شهدت إيران في تاريخها الحديث ثلاث ثورات مهمة تختلف كل واحدة عن الأخرى ولكنها تشترك في المحفزات التي أدت إليها وهي الفساد وسوء الحكم والاستبداد. فالأولى هي الثورة الدستورية ما بين عام1905- 1911 والثانية تأميم محمد مصدق للنفط الإيراني 1951- 1953 وتخليصه من احتكار بريطانيا والثالثة الثورة الإسلامية بين 1978-1979. وجاءت كل واحدة من هذه الثورات تعبيرا عن تغيرات كان المجتمع الإيراني يمر بها من انتشار التعليم إلى زيادة في توقعات الطبقة المتوسطة النامية وعدم الرضا بتضخم ثراء طبقة رجال الأعمال وسوء إدارة المؤسسة الحاكمة لطرق توزيع الثورة. وكانت تعبر عن طموح بنشوء شكل من أشكال الحكم الديمقراطي وانتهت جميعا بالخيبات. فالثورة الدستورية التي أدت لولادة برلمان لكي يكون رقيبا على سلطة الشاه انتهت بالسماح للشاه بعد عقدين من الثورة لأن يحكم البلاد بطريقة مطلقة. أما مصدق الذي كان داعية للنظام الليبرالي وشعبويا في تفكيره ورافضا للحكم الملكي، فقد أحبطت محاولاته عملية مشتركة للسي آي إيه والمخابرات البريطانية أعادت الشاه وسجنت مصدق. وأدى قمع الشاه بعد عقدين للثورة الإسلامية التي منحت القوى السياسية في البلاد وهم نشوء دولة ديمقراطية وانتهت بالحال الآن دولة دينية تحمل إشارات من الأنظمة الديمقراطية من انتخابات وبرلمان وتداول في السلطة ولكنها في جوهرها تأتمر بأمر ولي الفقيه – المرشد الأعلى للجمهورية، وتعتمد على القمع كأداة للبقاء، ووسائلها هي الحرس الثوري والباسيج وقمع حرية التعبير وملاحقة المعارضة. ما يعني ان حلم التغيير الديمقراطي ظل معلقا وأي محاولة للتغيير السلمي للسلطة كانت تواجه بالقمع. لكل هذا يرى ميساغ بارسا البروفسور في دارتماوث كوليج في كتابه «الديمقراطية في إيران» (2016) أن الديمقراطية في إيران لن تتحقق عبر التغيير السلمي بل وعبر الثورة.
وتاريخ الجمهورية الإسلامية الحالي يمنح فكرة عن استحالة تحقيق الثورة، فانفجاراتها المتعددة، الداخلية والشعبية انتهت بسيطرة القوى القمعية في البلاد على مقاليد الأمور واستمرار الحكم كما هو «ولاية الفقيه». وهذا يعكس بالضرورة ديناميات داخل النخبة الحاكمة وديناميات مجتمعية تتأثر بالواقع المعاش وما يجري في العالم. ففي الوقت الذي يفهم فيه الإيرانيون ما يجري حولهم ويطمحون لأن يكونوا جزءا من تغيرات العالم في ظل ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي، إلا أن العالم وخاصة أمريكا لم تفهم رغم العداء الطويل بينها والجمهورية الإسلامية الشعب الإيراني وترتكب إداراتها الخطأ بعد الآخر، وباراك أوباما الذي جاء يحمل وعود «الحلم» للعالم ليس مبرأ من الأخطاء رغم أنه أغضب حلفاءه العرب ومد يده عام 2015 لإيران لوقف مشروعها النووي. وهو ما يقوم دونالد ترامب اليوم بتمزيقه تحت شعار وقف الهيمنة الإيرانية على المنطقة العربية.
لكل هذا تكشف دعوة أمريكا مجلس الأمن الدولي لمناقشة التظاهرات التي اندلعت في المدن الإيرانية نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي عن سوء فهم للدينامية الإيرانية الداخلية وأسباب التظاهرات الاقتصادية في الجوهر والتي جلبتها العقوبات الأمريكية على النظام بالإضافة للسياسة الخارجية الإيرانية ومغامراتها في سوريا والعراق واليمن ولبنان والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وتغول الحرس الثوري وسيطرته على اقتصاد الدولة. لكن نيكي هيلي سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة وجدت نفسها محلا للاتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وتساءل ممثل روسيا إن كان هذا هو الحال فلماذا لم يدع مجلس الأمن للانعقاد عندما قتلت الشرطة الأمريكية فتى اسود في ميسوري؟ ونقلت صحيفة «التايمز» (4/1/2018) دورا للحرس الثوري الذي وزع أشرطة فيديو للتظاهرات في محاولة لإحراج حكومة روحاني التي تم تسريب ميزانيتها التي أعطت المؤسسات الدينية والحرس الثوري والمنظمات الداخلية والخارجية حصة الأسد فيها فيما تم رفع أسعار السلع الرئيسية بشكل أغضب الطبقات المحرومة في المجتمع الإيراني.
وتقول مجلة «إيكونوميست» (2/1/2018) إن الكثير من الذين تجمعوا في تظاهرة مشهد كانوا من أنصار إبراهيم رئيسي المرشح الرئاسي الخاسر وهتفوا «الموت لروحاني» قبل أن تتطور إلى هتافات معادية للديكتاتورية أي خامنئي. وانتشرت التظاهرات حسب تقديرات مسؤولين في «سي آي إيه» إلى 80 بلدة ومدينة ووصلت إلى العاصمة طهران ولكن ليس على القاعدة التي شهدتها عام 2009 فيما يعرف بالثورة الخضراء التي خرج فيها حوالي 3 ملايين متظاهر احتجاجا على نتائج الانتخابات التي أعادت محمود أحمدي نجاد إلى السلطة على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي. واعترف الرئيس روحاني بأحقية المتظاهرين التعبير عن مشاعرهم ولكن بطريقة سلمية. وهو اعتراف بالضرورة بالغضب الذي يتخمر منذ شهور، فسكان المناطق الشمالية التي يعيش فيها الأكراد حانقون على اللامبالاة الذي أبدته الحكومة حيال الهزة الأرضية التي ضربت مناطقهم في تشرين الثاني (نوفمبر) ولا يزال الآلاف يواجهون البرد القارص في ملاجئ مؤقتة. وكانت طهران شهدت تظاهرات بعد انهيار مؤسسات إقراض مالية مرتبطة بالحرس الثوري وخسر فيها الكثيرون كل توفيرهم. واشتكى عمال المصانع عدم تلقيهم رواتبهم منذ شهور. ورغم حديث حكومة روحاني عن تخفيض التضخم وزيادة في النمو الاقتصادي إلا أن نسبة البطالة ارتفعت 27في المئة.
والملاحظ من هتافات المتظاهرين أنها تعبير عن غضب من أركان النظام سواء كانوا متشددين أو إصلاحيين «لا للمحافظين ولا للمتشددين» وهتف آخرون «الموت للحرس الثوري» و «اتركوا سوريا وانظروا إلينا». وبعيدا عن اللهجة التصالحية من روحاني، انتقد خامنئي القوى الخارجية واتهمها بالوقوف وراء المتظاهرين، خاصة السعودية التي وعد ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان بنقل الحرب إلى داخل إيران وإسرائيل التي رحب زعماؤها بالتظاهرات وشجعوها وفوق كل هذا ترامب الذي وعد بمساعدة المحتجين في الوقت المناسب. وتعبر التظاهرات مثل الربيع العربي عام 2011 عن دينامية الأطراف التي خرجت بدون قيادة ونجحت بإسقاط قوى مستبدة قبل أن تستفيق القوى المضادة وتعود للسيطرة كما في مصر واليمن وتونس بدرجة ما. وكما كتب كريم ساجد بور في مجلة «ذا أتلانتك» (31/12/2017) فالحركة الاحتجاجية الأخيرة مثلها مثل حركات التغيير في العالم العربي «تواجه عقبات قمعية كبيرة ومن النادر أن تنتهي بنهايات سعيدة، حتى عندما ينجح المتظاهرون بالإطاحة بمستبد فإنهم نادرا ما ينجحون بالقضاء على الاستبداد». وفي إيران فالصعوبات أكثر، لأن المتظاهرين لا يقاتلون نظاما علمانيا بل دينيا مدججا بالسلاح ويحب أفراده الموت. كما أن ما جرى في المدن الإيرانية لم يكن منظما ولم تقد النخب الليبرالية التظاهرات كما في عام 2009. وما يهم في «الانتفاضة» الحالية هو سعتها الجغرافية. وأكد ساجد بور كغيره من المعلقين ان انتشارها السريع سببه ثورة «الهواتف الذكية» ففي عام 2009 لم يكن يملك هواتف ذكية في إيران إلا أقل من مليون شخص. أما اليوم فعدد حملة الهواتف الذكية من الإيرانيين 48 مليونا، وكل واحد مرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات. ويعتقد ان عدد مستخدمي تطبيق «تلغرام» يزيد عن 40 مليون شخص وهم بعيدون عن رقابة الحكومة. وهذا التميز الاتصالي لا يعني أن المتظاهرين سيحققون التغيير المنشود، لأن الدولة تملك من أدوات القمع ما يجعلها قادرة على إخماد أي محاولة لتغيير النظام، من الحرس الثوري للباسيج للميليشيات التي دربتها ورعتها في الخارج. ويرى بور أن التغيير لن يحدث بسهولة أو قريبا، فالمعركة على مستقبل إيران طويلة. والمهم هو أن الهزات التي تضرب النظام الديكتاتوري تفقده الحس بالثقة، وهو ما حدث لنظام الشاه الذي أكدت «سي آي إيه» في آب (أغسطس) 1979 أنه لا توجد حالة «ما قبل الثورة» ولا حتى ثورة. وبعد شهر سقط الشاه وخرج من إيران بدون عودة وانتصرت الثورة.
ولا نعرف إن كانت هذه الاحتجاجات هي «بداية للتغيير» كما كتب ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (4/1/2017) وأكد أن النظام الإيراني لن يستمر بالانتصار للأبد وعاجلا سيظهر من بين الجماهير قائد يدير دفة التغيير. ويعتقد أن روحاني ضيع فرصة ذهبية لقيادة التظاهرات الحالية. وأكد أن النظام الذي أغلق مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكنه السيطرة على الفضاء الالكتروني بالكامل. ويشير إلى أهمية انتهاز الولايات المتحدة فرصة انشغال طهران بمشاكلها الداخلية وضرب وكلائها في سوريا والعراق ولبنان واليمن. ما يعني تجنب ترامب الملف النووي في الوقت الحالي. وهو ما تبنته صحيفة «واشنطن بوست»(1/1/2018) وقالت إن خمسة أيام من الاحتجاجات كشفت عن ضعف النظام الإيراني الذي يوصف عادة في واشنطن بالقوة الإقليمية الضاربة. فرغم رفع العقوبات في عام 2015 بعد توقيع الاتفاقية النووية لم تكن الجمهورية الإسلامية قادرة على الوفاء باحتياجات الإيرانيين اليومية والذين شاهدوا كيف بذر رجال الدين مصادرهم الوطنية على الفساد والمغامرات الخارجية. وفي الوقت نفسه حرموهم من أبسط مبادئ الحرية. وقالت إن المطالب الشعبية بالتغيير مبررة وتستحق الدعم الدولي. وأكد دينس روس في «فورين بوليسي» (2/1/2018) أن الإدارة الأمريكية التي وعدت بمواجهة التمدد الإيراني الخارجي لم تفعل إلا القليل، وتظاهرات الإيرانيين تذكير بأنهم لن يتسامحوا مع الثمن الذي تدفعه بلادهم لحماية أنظمة خارجية. ومن هنا يذكر روس أنه تعلم من عام 2009 عندما كان مستشارا لأوباما بشأن إيران أن على الولايات المتحدة ان لا تسكت أمام ما يجري في هذا البلد كما اختارت أثناء تظاهرات الحركة الخضراء خشية من أن تعطي نظام الملالي الفرصة لوسم المتظاهرين بالمرتبطين بالغرب. ويجب على الإدارة الربط بين المظالم الاقتصادية والمغامرات الإيرانية في الخارج. وهذه لن تتوقف كما يرى الباحث ري تاكيه، من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في مقالة له بمجلة «بوليتكو» (2/1/2018) حيث يرى أن ضعف النظام في الداخل قد يدفعه لإظهار قوته في الخارج. كما أن طبيعة النظام نفسه تقوم على «ثورة بلا حدود» مشيرا إلى أن ضحايا تظاهرات الأسبوع الماضي هما خامنئي وروحاني، مؤكدا أن الأخير ظل موظفا في خدمة نظام ولي الفقيه وشارك في كل القمع وملاحقة المتظاهرين وليست لديه الرغبة بالإصلاح أو التغيير، مع أنه قضى العام الماضي وهو ينتقد الفساد والفاسدين. ويرى أن التظاهرات هي نهاية لمحاولات النظام إصلاح صورته أمام الجماهير بعد قمع عام 2009 ولهذا سمح لروحاني بالفوز. وأصبح هذا ضحية للتوقعات التي أسهم في رفع سقفها.
ويرى أن الثورة الإيرانية مشروع مستحيل يقوم من خلاله خامنئي بتقوية مداميكه المهتزة أمام طموحات جيل شاب يدخل البلاد مرحلة انتقالية طويلة المدى. فالثورة قادمة مع أن الثوريين لم يتجمعوا بعد على بوابة المدينة.
إبراهيم درويش