكن سقطت تماما، أمام مشاهد العمى الثوري للقبائل والعوائل والنخب بمعظم أطيافها الإعلامية والفنية والفكرية، وفي مستوى آخر سقط كثير من المقاومين والممانعين كما سقط قبلهم المعتدلون والمطبعون والمهرولون، والحقيقة أننا فقدنا بوصلتنا القومية والحضارية والإنسانية حين فقدنا الباعث الأخلاقي.
ومن لم يمت بالكيماوي مات بغيره تعددت الثورات والموت واحد، ولنا لقاء.

‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية