في حقبة ما قبل الفضائيات كنا مدمني إذاعات راديو على الموجة الطويلة. فاذاعات الـ «أف أم» كانت قليلة أيضا.
في موسم نهاية السنة كنا نتابع إذاعة «مونت كارلو» العربية، وكانت إذاعتنا الأحلى (كان عندي فرح طفل قبل عام حين أجرت مونت كارلو مقابلة معي وقد عبرت عن بهجتي في ذلك اللقاء).
المهم… كان المرحوم الفنان اللبناني الراحل حكمت وهبي واسع الانتشار والشهرة حينها، بوداعته وصوته وحضوره الاذاعي على المحطة، ناهيك عن حضوره التلفزيوني، سواء كمحاور لطيف في البرامج الفنية أو دوره الرقيق والمؤثر مع زميلته اللبنانية سمر الزين، في برنامج الأطفال التعليمي (ملاعب الصغار). وكانت له أغان لبنانية خفيفة ولطيفة أشهرها أغنية (آه يا تمارا).
كان لقب وهبه (أميغو) على مونت كارلو.. وكانت مواسم نهاية العام لا تحلو دون سهرة مع مونت كارلو وأميغو حكمت وهبي، وهو كان صاحب عبارة جميلة ورقيقة تعكس حجم تقدير الإعلام للمتلقي آنذاك فكان يردد: يا رضى الله ورضى الوالدين ورضى السادة المستمعين.
كانت الاذاعات محفزا للخيال كي يحلق بعيدا في الكلمات ويحاول خلق الصور كيف يشاء المستمع.
رحل حكمت وهبي صغيرا في السن.. فجأة في أول أربعينه زفي عز عطائه وأذكر اني كنت ممن حزنوا على فقده.
في نهاية كل عام وبداية آخر (مثل هذه الأيام) يخطر على بالنا «أميغو» وسهرات طويلة مع صوته وضيوفه في برامجه المنوعة من أساطير الطرب والفن الجميل، الذين كانوا أصدقاء له وللمشاهدين أيضا. وفي حين كان للاذاعات سحرها في ذلك الزمن، واليوم نحن أمام الكثير من القنوات والأكثر من الضجيج الصوتي.
رحم الله حكمت وهبي… وذلك الزمن الجميل.
الممثلة ذات البنطال الممزق
لا يوجد أسوأ من ظاهرة الاستعراض على جراح المقهورين، وقد تفوقت ذات البناطيل الممزقة الممثلة السورية رنا أبيض على كل من سبقها ومن سيلحقها بهذا الاستعراض حين انتشرت لها مجموعة صور معدة باحتراف تقف في بنطالها الممزق على الموضة، لا عن حاجة ولا فقر، وبكامل مكياجها، الذي يذكرك أحمر الشفاه به بمشاهد الضباع، وقد تلطخ فمها بالدم بعد التهام الفريسة لتقف بجانب كرام متعثرين مقهورين بواقعهم في شوارع سوريا الحرب في حركات استعراضية تمثيلية ممجوجة، وتحمل طفلا عضه القهر مبكرا فكانت الحقيقة في هؤلاء ماثلة بلا تزويق، وكانت «الفنانة» عديمة الإحساس تماما، كما وصفها ووصف سلوكها شاعر الشام هاني نديم، وقد استفزته فكتب يقول (لم يعد الكثير من الفنانين والمشاهير في وجوههم ماء، ضاربين عرض الحائط بالإعلام لأنه منحط في غالبه كما يريدون تماماً، غير آبهين بالفقراء إلا إن كانوا مجرد «لوكيشن» يتسّق مع ثيابهم، كما هنا، في هذه الصورة للفنانة الممزقة الجينز، حيث أكمل القهر والفقر من حولها «تمزيق» ما ظل غير ممزق..).
كوميديا بطعم حديث
الفرق بين حسن حسني وبيومي فؤاد أن الأخير استطاع بذكاء أن يوظف حضوره الدائم في الأعمال كلها ليكتسب نجومية خاصة به، ولم يحبس حضوره بالأدوار النمطية ذاتها، خصوصا أنه أشهر من أدى دور الطبيب في الدراما المصرية (الكوميدية غالبا).
كوميديات بيومي أفندي، الذي استفاد من دراما السكتشات المنفصلة المتصلة، والتي تنوع فيها الرجل بأداء شخصيات ضمن قالب كوميدي مسل، وقد أدرك جوهر صناعة الترفيه في زمن الفضائيات، ونال نجوميته بامتياز.
السخرية حد الفانتازيا هي ما يميز أغلب تلك السكتشات، التي يقدمها بيومي أفندي، حتى السخرية من واقع الدراما المصرية نفسها من خلال تضخيم الصورة الكاريكاتيرية لهذا الواقع الرديء جدا.
السخرية فن رفيع المستوى، وفارق كبير بينه وبين المسخرة التي تزخر بها الفضائيات العربية غالبا.
قناة «الجديد» خالية من الأخبار
تنافست الفضائيات العربية (غير الإخبارية منها) على تقديم أفضل ما عندها من أفكار مبتكرة احتفالا بنهاية العام، والفضائيات اللبنانية (ما عدا المنار) كانت الأكثر امتيازا في تقديم أجواء الميلاد المجيد ككرنفال فرح وبهجة، ربما يعود هذا إلى أن لبنان منسجم مع ذاته في إحتفالية الميلاد وهو الذي قدم للعالم سيدة الأعياد فيروز.
لكن قناة «الجديد» تفوقت بقرارها في آخر ليلة من سنة 2017 بأن تجعل شاشتها خالية تماما من الأخبار، ونشرة اخبار الجديد غير التقليدية والمميزة أساسا كانت غائبة عن شاشة الجديد التي قررت أن تستبدل كل برامجها المعتادة باحتفالات على الهواء قدمت فيها الجوائز والمساعدات والمفاجآت للبنانيين المغتربين والمقيمين في لبنان على حد سواء.
تلك خطوة مهمة في عالم الفضائيات، وهي خطوة الإنتاج التلفزيوني التفاعلي مع المتلقي، ليصبح هو جزءا من داخل الشاشة ومحتواها بهمومه ومشاكله بعيدا عن أضواء الاستوديو والبهرجة المتكلفة والماكياج وفنون الإخراج المصطنعة.
الفرق في احتفالات أوروبا
لكن وفي أجواء مختلفة تلفزيونيا، هنا في أوروبا، طغت احتفالات المحطات التلفزيونية الأوروربية بليلة رأس السنة، لحيث تلاحظ الفرق بين الاحتفالية الأوروبية في شرق القارة وفي غربها، والفرق جلي وواضح، فطقوس الاحتفال في أوروبا الشرقية أكثر ازدحاما ودفئا برأس السنة، ومرد ذلك يعود إلى أيام الاتحاد السوفييتي، الذي منع الاحتفالات الدينية فكان الاحتفال بالكريسماس ممنوعا كعيد ديني، فانصب الفرح كله اجتماعيا على ليلة رأس السنة احتفالا بالتقويم ونهاية عام لا أكثر، بينما في أوروبا الغربية التي لم تعان من هذا الأمر فإن الاحتفالات المحلية برأس السنة كانت مقتصرة على الترفيه المبهر بالأضواء لا بالطقوس.
في الأحوال كلها، هو عام جديد يحمل لنا فيه ما يحمل من أحداث وأخبار، كل أمنياتنا فيه أن يعم السلام والروح الإنسانية كل المعمورة.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة