من حظنا أنه اخترعت شبكات التواصل الاجتماعي التي تكشف لنا بان (تقريبا) لا احد يصدق تصريح المسكنة للامين العام لحزب الله عن راتبه الصغير. فحسب نصرالله، يتلقى من «المنظمة» 1.400 دولار، وبعدها يقلصون له هنا وهناك خمسة دولارات للتبرع لمنظمات «المقاومة»، حماس وامثالها، وفي نهاية الشهر يتبقى مع 1.300 دولار في اليد ـ «وهذا يكفيني».
لدى نصرالله الداهية لا شيء يأتي صدفة. الكشف، الذي يفعل الكثير من الصخب في العالم العربي، سقط في هذه المرة في نصيب قناة «الميدان» في بيروت، المتماثلة كبوق «المنظمة». متماثلة لدرجة انه اذا كان للامين العام زلة لسان فانهم يوقفون التسجيل ويجرون عليه تعديلا في المكان. المهم هو اخراج نصرالله بريئا من الاخطاء، حادا ومباشرا، مرتبطا بالاحداث.
هكذا يعمل الامر لديه: عندما يريد الامين العام أن يخطب، يتم استدعاء فريق البيت من شبكة «المنار» ـ تلفزيون، راديو وصحيفة ـ يزينوه، ينفضون عباءته وعمامته، يرتب نصرالله الاوراق ويوجه نظرة إلى الكاميرات كي يرفع الصوت او يوزع الابتسامات. ومع السنين تعلم كيف يستنزف المشاهدين، كي لا يهربوا منه. وهو يعرف انهم في اسرائيل يستمعون، حتى لو كانوا ملوا سماعه، إذ في كل حدث اعلامي كهذا، يبث على شاشات كبرى في معقل حزب الله في الضاحية في بيروت، تنطوي رسائل، وهي بشكل عام موجهة لاسرائيل، ولكن ايضا لسوريا، لايات الله في طهران، للاسرة المالكة السعودية وللحكومة في بيروت.
لا يوجد جدال على الاطلاق بأن السؤال عن حجم راتب نصرالله طلب من الصحافي. وادعاء البراءة من جانبه بانه «لم أسأل في أي مرة كم أكسب» ليس مقنعا. فهو في منصب الامين العام منذ 26 سنة، ابن 57، متزوج واب لخمسة. هادي، ابنه البكر، صفته اسرائيل في ايلول 1997. وهو يصر على أن الـ 1.300 دولار التي يتلقاها كل شهر تكفي كل نفقاته.
ماذا يحتاج حقا؟ فبيوت للاختباء توجد له، الغذاء والملابس (والصحف) يؤتى له بها، وكل النفقات المرافقة مغطاة من «المنظمة». وحسب اللذعات السامة التي توجه له الان، يتبين ان الـ 1.300 دولار هي مجرد مصروف جيب له مقارنة بالمال الكبير (سنصل إلى ذلك توا).
اذا وافقنا على أن نصرالله يستغل ظهوره الاعلامي كي يدرك الرسائل، فهذا ما ينطوي عليه الكشف عن قسيمة الراتب البائس: الحرس الثوري الإيراني بلغ نصرالله بتقليص حجم المساعدة السنوية لحزب الله، مما يستدعي اعضاء «المنظمة» ـ ضباط، مقاتلين، موظفين ومدراء ـ شد الحزام. اذا كانوا تلقوا حتى الان 80 مليون دولار في السنة، فالميزانية ستقلص بالثلث على الاقل، على حساب رفاه عائلات رجال حزب الله. لا ننسى ان الالاف منهم يوجدون، دون خيار منهم، في ارجاء سوريا، والمئات عادوا في التوابيت. ليس دوما يمكن اسكات احتجاج الامهات، وليس صدفة ان يخرج الامين العام الان ليعطي قدوة شخصية ويروي بانه يعيش من مبلغ زهيد، اقل مما يكسبه موظف حكومة في بيروت، اقل بكثير من راتب وزراء واعضاء البرلمان.
ولكن الامين العام لا يذكر، وفي الشبكات الاجتماعية يحرصون على انعاش ذاكرته، بان حزب الله اصبح منظمة الارهاب الاغنى في العالم. المال الكبير، بحجم مليارات الدولار، يأتي من تجارة المخدرات المنتشرة حتى دول جنوب أمريكا. نصرالله يعرف كيف يقتطع لنفسه المكاسب من المساعدة الإيرانية وكذا من الصفقات في المواد الممنوعة.
التويتر يعج بردود الفعل السامة. احد (باستثناء قلة) لا يشتري تواضع وتوفير زعيم حزب الله. ومن بين مئات ردود الفعل أحببت على نحو خاص تغريدة حسن حيدر من بيروت، الذي يتوجه إلى الطبقات الفقير في لبنان وفي كل ارجاء العالم العربي: «افتحوا الباب، ها هو يأتي الرفيق الجديد إلى نادي المظلومين».
يديعوت 7/1/2018