كيف نستفيد من الانفجار الإيراني؟

حجم الخط
0

1. في السبع سنوات التي انقضت منذ بدأت الاضطرابات في العالم العربي، التي سميت «الربيع العربي» ـ في منتصف كانون الأول 2010 اندلعت في تونس ومع نهاية كانون الثاني 2011 اجتاحت مصر ومن هناك إلى العالم العربي، في طريقها إلى ما تبين في نظرة إلى الوراء كشتاء عربي. هذه السبع سنوات ليست سوى وقع يومي صعب لشعوب المنطقة التي ذبح مئات الآلاف منهم وتحول الملايين إلى لاجئين؛ وهي أيضا مثال على العمى الذي أصيب به قسم مهم من النخبة الغربية بالنسبة لمنطقتنا.
حتى قبل أن نغوص في فهم الآلية التي سمحت ولا تزال بهذا العمى، يجدر بنا أن نشير إلى وحدة زمنية أخرى نشهدها هذه الأيام حقا: الاضطرابات الحالية في إيران، تذكر بالاضطرابات التي اندلعت في منتصف حزيران 2009 في أعقاب تزوير نتائج الانتخابات. فقد اندلعت الاضطرابات في حينه في السنة الأولى من ولاية براك أوباما كرئيس، والحالية ـ في السنة الأولى لدونالد ترامب. من المهم أن نميز بين إيران والعالم العربي ـ من نواح عديدة: تأريخية، ثقافية، دينية وغيرها. ومع ذلك لا تقل أهمية أيضا أن نرى المبنى الإسلامي المشترك.
2. في عام 1978 نشر الكتاب المؤثر لإدوارد سعيد «الاستشراق». فقد ادعى سعيد بأن الشرق الأوسط كما نفهمه نحن، ليس موجودا «حقا» «في الواقع»، بل هو ثورة فَهْم الباحثين والمبدعين من أبناء الغرب ممن قرأوا المنطقة بمناظيرهم الثقافية، وخلقوا ما يسمى «الشرق» الخاص بهم.
إن الشرق الأوسط في البحوث الغربية، كما قال سعيد، هو كاريكاتور، جملة من الصور والتعابير التي نشأت في لغة خطاب معينة «سياسية» لا تعكس «العلم الصافي». باختصار، اتهم سعيد البحث الغربي بالعنصرية وبانعدام الفهم للشعوب العربية والإسلامية. لقد وقعت أقواله على أرض خصبة في التفكير الغربي، الذي سبق أن عانى في حينه من مشاعر الذنب بالنسبة للاستعمار الأوروبي الذي استغل العالم العربي (وشعوب أفريقيا وآسيا).
ففي الستينيات بدأت مسيرة بلغت ذروتها في العقد الماضي في الجامعات الغربية تغيرت فيها بشكل غير رسمي غاية الجامعة من مركز للعلم الساعي إلى نيل وفهم «الحقيقة» مهما كانت ـ إلى مركز علم يسعى إلى «العدالة الاجتماعية».
الأربعة عقود التي انقضت منذ نشر كتاب سعيد، والنقاش العاصف الذي طرأ في أعقابه، كانت في ظل خصي البحث والخطاب حول العالم العربي والإسلامي. على الحرم الجامعي الأمريكي سيطرت ثقافة الضحية، والتي تقول كلما كنت عاليا في مراتبية الضحية، ارتفع مدى «الحق» في أقوالك وتوفرت لك الحماية من كل نقد.
وبالتالي فإن النقد على من حظي بمكانة الضحية يعد على الفور «عنصريا» و«تعاليًا أبيض» وجملة التعريفات التي تبرر العنف المذهل في الجامعات ـ التي بحثت ذات مرة عن الحقيقة ـ ضد كل من يكفر بالافتراضات الأساسية لليسار الليبرالي.
وتحولت هذه لتصبح مسلمات دينية، أرثوذكسية علمانية أقامت محاكم تفتيش ترفع إلى بؤرة الاهتمام الإعلامي والجماهيري المؤمنين الذين ارتدوا وخرجوا عن الطريق.
ينسجم هذا مع الجهود لاتقان اللغة ـ ومن خلالها الوعي ـ بوساطة آلية السلامة السياسية. نحن نقرر ما هو المسموح قوله وعلى اي حال ما هو الصحيح التفكير به. والضحية الدوري، الذي يعتبر اليوم الأكثر خطرا في هذا الخطاب هو «لشدة الدهشة» المسلم الذي «انتصر» على جماعات الأقلية الأخرى (السود، المثليين وما شابه) في المنافسة على قلب الليبراليين في الغرب. يمكن التخمين أين هي مكانة إسرائيل في هذه المعادلة.
3. هذه المسيرة الثقافية الهائلة، التي ذكر هنا منها طرفها الأقصى، أعدت الأرضية للشكل الذي تناول به قسم سائد في النخبة الأمريكية والأوروبية الاضطرابات في العالم العربي: بدءا بالتعبير الرومانسي الذي أعطي لها ـ «الربيع العربي»، على وزن «ربيع الشعوب» في عام (1848) او «ربيع براغ» (1968)، وانتهاء بالعمى المذهل تجاه التيارات العميقة التي انكشفت علنا امام أعيننا المندهشة، ولكنها نالت التجاهل الذي أضيف إليه التوبيخ للمراقبين الذين فسروا الأحداث بشكل مختلف.
بعد نحو أسبوعين ونصف الأسبوع من اندلاع الاضطرابات في مصر، وقف الصحافي من «نيويورك تايمز» توماس فريدمان سَكِرًا من السعادة في ميدان التحرير، وتغنى في ما بدا له كتكرار لأحداث تأريخية موازية في أوروبا. فقد هاجم حكومة إسرائيل على تحفظها من الأحداث ووقوفها جانبا.
لم يكن لديه شك بأن لا علاقة لهذه الثورة بالإخوان المسلمين: «ما جعل هذه الثورة مثيرة للانطباع جدا هو بالضبط حقيقة أنها لا يسيطر عليها الإخوان المسلمون ولم تلق الالهام منهم»، كتب يقول.
بعد أسبوع من «بطاقة المعايدة من القاهرة» التي بعث بها فريدمان إلى صحيفته، خطب في الميدان نفسه من كان مصدر الالهام للإخوان المسلمين، الشيخ المنفي يوسف القرضاوي، أمام أكثر من مليون متظاهر. ولاحقا سقطت مصر في أيدي الإخوان المسلمين، حتى الانقلاب العسكري للسيسي.
نشر فريدمان في نهاية الألفية السابقة كتابا بعنوان «الليكسوس وشجرة الزيتون» الذي أعرب فيه عن ثقته بانتصار التكنولوجيا، العولمة والطريق السريع إلى المعلومات (سيارة الليكسوس) على المفاهيم التقليدية التي يمثلها العالم القديم (شجرة الزيتون). كما كانت هذه هي الروح في خطاب أوباما في القاهرة في حزيران 2009.
4. شكل التفكير هذا لا يدفع الإنسان الفرد ليقف منفعلا أمام سياقات تأريخية هائلة ليشعر بصغره: العكس هو الصحيح. فهو يغلف أصحاب هذا الفكر بغرور سياسي وثقافي في أنه يمكنهم أن يفرضوا على التأريخ تغيير خطاه ليكون «عقلانيًا» أكثر ودينيا وأسطوريا أقل.
البر كاموك تحدث في كتابه «الطاعون» عن سكان مدينة اوران ـ التي تمثل الحضارة الغربية ـ الذين «لم يتعلموا طرق التواضع» ولهذا لم يعرفوا كيف يدافعوا عن أنفسهم في وجه الوباء حين هاجمهم. وها هو انظروا ماذا حصل لـ «الليكسوس السياسي في الشرق الأوسط». فقد أقيمت الدول العربية في معظمها بعد الحرب العالمية الأولى في تقسيم للغنيمة بين القوى العظمى الأوروبية. وفرضت القومية العربية على المباني القبلية القديمة لشعوب المنطقة. وهكذا ألصقت بالقوة جماعات عرقية معادية، وخلقت لها قوميات سورية، عراقية، ليبية وما شابه.
لعل «الربيع العربي» كان نهضة ـ ولكن ليس بالمعنى التأريخي للتعبير الأوروبي، بل بمعناه العميق: ولادة متجددة وعودة إلى المباني السياسية القديمة للمنطقة، الأكثر استقرارا من المخلوقات السياسية المصطنعة التي فرضت على الشعوب العربية. يمكن أن نرى النهضة المعاكسة في تركيا أيضا حيث يقع انقلاب مضاد، وتراجع عن الثورة العلمانية الكمالية لأتاتورك، إلى مبان تقليدية إسلامية.
إيران استثنائية بسبب التأريخ الثقافي والديني الفارسي الذي صممها قبل الاحتلال الإسلامي.
والانفجارات الثورية هناك هي الأخرى إشارة من التيارات العميقة السابقة التي تصعد من الشرائح الاجتماعية والقومية الداخلية ولكن في الاتجاه المعاكس ـ ضد الثورة الإسلامية التي فرضت على هذه الأمة. هذا الدرس يجب أن يكون أمام ناظرينا عندما نأتي لنفحص ساحتنا الداخلية.

إسرائيل اليوم5/1/2018

كيف نستفيد من الانفجار الإيراني؟

درور ايدار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية