هل تطيح ثورة الجياع والمهمشين بولاية الفقيه؟

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: حاول النظام الإيراني من خلال لعبة تقسيم الأدوار بين الإصلاحيين والمحافظين أن يقتصر مفهوم «الشعب» في البلاد على أولئك الذين يشاركون في الانتخابات ويدخلون في لعبة أجنحة النظام. وهمّش من لم يشارك في تلك اللعبة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بهدف تأطير الحراك الداخلي الإيراني وفق وجهة النظر الحاكمة بين إصلاحيي النظام وبين متشدديه. وما يؤكد صحة ذلك هو موقف التيار الإصلاحي من الاحتجاجات الأخيرة الذي كان أكثر تشدداً من موقف المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، وزعماء المحافظين وقادة الحرس الثوري. حيث وصف حزب «مجمع المعممين المناضلين» (الذي يترأسه محمد خاتمي، الزعيم الإصلاحي البارز والرئيس الإيراني الأسبق) الاحتجاجات التي تشهدها مدن عديدة في البلاد بأنها شغب وفتنة، واتهمها بتلقي الدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين والإرهابيين.
وجاء في بيان الحزب الموقع من قبل محمد خاتمي «منذ اندلاع أعمال الشغب الجارية في إيران، شاهدنا صلة واضحة بين مثيري الشغب والفتنة وبين أعداء إيران وعلى رأسهم الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين والإرهابيين، وأنهم يتلقون الدعم من الخارج»، مطالباً الشعب الإيراني بتبني «أسلوب الإصلاحيين في حل مشاكل البلاد الاقتصادية».
والنقطة الأبرز في الاحتجاجات الأخيرة هي أن المحافظات والمدن الهامشية شهدت الزخم الأكبر للمظاهرات مثل مشهد وكرمانشاه والأحواز والفلاحية والقنيطرة وبوشهر وخرم آباد ودورود وتويسركان، بالإضافة إلى أصفهان وشيراز في وسط البلاد، على عكس احتجاجات الحركة الخضراء في عام 2009 التي تركزت بشكل كبير في المدن الكبرى خاصة طهران. وأدت سياسة النظام الحاكم ومن خلفه الطبقة المتحكمة بالاقتصاد إلى تهميش سكان هذه المحافظات التي تسكن في العديد منها غالبية غير فارسية (بين بلوشي وعربي وكردي ولوري وتركي وغيرها من القوميات الأخرى) وبدأت المشاكل الاقتصادية الكبيرة والفقر والفساد الاقتصادي المتجذر، تعرض بقاء هذه الشريحة من المجتمع إلى الخطر. وانطلقت هذه الاحتجاجات بمطالب اقتصادية ومحاربة الفساد وتحسين الوضع المعيشي للأسر، لكن سرعان ما ارتفع سقف المطالب ليصل إلى استهداف رأس النظام أي الولي الفقيه، ولأول مرة بعد عام 1979 تطالب مظاهرات شعبية رأس السلطة في إيران بالرحيل وتهتف ضده ومن معه بالموت. والسبب الرئيسي في أن شعارات هذه الاحتجاجات تجاوزت خطاب «إصلاحيي النظام» هو أن قياداتها هم من بين أولئك الذين حاول المحافظون والإصلاحيون أن يهمشوهم.
وما زاد الطين بلّة هو سيطرة حالة اليأس وعدم جدوى خطاب الطبقة المتحكمة بالأمور في البلاد في إصلاح الوضع الاقتصادي وتوفير فرص العمل والحياة الكريمة للمواطن، فضلاً عن أن حالة غضب متراكمة لدى نسبة كبيرة من الشعب الإيراني بسبب ملفات الفساد الهائلة لكبار مسؤولي النظام وأفراد أسرهم التي بلغ إجمالي مبلغ الجزء المكشوف من هذا الفساد أكثر من 30 مليار دولار خلال السنوات الـ10 الماضية فقط. وأدى هذا اليأس والغضب إلى فقدان الإصلاحيين السيطرة لتأطير مطالب هذه الشريحة، وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى حالة عصيان مدني دون قيادات معروفة وواضحة وبخطاب يفوق التوقع، وانطلقت شرارة هذه الاحتجاجات بعد عرض الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مشروع قرار الموازنة العامة على مجلس النواب، حيث تم الكشف عن أن سعر المحروقات سيتم رفعه بنسبة 50 في المئة، وأن ميزانية الحرس الثوري والمؤسسات التي تخضع لإشراف الولي الفقيه، تم زيادتها بنسبة 40 في المئة، وأن الحكومة تخطط لزيادة إيراداتها من الضرائب بنسبة 25 في المئة.
وتظهر هتافات مثل «الموت لخامنئي» و«أترك سوريا ولبنان وفكّر بحالتنا» أن المحتجين يدركون جيداً أن المشروع التوسعي الإيراني واستراتيجية النظام الخارجية (التي يحددها الولي الفقيه) والتمويل المستمر للميليشيات المسلحة المتعددة هنا وهناك، كلّفتهم الكثير، وأصبح المواطن هو من يدفع فاتورة تلك السياسة مباشرة من اقتصاد أسرته، فضلاً على أن السبب الرئيسي للعقوبات المفروضة على إيران هو سياسة النظام الخارجية. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، زادت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ميزانية ذراعها في لبنان بنسبة 4 أضعاف خلال عام 2017 وارتفعت الأموال التي تنفقها طهران على حزب الله من 200 مليون دولار إلى 830 مليون دولار سنوياً.
وتعمقت فجوة الدخل الاقتصادي بين العوائل التي تسكن طهران، والتي تسكن في المحافظات الهامشية، بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية، وكانت هذه الفجوة تقارب 45 في المئة لكنها ازدادت بنسبة ضعفين وبلغت أكثر من 87 في المئة خلال الأعوام العشرة الماضية. والفجوة الكبيرة بين اقتصاد الأسر في المدن الكبرى والصغرى، زادت الشعور بالحرمان والمظلومية لدى سكان المدن الهامشية بشكل كبير جداً. وصبّ حسن روحاني الزيت على النار التي كانت تحت الرماد، من خلال وضع بند في مشروع قرار الموازنة العامة الذي يفضي بقطع الدعم الحكومي والمساعدات الاقتصادية لأكثر من 30 مليون من الفقراء وأفراد الأسر ذات الدخل المنخفض، وغالبية هؤلاء يسكنون في المحافظات الهامشية والمدن الصغيرة.
ولم يكن وضع حد لتفشي البطالة في البلاد ضمن أجندة حكومة روحاني كما كان الحال في الحكومات السابقة، وبلغت مستويات خطيرة جداً على الرغم من أن إيرادات البلاد النفطية تجاوزت 1000 مليار دولار خلال السنوات الـ15 الماضية، حسب ما أعلنته وزارة النفط الإيرانية. وأعلن مركز الإحصاء الإيراني الصيف الماضي أن نسبة البطالة في البلاد بلغت 12.6 في المئة، وأنها تخص الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاما، وفي ربيع 2017 ارتفعت إلى مستوى 26.4 في المئة، وأشار التقرير إلى ارتفاع نسبة البطالة التي تخص الفئة العمرية 15 إلى 24 عاما ارتفاعا ملحوظا في نهاية العام الماضي، حيث وصلت إلى مستوى 28.8 في المئة. لكن الإحصائيات التي نشرتها جريدة «إيران» الرسمية التابعة للحكومة في تقريرها التحليلي عن أسباب اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، تظهر أن نسبة البطالة في المدن التي شهدت زخماً أكبر من المظاهرات، أكثر بكثير من معدل البطالة في البلاد. ومع أن إيران لا تعتبر من اشتغل لأكثر من عام واحد ولو أنه عاطل عن العمل حالياً، من ضمن نسبة البطالة، تظهر الإحصائيات الحكومية أن نسبة البطالة في إقليمي بلوشستان السني والأحواز العربي هي 35.5 و26 في المئة على التوالي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل البطالة لكل البلاد. بينما كشف عضو لجنة التنمية في مجلس النواب الإيراني، حميد رضا بشنك، خلال حديثه لوكالة «إسنا» للأنباء الطلابية التابعة لوزارة العلوم والأبحاث الإيرانية، أن 70 في المئة من سكان إقليم بلوشستان يعيشون تحت خط الفقر المطلق. وتثير إحصائية الفقر في بلوشستان الشكوك حول صحة الإحصائيات الحكومية عن نسبة البطالة، ونظراً لنسبة الفقر، فان نسبة البطالة الحقيقية في هذه المحافظات الهامشية بالضرورة، هي أكثر بكثير مما أعلنته الحكومة.
و»على عكس ما تشتهيه السفن» سجل سعر صرف الدولار في إيران مستويات تاريخية جديدة، وبلغ 44 ألف و200 ريال إيراني، بسبب الاحتجاجات الأخيرة، وسيؤثر مباشرة على ارتفاع أسعار السلع والخدمات. ومن جهة أخرى، أدى حجب شبكات التواصل الاجتماعي مثل «تلغرام» و«انستغرام» إلى خسارة أكثر من 30 ألف إيراني عملهم، لأنهم يعملون في مجال التسويق على هذه الشبكات. وقدّرت صحيفة «شهروند» (وتعني المواطن) أن خسائر حجب مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام التي تلت الاحتجاجات، بلغت 5000 مليار ريال إيراني، وكتبت أن حجب شبكات تواصل الاجتماعي يفسد مخطط الحكومة لتقليص نسبة البطالة من خلال اعتماد المواطنين العمل في هذه الشبكات لكسب المال. وأعرب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الإيراني، محمد جواد آذري جــهــرمي، عن بالغ أسفه بسبب حجب بعض شبكات التواصل الاجتماعي، وقدم اعتذاره إلى المواطنين الذين تضرروا بسبب ذلك.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، طالب أعضاء كتل الإصلاحيين في مجلس النواب الإيراني من حكومة حسن روحاني أن تقوم بتعديل مشروع قرار الميزانية العامة للبلاد بحيث تكون لصالح الفقراء والأسر ذات الدخل المنخفض، وشددوا على ضرورة تعزيز الفريق الاقتصادي في الحكومة من خلال وجوه جديدة ووضع رؤية واضحة لإصلاح البنية التحتية الاقتصادية. ووعد رئيس مجلس النواب الإيراني، علي لاريجاني، أن البرلمان لن يصادق على البنود المتعلقة بزيادة أسعار بعض السلع والخدمات في مشروع قرار الميزانية العامة، خاصة سعر المحروقات.

هل تطيح ثورة الجياع والمهمشين بولاية الفقيه؟

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية