باريس ـ «القدس العربي»: يبدو أن تصاعد حدة الاحتجاجات في إيران ومخاطر القمع القاسي عقدت المعطيات بالنسبة للأوروبيين والفرنسيين بالأخص، الذين فضلوا حتى اللحظة التزام «الحذر» في ما يتعلق برد فعلهم على ما يحدث في إيران، أملا منهم في أن «تضمن» طهران حق التظاهر للمحتجين، خلافا للموقف الأمريكي وتعهد الرئيس دونالد ترامب بتقديم ما وصفه بـ «دعم عظيم» للمحتجين في إيران مشيدا بـ«شجاعتهم».غير أن احتضان باريس لقيادات المعارضة الإيرانية، ممثلة في جماعة مجاهدي خلق، يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين طهران والدول الأوروبية في مقدمتها فرنسا.
فخلال المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الثلاثاء، 02 كانون الثاني/يناير الجاري، مع نظيره الإيراني حسن روحاني، أعرب الرئيس الفرنسي لنظيره الإيراني عن «قلقه» بشأن «عدد الضحايا على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت» في إيران، داعيا إلى «ضبط النفس والتهدئة»، ومشددا، في الآن نفسه، على «وجوب احترام الحريات الأساسية وخصوصا حريتي التعبير والتظاهر» حسب ما جاء في بيان قصر الإليزيه. وأوضح البيان، أيضا، أنه في ظل السياق الحالي والتطورات في إيران، قرر الرئيسان تأجيل الزيارة التي كان يفترض أن يقوم بها وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، إلى إيران نهاية الأسبوع، على أن يتم لاحقا تحديد تاريخ جديد لهذه الزيارة والتي من المقرر أن تمهد لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي كان قد أعلن منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي نيته التوجه إلى إيران خلال 2018.
تأجيل الزيارة رأى فيه بيار لوي ريمون، الباحث الأكاديمي الفرنسي: «رسالة مهذبة من باريس مفادها استحسان عدم صب الزيت على النار».
واعتبر ريمون أن النهج الدبلوماسي الجديد الذي يطبقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يهدف إلى «تكريس توازن يجعله في موقع الزعيم الذي يخاطب الجميع»، رأي شاطرته الدكتورة سلين جريزي، الأكاديمية المتخصصة في الجيوسياسة، في باريس، التي اعتبرت أن جيوسياسية فرنسا في الشرق الأوسط عامة وفِي إيران خاصة أصبحت «محددة وواضحة»، خاصة منذ تولي ماكرون السلطة، في أيار/مايو الماضي، «ورغبته في التميز واظهار دبلوماسية فرنسا الناعمة كقوة مواءمة ووساطة» وهذا ما تعول عليه إيران في موضوع النووي والاتهامات الموجهة لها حول تدخلها في شؤون المنطقة وزعزعة أمنها ورغبتها في التمدد على حساب جيرانها.
روحاني يتهم مجاهدي خلق بالإرهاب، والجماعة تقول إن الانتفاضة ضده واجب وطني، وباريس تلتزم الحياد
خلال مكالمتهما الهاتفية، ومساء الثلاثاء المنصرم، أبلغ الرئيس الإيراني حسن روحاني، نظيره الفرنسي ماكرون تنديد طهران بوجود جماعة مجاهدي خلق في فرنسا واصفا إياها بأنها تتحرك ضد الشعب الإيراني عبر تأجيج أعمال العنف، حسب ما أورد بيان للتلفزيون الرسمي الإيراني. وأضاف روحاني، حسب البيان نفسه، أن طهران تنتظر تحركا من السلطات الفرنسية ضد هذه المجموعة.
هذه المطالب رأى الدكتور رامي الخليفة العلي، أستاذ الفلسفة السياسية في باريس، أنها، على المدى القصير، تخدم «الدعاية التي يقوم بها النظام الإيراني ضد الانتفاضة القائمة في إيران بالقول إن هناك أيادي خارجية أدت لاشتعال تلك الانتفاضة».
وردا على اتهامات الرئيس الإيراني، اعتبر الدكتور سنابرق زاهدي رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في تصريح لصحيفة «القدس العربي» اعتبر أنها « تعكس قبل كل شيء خوف نظام الملالي من توسع الانتفاضة العارمة ضد نظام الإرهاب الحاكم في إيران باسم الدين والترحيب العام بمنظمة مجاهدي خلق والمقاومة الإيرانية». وأضاف زاهدي إنه «لا شك أن هذه الانتفاضة المباركة تهدف إسقاط نظام ولاية الفقيه وهذا الهدف عملت له منظمة مجاهدي خلق منذ 36 عاماً وقدّمت في سبيل ذلك أكثر من مئة ألف شهيد».
كما أن «منظمة مجاهدي خلق وشبكات المقاومة هي التي تقود هذه المظاهرات وتعتبرها واجباً وطنيا».
أداة باريس لمقايضة طهران
ومع أن بيان الرئاسة الفرنسية، حول نتائج المكالمة الهاتفية بين روحاني وماكرون، لم يتطرق إلى موضوع مجاهدي خلق، إلا أن صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، نقلت، في عددها الصادر، يوم الأربعاء، 03 كانون الثاني/يناير الجاري، عن أوساط الرئيس ماكرون تأكيدهم أن الأخير أوضح لنظيره الإيراني عدم وجود أي اتصال لحكومته مع جماعة مجاهدي خلق، واصفا اتهامات الحكومة الإيرانية لهذه الجماعة بالإرهابية بأنها «خطيرة» وأن باريس ستنظر في موضوع هذه الجماعة. وفي هذا الصدد تعلق الدكتورة سيلين جريزي قائلة إن «فرنسا تعول على منظمة مجاهدي خلق كأداة ضغط على النظام الإيراني من أجل الحصول على تنازلات إن لم نقل مقايضات» في ظل الدور الفاعل والتأثير الكبير لهذه الجماعة التي تعتبر أقوى وأنشط جبهة معارضة للنظام في طــهــران وتمـتـــاز بســعـــة شبكتها وبعلاقاتها المتميزة والرفيعة مع أصحاب القرار في أوروبا عامة وفي فرنسا على وجه التحديد، غير آبهة لتنبيهات طهران لباريس.
وتحظى جماعة مجاهدي خلق بدعم مجموعة من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ والوزراء السابقين في فرنسا. وتنظم سنويا مؤتمرا في باريس تشارك فيه شخصيات سياسية ومثقفون أمريكيون وغيرهم. وفي عام 2016 شارك في المؤتمر ولأول مرة مسؤول سعودي، هو الأمير تركي الفيصل، المدير السابق للمخابرات السعودية، بالإضافة إلى «أبواق» فرنسية كما وصفها الصحافي في جريدة «لوفيغارو» الفرنسية، المتخصصة في شؤون منطقة الشرق الأوسط، جورج مالبرينو، في مقاله حول موضوع إيران، بتاريخ 3 كانون الثاني/يناير الجاري. ونقل مالبرينو، في المقال عن دبلوماسي فرنسي وصفه بالمتابع الجيد للملف الإيراني منذ فترة طويلة، قوله إن «الأمريكيين يتلقون مبلغ 25 ألف دولار للواحد مقابل مداخلة مدتها لا تتعدى 15 دقيقة على هامش هذا المؤتمر. فيما يتقاضى الفرنسيون مبلغ حوالي 12 ألف يورو عن المداخلة.
ورغم أن الموقف الفرنسي والأوروبي القاضي بالتمسك بالاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 يبدو ثابتا حتى اللحظة، في معارضة التوجه الأمريكي الرامي إلى نقض هذا الاتفاق، منذ وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم، وتشبث الرئيس الفرنسي ماكرون بمبدأ الحوار مع طهران لتجاوز الخلافات بشأن السياسة الخارجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن العديد من المراقبين الفرنسيين للشأن الإيراني يرون أن استمرار الحركة الاحتجاجية في إيران قد يدفع في نهاية المطاف إلى تقارب بين ضفتي الأطلسي في الموقف من الحكومة الإيرانية.
وتؤكد أوساط الرئيس إيمانويل ماكرون أن إدارة الأخير لديها متطلبات، تتلخص في توقيف دعم طهران للميليشيات الشيعية في العراق، التي يطالب ماكرون بتفكيكها، وأن تعطى الأولوية مستقبلا لعملية انتقالية حقيقية في سوريا، وهي نقاط ينتظر أن تتصدر المحادثات المرتقبة بين ماكرون وروحاني خلال الزيارة المفترضة للرئيس ماكرون إلى طهران، خلال العام الجاري، والتي ستعد الأولى من نوعها لرئيس فرنسي إلى إيران، منذ أكثر من أربعين عاما.
آدم جابيرا