نظرة تحليلية في شعارات المتظاهرين ما بين اليوم والأمس

حجم الخط
1

الاحتجاجات التي اندلعت شرارتها الأولى في الأيام الأخيرة من عام 2017 في مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية دخلت أسبوعها الثاني، وانتشرت بسرعة إلى عدة مدن بشكل غير متوقع، وفاجأت المراقبين للشأن الإيراني. فما هي الأسباب الكامنة وراء اتساع رقعة الاحتجاجات التي عمت أرجاء البلاد؟
مؤخرا برزت الكثير من التساؤلات حول طبيعة وتكوين تلك الاحتجاجات وما رافقها من أحداث يلفها الغموض، بدءاً من مطالب المحتجين في اليوم الأول التي كانت تتمحور حول قضايا اقتصادية بحتة وإن تضمنت شعارات ضد رئيس الحكومة حسن روحاني، لكن مع استمرار المظاهرات في الأيام التالية وتطور الأحداث بشكل دراماتيكي أخذت المظاهرات منحى آخر، حيث طالت تلك الشعارات النظام برمته وفي بعضها المطالبة بعودة النظام الملكي للبلاد. عدم وضوح الصورة في المشهد السياسي الإيراني الذي أصابه الإرباك في بداية الأزمة هو الذي دفع الخبراء ومراقبي الـشــأن الإيراني للـتــأني قبل توقع ما يمكن أن تسفر عنه خاصة وأن المظاهرات ليست لها قيادة محددة يمكن التواصل معها.
والسمات الرئيسية التي ميّزت المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت في 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي عن غيرها من الاحتجاجات التي عمت إيران خلال العقود الأربع الماضية من عمر نظام الجمهورية الإسلامية، تكمن في تنوع الشعارات، واختلافها عن سابقاتها بشكل جذري. فإذا عدنا بالزمن قليلا إلى الوراء وبالتحديد إلى الحركات الاحتجاجية التي نزلت إلى الشارع في عام 2009 أو ما يعرف بالانتفاضة الخضراء، سنجد اختلافا جوهريا شاسعا سواء من حيث المطالبات أو طبيعة انتشارها جغرافيا أو حتى الشعارات التي رددها المتظاهرون بين الأمس واليوم.
ومن خلال تحليل الشعارات التي رفعها المحتجون في الأسبوع الأول من حراك الشارع والفئة العمرية المشاركة فيها، بات بالإمكان دراسة الأسباب وتداعيات الأزمة، والتي كان لها تأثيرها في انتشار الاحتجاجات على نطاق أوسع من مثيلاتها خلال السنوات الماضية.
يمكن القول أن القرائن والأدلة الرئيسية التي دفعت المحتجين للخروج للشارع واتساع رقعتها بهذا الشكل تُعزى للمشاكل الاقتصادية والمتعلقة بمعيشة المواطنين والبطالة والغلاء والفساد. فلا يمكن لأحد أن ينكر مدى تأثر الكثير من المواطنين بتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة الفقر والبطالة التي خلــقـت أرضــية خصــبة لاندلاع المظاهرات وانتــشــارها عــلـى نطاق واسع في البلاد.
ولا شك أن المظاهرات الأخيرة أخذت طابع العفوية حيث رفعت معظمها مطالب اقتصادية كمحاربة الفقر والفساد، وهي تفتقد لقيادات واضحة ومعروفة، مقارنة بالاحتجاجات السابقة. إلا أنها خرجت عن المألوف، من حيث أنها هذه المرة استهدفت رأس النظام عندما سمع فيها هتافات مست المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي والنظام برمته، وشعارات أخرى أبدى فيها المحتجون يأســهــم التام من سياسات التيارين الرئيسين المحافظين والإصلاحيين والابتــعـــاد عن جمــيع التيارات المنبثقة من داخل النظام الحاكم في البلاد. وهذا النوع من الشعارات كان وقعها قويا على النظام، حيث كانت رسالة المحتجين واضحة، أنهم فقدوا الأمل تماما في إصلاح النظام، وربطوا جذور جميع المشاكل التي تعانيها البلاد بالقيادات التي تتربع على هرم السلطة في النظام منذ عقود.
في الوقت نفسه بات من الواضح أن المجتمع الإيراني كسر جميع التابوهات والمحرمات التي تم استغلالها للعقود الأربعة الماضية لإخافته وقمعه، وكانت هذه نقطة تحول أساسية في الحراك السياسي للشارع في إيران.

اختفاء الطابع الديني

أخذت المظاهرات الشعبية التي شهدتها إيران خلال الخمسة عقود الماضية طابعاً دينيا أو مذهبيا في الكثير من الأحيان، حيث أن الشعارات التي تم ترديدها في العقود الماضية كانت تستمد جذورها من المعتقدات الدينية للمجتمع. إلا أن الأزمة الأخيرة تميزت في ابتعادها عن الشعارات الدينية، كما أن الاحتجاجات الأخيرة انتقدت استغلال النظام الحاكم للدين في قمع أي نقد قد يطاله أو يطال رموزه، حيث لوحظ في بعض المظاهرات شعار «جعلوا من الدين سلماً لإذلال الشعب».
بالنظر لاختفاء الهتافات الدينية في شعارات المحتجين، من المبكر الحديث عن تبني المجتمع في إيران توجهات علمانية وذلك لوجود علاقة معقدة لشريحة كبيرة من المجتمع بالدين.
وتجدر الإشارة إلى أنه بات من الواضح أن الاحتجاجات الأخيرة تفتقر للقيادات السياسية التي تنظم شعارات المتظاهرين ومطالبهم السياسية، على عكس المظاهرات التي خرجت في 2009 احتجاجاً على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية، حيث ركز قادة الإصلاح حينها على الشعارات السياسية المنبثقة من المعتقدات الشيعية والتي لا تخرج عن سياق النظام الحاكم رغم اختلاف التوجهات السياسية للمشاركين في المظاهرات.

القنوات الفضائية متنفسا

من خلال متابعة الصور والأفلام التي نشرت عن الاحتجاجات التي تم تداولها عبر شبكات تواصل الاجتماعي في الأسبوع الأول من الاحتجاجات يمكن ملاحظة أن الغالبية العظمى للمتظاهرين هم من فئة الشباب الذين يبلغ متوسط أعمارهم بين 20 إلى 25 عاما. وهي الفئة التي تشكوا وتنتقد دائما كبت النظام الديني للحريات الفردية والثقافية في المجتمع، كما أنها الأكثر ارتباطا بالعالم الخارجي من خــلال شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت.
وعلى العكس من ذلك فبعد مضي أسبوع من اندلاع الاحتجاجات نظمت الحكومة مظاهرات داعمة لها، شكل نسبة كبيرة من المشاركين فيها أفراد ممن تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاما، وهذا عكس الاختلاف الواضح للفئة العمرية للمتظاهرين سواء المعارضة أو الداعمين للنظام.
وأصبحت شبكة الإنترنت بالأخص شبكات التواصل الاجتماعي كـ»تلغرام» و«واتس آب» و«إنستغرام» في الوقت الراهن جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للعديد من الإيرانيين، بيد أن النظام الحاكم انتقد مرارا شبكات التواصل الاجتماعي هذه بحجة أنها تعرض أمن واستقرار البلاد للخطر. وذهب رجال دين متشددون من المقربين للنظام لأبعد من ذلك حيث أصدروا فتاوى عدة بتحريمها.
ورغم ذلك تلاقي تلك التطبيقات إقبالا كبيرا من قبل المواطنين. فحسب تقرير نشرته وكالة أنباء «الشباب» الإيرانية مؤخرا فإن أكثر من 40 مليون إيراني يستخدمون تطبيق تلغرام. ويظهر هذا ارتفاع عدد مستخدمي الهواتف الذكية في إيران وبالتالي شبكات التواصل الاجتماعي. الأمر الذي سهل على مستخدميها الحصول على المعلومات ومتابعة الأخبار في مختلف المجالات الفكرية والثقافية والسياسية بعيدا عن مقص الرقـــيــب، وبالتـالي يجد الإيرانيون في هذه التطبيقات وسيلة أكثر كفاءة من وسائل الإعلام الحكومية والمحلية التي تعكس في المجمل وجهة نظر النظام الحاكم في البلاد، وهذا يفسر أيضا عزوف نسبة كبيرة من المواطنين عن متابعة قنوات التلفزيون الحكومية واللجوء للقنوات الفضائية الناطقة باللغة الفارسية.
ويلجأ الإيرانيون وبالأخص الشباب، منهم لشبكات التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات حسب رغبة كل شخص، سواء آخر الأخبار المحلية أو العالمية من منظور مختلف عن ما يسعى النظام الحاكم لترويجه، وهو ما عزز الرغبة الجماعية في تشكيل شبكات تواصل مجتمعية عبر الإنترنت للتنسيق في ما بينهم، وهذا ما لاحظناه خلال الأسبوع الأول من الاحتجاجات حيث ابتعد المتظاهرون عن ترديد الشعارات التقليدية التي كانت ترفعها التيارات المتنافسة داخل النظام الحاكم كالإصلاحيين والمحافظين.
ورفعت خلال المظاهرات التي اجتاحت مدنا عدة في البلاد شعارات مؤيدة للنظام الملكي وتترحم على ملوك أسرة بهلوي. وهناك عدة أسباب وراء تلك الشعارات، من أبرزها، سعي النظام خلال ما يقارب أربعة عقود للتلاعب بشكل ممنهج في كل ما يتعلق بتاريخ إيران وما يخص النظام الملكي وبشكل بارز نظام آخر ملوك إيران محمد رضا بهلوي، سواء من خلال ما تنشره وسائل الإعلام باستمرار أو من خلال الكتب الدراسية في المدارس والجامعات.
في المقابل عرضت الكثير من القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية في الخارج أفلاماً وثائقية عدة رسمت صورة إيجابية عن حكام أسرة بهلوي، بعيدة عن الواقع أو أي نهج نقدي، فأفشلت رواية النظام ورسمت صورة خيالية عن محمد رضا بهلوي ووالده رضا شاه، وولدت نوعا من الشعور بالحسرة على الماضي الجميل لدى متابعيها.

نظرة تحليلية في شعارات المتظاهرين ما بين اليوم والأمس
الخروج عن المألوف في إيران
فاضل مندني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية